إبداع أم (في علاج مشكلة ابنها)

في كل يوم يأتي الصبي إلى البيت متذمراً من طباع رفاقه، شاكياً من مضايقاتهم المستمرة له، وبعد مدة رأت أمه وضع حد لهذا، فأخرجت الميزان القديم ذا الكفتين وأحضرت المكعبات الخشبية التي يلعب بها، وقالت له: “بماذا يضايقك أعز رفيق لديك؟ عليك أن تعدد عيوبه وسوف نمثل لها بالقطع الخشبية، ثم نستخرج النتيجة”، قال الصبي: “أنزعج منه لأنه يستعير أغراضي بلا إذني، ويجبرني على الألعاب التي يحبها هو، ويمتنع عن مشاركتي بالألعاب التي أحبها أنا، ويتكلم معي بفظاظة، ويمزح مزاحاً ثقيلاً…” اختارت الأم المكعبات حسب حجم المضايقة التي يشعر بها الصغير، ووضعتها في الكفة اليسرى من الميزان
ثم سألته: “لماذا أنت حريص على صحبة رفيقك هذا ما دام مزعجاً، ويسبب لك هذه المضايقات؟!”، فأجاب الصغير: “لأنه يقاسمني طعامه وشرابه، ويسمح لي بركوب دراجته، ويشرح لي ما استعصى علي فهمه من مسائل الحساب، ويسأل عني إذا غبت…”. فوضعت الأم مكعبات من الخشب في الكفة اليمنى على عدد مزاياه، فرجحت الكفة لصالح حسنات رفيقه الحميم (وكذلك فعلت مع بقية الرفاق)
يقول الصبي: “أمي حلت مشكلتي في دقائق قليلة وبوسائل بسيطة، ولكن حادثة الميزان علقت بفكري طوال السنين، وصرت لا أنتقد أحداً إلا رأيتني أقابل بين حسناته وسيئاته وبناء عليه أعرف كيف ينبغي أن أكون معه وهل أصادقه أم أهجره”
وأعقب أنا: “لقد أعجبني صنيع هذه الأم، وإنها لنصيحة قيمة صيغت بأسلوب جميل وبسيط ومقنع، وإني أنصح كل أم باستعمالها، وأنصح كل فرد (مهما كان موقعه) بالتفكير في مضمونها خاصة الأزواج! ولعلها تساهم في إزالة الخلافات بين الناس، وإشاعة التفهم والمودة بين الأقران والخلان والأقرباء
عابدة المؤيد العظم

أيها الزوج “أمك ليست أمها”

أمك ليست أمها، وأهلك ليسوا رحمها وقرابتها!
عجائب الدنيا السبعة نمت في عصرنا وتنوعت، وما زلت أحصيها حتى رأيتها قد تجاوزت السبعين! منها قضية أحسبهما مهمة وهي قضية كل زوجين مغتربين؛ حيث يختلسان عطلتهما التي لا تتجاوز أسبوعين أو ثلاث، ويحصلان بصعوبة على فيزا، ويدخران معاشهما من أجل هذا اللقاء الأسري… ويأتيان إلى الوطن أو إلى بلد محايد بعد فراق طويل قد يمتد لسنوات، وكلهما شوق لرؤية أهلهما والتمتع بصحبتهما وبرهما
القصة إلى هنا طبيعية، وهي مسألة إنسانية، ومن صلة الرحم التي حث الإسلام عليها وأمر الناس بها، وبشر فاعلها بمزايا كثير في الدنيا قبل الآخرة… والإشكالية حين يستأثر أهل الزوج بالعائلة كلها ابنهم وزوجه والحفدة، وينسون أن للفتاة والدة وقرابة… وأن لديها عواطف وأشواق تجاه أهلها… فلا تكون حصة أهلها من الزيارة كلها إلا سويعات قليلة في زيارات قصيرة!؟
وتلك قسمة ضيزى! فترى الزوجة أهل زوجها أكثر مما ترى أهلها!؟ وتخدم في بيت حميها… وأهلها بحاجة أكثر لرعايتها، وبرهم -شرعا- أوجب عليها. وتحزن أمها وتتضايق أخواتها، ويصر زوجها على الاستئثار بها (وهي معه دائماً خالصة له في غربتهما!)
والعدل أن تزور الزوجة في بيت أهلها ويزور الزوج في بيت أهله، ويبر كل واحد منهما والديه، ويتفرغ كل منهما لرؤية أهله وذويه، ويجتمع الزوجان في بيت واحد مرة أو مرتين في الأسبوع، أو في زيارات قصيرة حسب الحاجة، ولا تعجبوا:
1- فالزوجان دائماً معاً في الغربة، والآن دور أهلها وأهلها
2- وعلى كل واحد منهما بر أهله هو، فهذا أوجب وأقرب إلى الله وهو ما يتوافق مع السنة الشريفة ومقاصد الشريعة
3- من حق الأهل الانفراد بأولادهم، وليس للضر بالطرف الآخر، وإنما من أجل المودة في القربى، ولأن الزوج أجنبي على أخوات الزوجة وخالاتها وعماتها، والعكس
وليس هذا الاستئثار حال السفر فقط، وإنما يفعلونه في الحضر! وتصبح زيارة الزوجة لأهلها لماماً وفي المناسبات العامة، وقد يصاحبها زوجها إليهم ولا يمكنها من الانفراد بهم.
أيها الناس
الزوجة رغم المصاهرة ورغم انتقالها من ولاية أبيها إلى رعاية زوجها تبقى منتمية لأسرتها، تحمل اسمهم وعليها برهم ويسألها الله عنهم. وأما أهل زوجها فيبقون من النسب وحقوق النسب ليست كحقوق الرحم، والزوجة تبقى في أسرة زوجها دخيلة غريبة فلا تحمل اسمهم ولا ترث منهم شيئاً، وهي أجنبية عنهم وتحتجب منهم جميعاً سوى والد زوجها، والفتاة تتعلق بأهلها وتشتاق إليهم، والمهم ألا تمنع زوجها وأولاودها من بر أهله، وأن تكون علاقتها جيدة بهم، أما ما سوى ذلك فليست مثلهم… فاقدروا لهذا قدره، وأعطوا القرابات والمصاهرات حقها، والزوجة إذا زارت أهل زوجها مرة، فإن عليها زيارة أهلها مرتين أو ثلاث مقابلها.
وإذا لم تقتنعوا بكلامي، فانظروا كم يزور الرجل أهله وكم في مقابلها يمر على أهل زوجته، وعليه قيسوا… فإن الله أمر بالعدل والإحسان
عابدة المؤيد العظم

خالتي التي بدلت حياتي

قرأنا في تاريخنا عن “أحداث جسيمة” مثل “اختراع الكتابة” و”فتح القسطنطينية” و”سقوط الأندلس” وأحداث “11 أيلول”…. ورأينا كيف أدت هذه الأحداث إلى “منعطفات كبيرة” على الصعيد العالمي فتغير التاريخ بعدها وتبدل حال الدنيا وأوضاع الناس تغيراً جذرياً…

وكما يحدث هذا على مستوى العالم فإنه وفي حياة كل إنسان “منعطفات كبيرة” كهذه تبدل حياته وتقلبها رأساً على عقب في لحظة واحدة.

وهذا “المنعطف” صار معي، وتغيرت حياتي فجأة وبلا مقدمات!

وكان هذا قبل 30 سنة حين قتلوا خالتي في ألمانيا، وتغير كل شيء من حولي…..

حكاية حقيقية واقعية نشرتها لي مجلة “الأسرة” ووضعت رابطها على صفحتي، وزالوا يسألونني عنها، فهل أنشرها هنا على حلقات؟

وكنت -قبل ثلاثين عاماً- أعيش في “دمشق” مع أمي وأختيّ، أنا وأمي نَدرس في جامعة دمشق (هي تحضر للدبلوم وأنا في “الأدب الانكليزي”)، وأختيّ في المدرسة وكل منا تعمل على تحقيق بعض الإنجازات المفيدة ولدينا ارتباطات على مدار الأسبوع.

وحياتنا وادعة مستقرة، وحولنا كثير من الأقرباء والصديقات المتميزات اللاتي يوجدن البهجة ويزدن المتعة، وبيتنا عامر بالحياة، والناس تدق بابنا في كل وقت، وهاتفنا يرن على مدار اليوم، فأمي لا ترد زائرة ولا تصد سائلة وتسعد بإطعام الطعام وإفشاء السلام وإغاثة الملهوف وبذل المعروف… هكذا كانت حياتنا.

وذات يوم كنا في سرور وحبور نأكل ونتحدث ونشاهد التلفزيون، فدق جرس الباب وجاءتنا زائرة ومعها نبأ قتل خالتي… وعلى الفور عفنا الطعام وانقلبنا من الضحك إلى البكاء، وتركنا التلفاز وفتحنا الراديو لنسمع الخبر من الإذاعات المعتبرة… وخلال ثلاثة أيام رفعنا السجاد وتصدقنا بالطعام، وجمعنا كل الأثاث على جنب وغلفنا بالنايلون، ورتبنا شنطنا وهاجرنا وأصبح بيتنا العامر ساكناً موحشاً وملفوفاً بالأكفان، وغادرنا تلك الحياة الغنية الصاخبة إلى حياة تختلف عنها تمام الاختلاف، ووصلنا إلى بلد شديد الحرارة وإلى حياة هادئة رتيبة وإلى بيت فارغ ليس فيه أثاث حتى يكون فيه طعام، ولا نعرف إلا القليل من الناس فذقنا طعم الوحدة، وعشنا مشاعر السجناء فقد كتبت علينا الإقامة الإجبارية في البيت لأنه لا أب لنا ولا أخ ولا ابن ليقود السيارة، وبقيت وأختيّ مدة بلا دراسة، وما عاد أحد يدق بابنا، وصرنا نحتاج إلى الضرورات فلا نجد من يحضرها لنا وقد نبقى بلا خبز ولا حليب يوماً أو يومين… لقد عشنا فروقات كثيرة وشديدة التباين بين الحالين.

لقد استعمل القاتل خمس رصاصات وأطلقها في خمس ثوان وتكلف ناقل النبأ النطق بثلاث كلمات فقط: “قتلت بنان الطنطاوي” واستغرق خمس ثوان ليتلوه على مسامعنا… ولكنها كانت كافية لتقلب حياتنا وتبدل مسارها كلياً.

وهكذا قلب “قتل خالتي” حياتي، بل قلب حياة أسرتي الصغيرة كلها وبدلها تبديلاً كاملاً، فصارت الفاجعة فاجعتين (فراق الخالة وفراق الأهل والوطن), فمن هي خالتي؟

خالتي اسمها “بنان الطنطاوي” ولدت عام 1943 وهي الابنة “الثانية” للشيخ علي الطنطاوي ولها أربع أخوات ولا إخوة، ولدت ونشأت في دمشق وتركت المدرسة وهي ما تزال صغيرة لتتزوج، وأنجبت “هادية” الغالية و”أيمن” الذي شاركنا طفولتنا السعيدة

ثم تغيرت ظروف البلد فهاجرت.

ولسفرها قصة فيها عبرة : إذ كانت خالتي بنان تحب دمشق بجنون واشترطت لزواجها “السكنى في الشام”، واختارت من بين الخطاب الأستاذ عصام العطار لمنزلته ومكانته ، وعاشت معه في دمشق (كما تمنت)، وسكنت بيتاً قريباً من أهلها مما زاد في حبورها وسرورها، ومرت أربعة أعوام، أرادت خلاله أمراً ثم قدر الله لها أمراً آخر، فحوصر زوجها سياسياً، وخرجت خالتي ذات يوم من سورية برفقة زوجها ولم تعد، وبقي ولداها، وبصعوبة بالغة رتبوا لإخراجهم ليلتحقوا بها.

وسكنت مدة في عمان ثم بيروت، وبعد سلسلة من الهجرات استقرت في آخن في ألمانيا الغربية، فكان لخير وبركة وأصبح لها أثر كبير في الدعوة

وكانت خلال ذلك صابرة محتسبة تتحمل عبء الانتقال من مكان إلى مكان ومن لغة إلى لغة وتتصبر عن البعد عن أهلها وبلدها (رغم تأجج عواطفها وشدة شوقها)

وكنا نبادلها هذه المشاعر وكانت أسعد الصيفيات تلك التي تشاركنا فيها هي وأولاوها فيجمعنا جدي كلنا في لقاءات ممتعة ومفيدة خلدت بعضها في ذاكرتي وبعضها الآخر في كتابي “هكذا ربانا جدي”.

استقرت خالتي “بنان الطنطاوي” وتعلمت اللغة الألمانية بسرعة وإتقان، وساهمت في العمل النسائي والدعوة إلى الله، وكانت تلقي الدروس وتشارك مع زوجها في المؤتمرات وتسافر في أنحاء أوربا فتعرفت على العالم واكتسب خبرة جيدة في التعامل مع الناس، وتعلمت كيف تخفي مشاعرها وكيف تحتفظ بأسرارها لنفسها، ولشدة عاطفتها ولتأثرها بغربتها كانت تحن على كل مغتربة وتواسيها وتساعدها في التأقلم مع الحياة الجديدة، وقد تقدم بيتها أو طعامها أو ملابسها لكل محتاج، فكثر محبوها وكسبت ثقة من حولها.

وبقيت خالتي تحلم بالعودة إلى دمشق وبقينا نتلهف لرؤيتها بيننا، ودام حرمانها 13 سنة ثم زارتها في صيفي (1977 و1978) وكان حدثاً مميزاً مبهجاً، وازدحم مطار دمشق بمحبيها إذ خرج كل معارفها لاستقبالها، وكم كنت فخورة بذاك الاحتفاء بخالتي.

وقضت خالتي بنان وأولادها أياماً رائعة بيننا في دمشق، وكانت الزيارتان مميزتين لنا جميعاً ومن أجمل وأغنى أيامنا معها، وزرات كل المناطق القديمة التي طالما حنت إليها، وتعرف أيمن وهادية لأول مرة على وطنهم… ثم غادرتنا ولم نرها بعدها أبداً. وأذكر بوضوح “أننا تحدثنا عن الموت في إحدى سهراتنا الأخيرة تلك” فقالت بحزن: “إذا ممكن: أنا أكره الفراق فلا تتحدثن أمامي عن الموت… ولأني أكره الفراق سأموت أنا أول واحدة”… وهذا ما كان…

أحببت خالتي وتعرفت عليها جيداً وكونت ذكريات غنية عنها… على قلة ما رأيتها! وساهم في بعدها عنا حرصها على ملازمة زوجها فلا تكاد تتركه إلا أسبوعين فقط وفي كل سنتين مرة (ترانا فيهما) ثم تعود إليه وإلى غربتها، على أنها ومن خلال هذه الفترة البسيطة التي تمكثها بيننا استطاعت الدخول إلى قلوبنا بابتسامتها الساحرة فلا يكاد المرء ينظر إليها حتى تسارع إلى الابتسام فوراً ولا يمنعها الألم ولا الحزن ولا النعاس ولا الغيظ من الابتسام حتى لهممنا بأن نسميها خالتي ابتسام بدلاً من خالتي بنان. كما اقترح بعضنا تسميتها خالتي “لطيفة” لحرصها على مشاعر الجميع، وهي تتصرف بذوق ولباقة، وتحسن القول وتجود بالثناء، فتركت أثراً طيباً بيننا.

وخالتي كريمة لدرجة عجيبة حتى إني لأخشى أن أقول لها: “حذاؤك مريح، أو عقدك جميل” خوفاً من “طبعها الكريم”، إذ إنها وفي بعض المرات تخلع الحذاء أو العقد، أو أي شيء أبدى (من تحبه) إعجاباً به وتهبه له ساعة انصرافها!

وبنان الطنطاوي -رحمها الله- امرأة مضحية ومؤثرة تترك نومها وطعامها ومتعتها لتسعد الآخرين، وبدأت بإيثار عائلتها الصغيرة فهي تسهر على راحتهم بطريقة تدعو للدهشة وقد تصل الليل بالنهار وتسوق لمسافات طويلة لترضيهم، وتخرج وهي مريضة إلى السوق أو البقالة لتحضر لهم ما يشتهونه (ولو كان شيئاً كمالياً)، بل لم يكن لها الحق بالمرض فالمسؤوليات الكثيرة تمنعها منه، ويدفعها إيثارها لتخفي مرضها وترعاهم وهم أصحاء أقوياء. وكانت تسبق زوجها إلى ركوب السيارة ويقف هو ينتظرها بعيداً لتتأكد أنها خالية من قنبلة مدسوسة (وقد ذكره زوجها الأستاذ عصام العطار) فهي مستعدة لفداء عائلتها بروحها….. وقد فعلت

وهي الإنسانة المتفائلة دائماً، وإن هزت الظروف اطمئنانها في بعض الأوقات العصيبة. وتتظاهر بالتجلد والقوة (ولو كانت في أشد حالات الضعف، وكَمْ مرت بذلك)

وهي امرأة وفية أحبت زوجها فتفانت في رعايته، وكانت تقدمه على نفسها وتسعد بصحبته، ورحبت بالاغتراب والبعد عن الأهل لتكون برفقته، وساندته في عمله بالدعوة وحملت عنه ما يمكنها حمله، ووفرت له الجو الهادئ للكتابة، وتولت عنه كل الواجبات الثقيلة ليتفرغ للدعوة. وكانت صديقة صدوقة تشاركه همومه وأفكاره.

وفوق كل هذا أدارت بيتها بنجاح وكانت طباخة ماهرة وخلال ساعتين تعد مائدة متعددة الأصناف.

واستطاعت خالتي أن تكون لابنتها أماً وأختاً ورفيقة وفية وناصحة أمينة، ولم أر في حياتي أبداً (وقد قاربت الخمسين) أماً أحبت ابنتها ورعتها ودللتها كما فعلت خالتي مع ابنتها، فهادية متميزة دائماً بين أقرانها

هكذا عرفت خالتي، وطالما انتظرنا حضورها وبكينا ونحن نفارقها، وعشنا الفراق مراراً وتكراراً على أننا ما عرفنا الموت في عائلتنا المقربة ولم يمت لي قريب مقرب أبداً ولم أتلوع على أحد، حتى بلغت الثامنة عشر، وفي ذلك اليوم الذي لا أنسى تفاصيله:

يوم ثلاثاء 17 آذار من عام 1981، يوم مكتظ ومليء بالواجبات فلم أسمع الأخبار التي أسمعها يومياً ومن ثلاث إذاعات أجنبية عند الظهيرة !! فيا سبحان الله

ورجعت وأمي للبيت وقد قاربت الساعة على السابعة مساء، كنا في غاية الإرهاق وبينما كنا نأكل ونضحك ونسرد ما حدث معنا في يومنا الطويل الحافل وإذا بالباب يدق، وليس هذا غريباً علينا فالناس تدق بابنا في كل وقت، وأمي امرأة اجتماعية ومحبوبة جداً، وفتحنا الباب ودخلت من الباب خالة هند عطار (أخت زوج خالتي)، كانت تزور أمي دائماً وبينهما علاقة حلوة ومتينة، ولكن الغرابة في شكلها إذ بدت قلقة وزائغة النظرات، دعتها أمي للجلوس لكنها ظلت تلاحقني أذهب إلى المطبخ فأراها خلفي وإلى غرفتي فأراها معي! وتسألها أمي: “ما بك” فتقول: “أريد عابدة!” وأستغرب أنا وأتساءل في سري “ماذا تريد مني وهي تكبر أمي ببضع سنين ولم يسبق أن كلمتني على انفراد”!، فلما ألحت عليها أمي قالت: “اقتحموا بيت بنان” فسألتها أمي: “وأبو أيمن؟”، فقالت: “بالغلط أصيبت بنان بطلق ناري وهي في المشفى”.

واختلجت أمي وأدرنا المذياع وسمعناه يقول: “فأرداها قتيلة على الفور، وللعلم فالقتيلة هي ابنة الشيخ علي الطنطاوي”…. وذهلنا وارتجفنا وانهمرت دموعنا غزيرة، ولم تصدق أمي المذيع وصدقت هنداً، وبدأت الصديقات المقربات بالتوافد علينا، وحاولت أمي الاتصال بألمانيا فردت عليها أصوات غريبة بلغة غير مفهومة، وانتصف الليل وذهب الناس ودخلت أمي لتنام ولم يغمض لها جفن وقضت الليل جالسة في الفراش تدعو أن تكون خالتي في المشفى وتخرج معافاة سليمة. ولكننا صحونا في اليوم التالي لنرى جنازتها.

وشرحوا لنا فيما بعد كيف تم الأمر :

أرسل “النظام السوري” مجموعة من القتلة (ولم نعلم إلى الآن “هل أُرسلوا لقتل زوجها عصام العطار فأخطؤوا بقتلها؟ أم جاؤوا لأجلها؟” وإن صرح مسؤول سوري فيما بعد: “نحن لم نقتل عصام العطار كما أردنا ولكننا أصبناه في مقتل.. لقد قطعنا بقتل زوجته بنان يده ورجله ولن يستطيع بعدها أن يتحرك كما يتحرك وأن يعمل كما يعمل”)، وقد أصابوا فلخالتي مكانة عظيمة في حياة زوجها.

نعود إلى القصة: علم زوج خالتي بأمر القتلة فترك البيت وذهب بعيداً، وبقيت خالتي

وحدها في المكان الخطر، وكانت في حالة نفسية سيئة جداً فالضغط كبير عليها وزوجها معرض لخطر حقيقي، وهي في غربتها ولا سند لها، واتصلت بجدي تستمد منه الطمأنية وتشكو بثها وحزنها

وحدثنا جدي بهذه الواقعة (أكثر من مرة) وصوته يتهدج… وفي كل مرة كنت أتأثر كثيراً،

قال:

“اتصلت بي بنان قبل وفاتها بساعة واحدة فقط، وشعرت بخوفها وقلقها، (وكيف لا يشعر وهي بضعة منه وهو الأب الحنون)، فحذرتها من البقاء بالبيت وطلبت منها المغادرة إلى حيث زوجها، فلما رأت قلقي، برز طبعها الرقيق فطمأنتني (رغم قلقها) بأن باب البناء مقفل ولا يمكن فتحه…. وطلبت منه الرضا عنها والدعاء لها، ” ويصمت جدي ويمسح دمعه، وهو يقول بأنه “إنه قدرها”

وفي الساعة السادسة صباحاً وبعد ذهاب أيمن إلى المدرسة كانت خالتي وحيدة حزينة قد جفاها النوم واستبد بها القلق (وهي تقيل في مثل هذا الوقت) … وصل المسلحون إلى بيتها، وطلبوا من الجارة (التي تصادف وجودها أسفل البناء) وتحت تهديد السلاح الوقوف أمام الكاميرا الموجودة خارجاً ودقوا الباب الرئيسي السفلي للبناء، نظرت خالتي واطمأنت لما رأت جارتها وفتحت لها، وصعد المسلحون إلى الشقة إلى الطابق الثالث حيت تسكن، ولما فتحت الباب بادروها على الفور بإطلاق خمس رصاصات في الرأس والصدر والرقبة وسقطت ميتة على الفور، ويقول جدي في مذكراته أن أحدهم داس عليها بقدمه ليتأكد من موتها، ثم هربوا وتركوها مضرجة بدمائها (وتوفيت عند السابعة صباحاً ولم نعلم نحن في الشام بالنبأ حتى السابعة مساء).

وسرعان ما وصلت الشرطة إلى منزل خالتي واستدعوا زوجها (قالوا لنا أنهم أتوا به أولا إلى المخفر ليمهدوا له ثم للبيت؟!

ولكن الذي أعرفه ومتأكدة منه أن ابن خالتي كان في المدرسة، وأذكر بوضوح تام كيف جاء أيمن إلى “جدة” وحكى لي ولأمي وأختي “قصة تلك الفاجعة” “في إحدى السهرات الهادئة وقصته حفرت في ذاكرتي وجرحت قلبي وأبكتني:

كان في الحصة في المدرسة ورأى المروحيات تطير فوق صفه ولم يكن منظرها مألوفاً أبداً، فلا تحلق في الجو إلا لأمر جلل (حريق…. )، وكان ابن خالتي يتمتع بحس عال للدعابة، فأخذ يعلق على طيران المروحيات ويقترح تفسيراً طريفاُ لوجودها وأصدقاؤه يضحكون، ومرت دقائق ودخل رسول المدير إلى الصف واستدعى أيمن… فوجل وظن أنه سيتعرض لعقاب بسبب تعليقاته، ولم يخطر بباله ما الذي ينتظره… ولا كان يخطر ببال أحد منا

والمؤلم أنه قال “وفكرت بأمي وخشيت من إزعاجها حين توقع أن سلوكه الطريف البريء قد يتسبب باستدعائها إلى المدرسة”،

وخرج أيمن إلى المدير ولكنه بدا هادئاً واستقبله في مكتبه استقبالاً حلواً، وأيمن في أشد حالات الدهشة والترقب… ولم يلبث أن بلّغه “خبر أمه”، ثم سمح له بمغادرة المدرسة و(الدوام ما يزال في أوله)، بل وحسبما أذكر فإنه أكرمه وأوصله بإحدى الطرق (سيارة أو مروحية) إلى باب بيته.

أما هادية فكانت تسكن مع زوجها في بلد يبعد ساعتين عن آخن، ولا أدري كيف وصلها الخبر، أتذكر أنهم أخبروا زوجها وهو الذي تولى إخبارها ثم حضرا على الفور.

هذه أول مأساة في حياتي “فقد خالتي”، فرد مهم من العائلة تركنا ورحل ولأول مرة

يقترب منا الموت ويؤلمنا، وكانت فاجعة كبيرة عانينا منها كلنا وتكدرت حياتنا، وخالتي ليست أي فرد، فهي متميزة وأروعه أنها تشبه أمي في خلقها وخلقها (مما زاد في حبي لها ولوعتي عليها).

وإني أتساءل دوماً إن كانت حياتي قد تغيرت إلى هذه الدرجة فما حال زوجها عمو عصام وما حال هادية وكيف هي حياة أيمن بعد الفاجعة؟ على أني لم أجرؤ على السؤال.

زوجتي لا تحب سلفتها

السؤال:

اعاني من مشكلة اجتماعية ،وهي ان زوجتي تكره بشكل كبير جداً زوجة اخي ،مع ان زوجة اخي يوجد بها خصال ليست جيده ،ولكن لاتحتاج كل هذه العداوه، وقد حاولت تكرارً ومرارً ولكن لا فائدة، وأنا أنحرج مع أخي. والمشكلة أن مشاعرها تجعلها تتهم أولاد أخي بإسقاط ابنتي او ابكاؤها من دون اي دليل. وهذه النقطه مسببه لي هم وقلقل، ارجوا من الله ثم منكم ياخالتي عابدة ان توجهيني وتدليني لماهو خير ان شاءالله.

والجواب:

إن الأرواح جنود مجندة… والحب والكره من الله، فلن تستطيع فعل شيء!

وهناك مثل يقول: “ركب الضرائر سار وركب السلفات ثار”، ولعله حق!

وإني أرى أن تترك زوجتك على هواها في حبها وكرهها لسلفتها، وتحاول تقليل الاحتكاك بينهما، كما أنصحك ن تتوقف عن نصح زوجتك والدفاع عن زوجة أخيك إلى حين، وذلك لكي تهدأ زوجتك وتراجع نفسها.

ولكن من المهم ألا تتسبب هذه المشاعر بالظلم أو الهضم أو سوء الظن، فاطلب من زوجتك أمراً واحداً فقط: أن تعدل في الأطفال، وألا تتهم دون دليل، بل اطلب منها أن تراقب الأولاد من وراء حجاب وهم يلعبون، وترى بعينها كيف يفعلون، وذلك لتعرف الحقيقة وليطمئن قلبها، فتتوقف عن الاتهامات.

عابدة المؤيد العظم

بنتي الهادئة وقريبتها المتحررة

السؤال :

ابنتي في الصف الثالث الابتدائي انتقلت الى مدرسة جديدة وجدت أن قريباتها في هذه المدرسة في فصل و ابنتي في فصل آخر فلا يتقابلون الا وقت الفسحة -طلبت مني ابنتي أن أنقلها للصف الاخر مع قريباتها علماً ان ابنتي غير اجتماعية و هادئة و لا تتأقلم بسرعة -المشكلة أن احدى القريبات التي تريد ان تكون معهم في نفس الفصل مخلتفة عنا فعائلتها منفتحة جداً (و أخاف ان تتأثر ابنتي من صحبتها اذا كانت معها في الصف) -أتمنى لابنتي أفضل صحبة و في نفس الوقت لا أريدها ان تتأثر و لا يكون عندها صديقات في نفس الفصل -علماً ان في فصل ابنتي الحالي يوجد طالبات جدد عن المدرسة سؤالي هل أكلم المدرسة و أنقلها للفصل الاخر أم اتركها في نفس الفصل الحالي و ستتأقلم هناك مع الوقت

والجواب

نعم، من الأفضل أن تنقليها لكي تشعر البنت بالأمان وهي مع قريبتها، على أن تتابعي وتراقبي ما يحدث بينهما، وإن معالجة أي خطأ مع القريبة (التي تعرفينها) أسهل كثيراً من معالجة أخطاء قد تأتي مع البنات الجديدات (اللاتي انضممن للصف) وأنت لا تعرفين أخطاءهن ولا تعرفينهن.

كما أن الاستجابة لرغبة بنتك أفضل من تجاهلها، وهذا سوف يقربها منك حين تجد من طرفك الحرص على راحتها، ولا تنسي أن الفتيات سوف يجتمعن في الفرصة بين الحصص، وإذا كان تأثير هذه القريبة قوياً فإنها ستستطيع ذلك خلال تلك الفترة القصيرة.

وإن بقاءهن في صف واحد قد يجعلها تكتشف بنفسها بعض السلبيات، فتعرض عن قريبتها وتجد لها رفيقة أخرى.

وحبذا لو وجدت ممن تثقين بهن أنت رفيقة لها، ولو كنت مكانك لتخيرت من أتوسم فيهن الخير من بنات صفها ولدعوتهن إلى البيت لأختبرهن، ثم أقوي علاقتها بأفضل واحدة بينهن، عن طريق زيارتي لأمها، والخروج معاً، ثم تبادل الزيارات بين الفتاتين

عابدة المؤيد العظم.

كيف أختار زوجة المستقبل؟

السؤال:

نصائح حضرتك لمقبل على الزواج وفي بداية العلاقة الواجبات والمسؤوليات الحساسة التي لا بد من تنظيمها وما هي أولوياتها وكيف أحدد مبادئ لأسرة قوية ومتينة وكيف أبنيها بقوة ؟ والله إنها مسؤولية كبيرة والدقة مهمة بالنسبة لي ؟

والجواب:

1- عليك أن تختار زوجة تناسبك في فكرك وفي هواياتك، وفي مستواك الاجتماعي

2- ومن المهم أن تقرأ عن طبيعة المرأة، وتتفهم طبيعتها وشخصيتها

3- ولكن النساء يختلفن! فكان من الضروري أن تتفهم طبيعة زوجتك

4- أن تخط لكما طريقة خاصة في التعامل، على أن يكون الاحترام متبادلا بينكما، وإن الاحترام هو قوام العلاقة الزوجية

 

ولا أنصحك بأكثر من ذلك! لأن الزوجة هي أقرب شخص للإنسان، ومن المفضل أن تتعامل معها على طبيعتك وسجيتك، ولو أنك تواصيت بها خيرا كما أمر النبي عليه السلام، وتحملت النفقة والرعاية، وهي عاملتك بو ومرحمة وكانت سكنا لك… حصلت على سعادة زوجية، وحياة مستقرة وهانئة

كيف أتصرف أثناء الرؤية الأولى للخاطب؟

السؤال كما وردني:

السلام عليكم اريد نصيحة سيادتكم انا فتاة سيتقدم الى شاب بعد بضعة ايام وكنت اريد استشارة حضرتك فى انى صريحه جداااا ومقتنعه تمام الاقتناع ان اساس اى علاقة الصراحه زائد انى كثيرة الكلام فهل اكون على طبيعتى تماما وليظهر عنى من اول جلسه ما يظهر وقد يعرف عنى اشياء بسبب هاتين الصفتين لاحاجه لمعرفتها من اول جلسه لعله لا يكون نصيبى فهل ابقى على طبيعتى ولا اكون اكثر تحفظا فى اسلوب كلامى وجزاك الله خيرا مقدما

الجواب:

أهلا بنتي، ورب يبارك لك، ويقدم الخير،.

من المؤكد أنه من الأفضل أن تتجملي في اللقاء الأول، وألا تكوني على طبيعتك الحقيقية؛ وأنصحك بهذا ليس لأنك على خطأ، أو لأن رأيك وحجتك غير مقنعة، (بل إني أعترف أن تفكيرك هو الصواب والأقرب إلى الله)، ولكن لأسباب أخرى:

1- ذلك أن الناس تفهم الصراحة والطبيعية بطريقة غلط، وتفسره على غير حقيقته، وقد يستعملونه ضدك… فيرونه قلة تهذيب، أو جرأة زائدة، أو قوة شخصية قد يخافون منها، أو محاولة لفرض الرأي… وهذا السبب الأول، الذي جعلني أنهاك عن الصراحة في اللقاء الأول، على أني أعتبره سبباً ثانوياً وغير مهم.

2- وأما السبب الثاني وهو الأهم والضروري: من الأفضل أن تتفحصي أنت الشاب وتسمعي منه وتتأمليه، ولا تُخرجي ما عندك قبل أن تعرفي ما عنده هو، فإذا تكلمت وأكثرت فلن تتاح لك الفرصة للتعرف عليه.

ومن أجل هذا يفضل في اللقاء الأول أن تسمعي منه أنت، وتتعرفي عليه أنت، فإن أعجبك، اجلسي معه مرة أخرى، ويمكنك أن تكوني أكثر طبيعية في اللقاء التالي، وهكذا تدرجي في كل مرة، حتى تصلي لحالة قريبة من الطبيعية.

 

طريقة النصح

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. استاذتي الفاضله ارجوا ان تساعديني انا انسانه لا اعرف كيف انصح وعندما انصح احيانا من عصبيتي لانني مقهورة تكون نصيحتي غلط او اسلوبي غلط ساعديني ارجوكي فانني اكل نفسي ولا اعلم كيف اتصرف وتعبت جدا وجزاك الله خيرا

والجواب

وعليكم السلام 

أرى أن تتوقفي عن النصح مدة من الزمن، لكي ينسى الناس طريقتك القديمة.

وتحاولي خلال ذلك القراءة عن طرق أساليب النصح اللطيف التي تقنع الناس، وتدخل إلى قلوبهم، وستجدين ذلك على النت، ابحثي على غوغل وسوف تصلين إليها بسهولة، ومنها أن تكون هادئة! وتتكلمي بلطف. ودون اتهام للطرف الآخر، وتبيني أثر الأخطاء على الأفراد فيما لو استمرت… وقد لخصها القرآن حين قال: “وقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى”.

ومن المهم أيضا ألا تنصحي الناس إلا على الكبائر وعلى المخالفات العظيمة أما المختلف فيه، فدعيه.

مع تمنياتي لك بالتوفيق، ومع تقديري لحرصك على الخير.

ولقد نشرتها مع “دعم للوالدين” لأنها تنفع لكل ناصح، وعلى رأسهم المربين.

 

هل للدراسة أثر على الثقافة

السؤال

لقد كان شيخنا الطنطاوي غفر الله له وأنزله منازل السعداء يرى عدم زواج بنت المدينة لرجل الريف ومعلوم أنه انتهى لذلك بسبب غلبة الجهل وقلة الثقافة عند الريفيين.. واليوم وبعد أن انصهر المدني بالريفي وتساوت بينهم المعرفة والنضج والثقافة..فلو كان الشبخ رحمه الله حيا أفكان مشجعا لتزاوجهما و لا يرى بأسا في ذلك بعد تعذر الذريعة واﻷسباب المانعة منه مسبقا.. ؟؟؟أفيدينا حفظك الله وأهل بيتك ومحبيك من كل سوء.

والجواب

في الحقيقة لم تنصهر الفروقات والتعليم الجامعي لا يغير شيئا والغلبة للنشأة الأولى.

وجدي بقي حتى وفاته رافضاً لهذا الشيء وبقيت بناته وأحفاده على هذا الفكر.

ولكن إذا تقاربت البئية الفكرية والبيئة الاجتماعية تقارباً كبيراً فلا بأس.

هل أزوجها لرجل لديه سبعة أولاد؟

السؤال:

فتاة سورية تقيم في السعودية تقدم لخطبتها شبان سوريون ولا رغبة لديها بالموافقة وترغب في سعودي يخاف الله يحفظها ويحفظ أهلها معها وجاءها عزاب سعوديون يغلب عليهم الطيش، ومؤخراً تقدم لها سعودي يحوز على كامل آمالهم ولكن عمره خمسون عاما وعمر الفتاة عشرون عاما و كان متزوجا ولديه سبعة أولاده، ويريدها أن تكون ربة اﻷسرة وألزم نفسه بحمل أهلها وتهيئة أعمال لهم وهو مقتدر ويخاف الله ويتردد على الحرم ومن عائلة أصيلة يثني عليها السعوديون المشكلة أن عمره خمسون لكن أكثر المتقدمييين معددون فهل يوافقون عليه وهل يأثم اﻷب بتزويج ابنته لهذا الرجل.

والجواب

أمور الزواج تكون بالتراضي بين الطرفين، وحسب رغبة الرجل والمرأة، ومن أجل هذا لم يحدد الإسلام سناً للزواج ولا شروطاً ولا مواصفات سوى دينه وخلقه، وترك للولي وللفتاة تقدير المناسب والعمل به.

ولكن من شروط التكافؤ المهمة جدا البيئة الاجتماعية وإني بعد السكنى هنا في المملكة 33 سنة مازلت أرى أن الفروقات كبيرة بيننا وبين السعوديين (مع احترامي وتقديري لما يتحلون به من مزايا).

واختلاف البيئة برأيي هي المشكلة الأولى قبل فرق العمر، وعلى فكرة كان جدي علي الطنطاوي (وهو قاض) يرفض تزويج الفتاة التي من دمش بالشاب الذي من ريف دمشق بسبب اختلاف الثقافة والبيئة. ورأيي كما تلاحظ أخي الكريم يتوافق مع رأي جدي

وأما الفكرة الأخرى التي تحتاج لوقفة كبيرة هي الأولاد، فهل من السهل على فتاة عمرها 20 أن تتحمل أعباء أسرة كبيرة كاملة؟

لو كانت بنتي لأشفقت عليها من هذا، فالسيدات الناضجات يجدن صعوبة كبيرة في إدارة بيوتهن وهن كبيرات وخبيرات… وهل تضمن هذه الفتاة أن تفهم شخصيات الأولاد وأن يتقبلوها؟! ربما يعاملنها بخشونة لأنه دخلت مكان أمهن، وسوف يحزنها هذا ويصعب عليها كسبهن… وسوف تخسر هذه الفتاة التمتع بزوجها والسكن إليه (وحوله سبع من الصغار عليه العناية بهم ورعايتهم) وسيكون دورها تدريسهم والعناية بهم، وأتأمل أن يقدروا لها هذا الصنيع.

بقي الأمر الأخير: هل ارتضت هذه الفتاة شكل الرجل؟ وهل ارتضت منطقه؟ وهل قرأت عن هذا العمر وعرفت طبيعة الرجل فيه؟ وهل تدرك أنه بعد 15 سنة سوف تكون هي شابة تضج بالحياة وسيكون هو قد مل من كل شيء ويفضل العزلة.

 وهل خبرت بنتك الحياة وفهمتها تماما، فإن هذا الجيل تأخر نضجه، ولهذه يتسرع ويقع في مشكلات كثيرة، إذا كانت قد أدركت كل هذا جيدا وتأكدت أنه لا يهمها وراغبة بهذا الزوج فعلى بركة الله.
ولكني لو كنت وليها لرفضت هذه الفكرة نهائياً وولزوجتها من سوري يوافقها بالعمر والفكر.
وبقي أخيرا أن أنبه أن تفكر الفتاة وأهلها بعمق وروية وألا يكون هذا الزواج قد دخلت فيه مصلحة لأن العرض الذي قدمه الزوج مغر جدا “أن يتكفل بعائلة الفتاة” وبرأيي لا يوازي العبء الذي سوف تتحمله وهو “أن تربي أولاده”