Category Archives: مقالات جدي “علي الطنطاوي”

طفلان

حدثني صديق لي أديب قال: رأيت البارحة موهناً (أي في نصف الليل.) وراء ديوان المحاسبات، وقهوة الشارع، وهاتيك القصور الشم، والمنازل العوالي، رأيت مشهداً أقر بأني عاجز عن وصفه لكم، فإن كان باقياً لا يزال، وكانت رحمة الإنسان باقية، لا تزال، فيكم، فاذهبوا لتروه بعيونكم.
اذهبوا، وخذوا معكم قلوبكم، فإنكم ستحتاجون إليها، واحملوا دموعكم لتريقوها أمام هذا المشهد الذي يرقق قلب الصخر، ويفجر بالدمع عيون الجلمود، ويملأ بالشفقة والحنان أقسى القلوب: قلوب الشياطين والجلادين والمحتكرين.
مشهد طفلين، أحدهما في نحو التاسعة، والآخر في الرابعة، ما عليهما إلا خرق ومزق وأسمال، نائمين على الأرض عند باب القهوة، متداخلين متعانقين، قد التصق الصغير بأخيه، وألقى برأسه على صدره العاري من اللحم، يحتمي به من البرد والخوف، وقسوة الحياة، وظلم الناس، ولفه الآخر بذراعه، يريد أن يدفع عنه بهذه الذراع الهزيلة، شر هذا البشر، ويكون له أماً، ويكون له أباً، وكان وجه الصغير واضحاً في شعاع القمر الشاحب، فيه الطهر، وفيه الألم، وعلى شفتيه المزمومتين بقايا كلام حسبتها من بعيد، بقايا لعنة حامية، رمى بها هذا المجتمع، فلما دنوت، لم أجد إلا آثار شكاة خافتة مبهمة، رفعها هذا الفم الصغير الذي ما تعلم البيان، إلى الله المنتقم الجبار!
طفلان ينامان في الطريق كالكلاب، ما تحتهما إلا الأرض العارية، وما فوقهما إلا السماء العالية، والناس الخارجون من القهوة بعد السهرة الممتعة، والعائدون من الوليمة بعد الأكلة المتخمة، والرائحون إلى بيوتهم من التجار بعد خلوة طويلة، أعدوا فيها العدة لجناية جديدة قذرة على هذا الشعب المسكين، والغادون إلى النوادي والملاهي ليبدؤوا سهرة أخرى، يصبون فيها ما لهم على الموائد الخضر، ويذوبون صحتهم في كؤوس الخمر، ويضيعون دينهم في تلك الليالي الحمر، في الفسق والعهر، كل أولئك كانوا يمرون بالطفلين، ولكن لا يلتفتون إليهما، ولا يحفلون بهما، وهل يحفل أحد بالكلاب النائمة في الطريق؟
من أين جاء هذان الطفلان؟ أين أبوهما؟ أين أمهما؟ كيف يعيشان؟ هل ابتسم لهما الحظ فوجدا تنكة زبالة لأحد الأكابر لينبشاها، فيستخرجا منها عشاءهما، أم باتا على الطوى؟
لم يسأل أحد ولم يعلم أحد؟
ولا أنا، وهل أنا إلا واحد من هؤلاء الناس؟
قال الراوي: وأسرعت إلى أولادي، أحمل إليهم السكاكر الغالية، أعدها لهم بجنب السرير، حتى إذا أصبحوا وجدوها، وأغطيهم كيلا تصيبهم لفحة هواء في هذه الليلة العاصفة، حتى إذا أمنت عليهم، وأرحت ضميري، قعدت أكتب مقالة في محاربة الشيوعية، ومكافحة الإجرام، وتمجيد النظام الديمقراطي، الذي يملأ الأرض حرية ومساواة وعدلاً وأمناً.
***
وخلا شارع بغداد إلا من الرياح العاتية، والكلاب الشاردة، وهذين الطفلين اللذين ينامان على الأرض، بلا وطاء ولا غطاء. ليس معهما إلا أشباح الظلام، وتهاويل الرعب، وآلام الجوع والبرد والحرمان!
(المقالة كاملة. لم أستطع حذف أي كلمة ولا اقتطاع أي جزء، فالقصة إنسانية ومعبرة جداً عن الواقع “عابدة المؤيد العظم”)

Advertisements

زورق الأحلام

 زرت صديقاً لي، من رفاق الصغر، فرأيت ولده منكباً على أوراق له، يفكر ويكتب. ثم يمزق ما كتب، ثم يعود إلى التفكر. فقلت لأبيه: ما له؟

قال: إنه مستغرق في الإنشاء.

قلت: فيم يكتب؟

قال: في الموضوع الأزلي الذي لا يمل منه مدرسو الإنشاء، ولا يسأمون من ترديده.

قلت: ما هو؟

فضحك وقال: السؤال الذي يلقي في كل بلد، وفي كل وقت، لا يتبدل بتبدل الأمكنة ولا الزمان. وهو ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟ وسكت لحظة. كأنه يتذكر. ثم قال لي: تذكر كم مرة سئلنا هذا السؤال في المدرسة؟

قلت: أذكر، لقد كتبت فيه مرات لست أحصيها، عشرين مرة؟ ثلاثين، أكثر من ذلك! وكنت في كل مرة أنطلق مع أحلامي أتخيل دروب الحياة وقد فرشت لي بالسجاد الذي تغوص فيه من لينه الأقدام. ثم رشت عليها العطور، ونثرت فوقها الورود والزهور.

لقد طالما تخيلت نفسي هائماً في رياض هذا المستقبل، أنشق ريّاً عطره، وأجتلي جمال زهره، وأرتع في خيره المرجّى وبره.

تصورت نفسي طبيباً له العيادة الكبيرة، والزبائن الكثر، وعشت في هذا الحلم حتى تخيلت نفسي أرى اللوحة على بابي، وأمد يدي لألمس السماعة في عنقي.

وتصورت نفسي ضابطاً كبيراً، قد هبطت النجوم من سمائها حتى استقرت على كتفيه، ونزل البرق حتى صار يخرج من قرع مهمازيه.

وتصورت نفسي صاحب المزارع الواسعة الشاسعة. والحقول الممرعة المزهرة، أفيق فيها مع العصافير لأتطلع إليها، أكحل العين في الإصباح بمرآها.

وتصورت وتصورت، فأين مني الآن تلك التصورات؟

لقد أردت لنفسي، وأراد الله لي، فكان ما أراد الله لي، لا ما أردت لنفسي.

كنت من شهور أقلب أوراقاً لي قديمة، أفتش فيها عن وثيقة أطلبها، فوجدت إيصالاً هذا نص ما فيه:

المملكة المصرية

دار العلوم العليا

نادي التمثيل والموسيقى.

نمرة متسلسلة 70

وصل من حضرة العضو محمد علي الطنطاوي الطالب في دار العلوم العليا مبلغ 10 فقط، عشرة قروش صاغ، قيمة اشتراكه عن شهر أكتوبر سنة 1929.

تحريراً في 15 أكتوبر 1929

الخاتم الرسمي

أمين الصندوق

الإمضاء محمد علي الضبع.

علي الطنطاوي عضو نادي التمثيل والموسيقى!

وتصورت ماذا تكون خاتمة القصة التي بدأت بهذا الإيصال لو قدر لها أن تكتمل فصولها.

إلى أين كان يصل بي ذلك الطريق الذي وضعت قدمي عليه، يوم صرت عضواً في هذا النادي لو أني تابعت السير فيه حتى بلغت آخره؟

كنت أبدأ ممثلاً في الكلية، ثم أعتلي خشبة المسرح، ثم أدخل فرقة من الفرق ثم يسجل اسمي في القائمة التي تبدأ باسم يوسف وهبي وتنتهي باسم إسماعيل ياسين.

فيكون علي الطنطاوي اليوم ممثلاً عجوزاً متقاعداً، يتسكع على أبواب الحانات، ويعاشر القينات، ويسهر الليالي، وينام الأيام، ويعود بلا صحة ولا مال، وربما عاد بلا دنيا ولا دين.

ولم يكن يحول بيني وبين هذه الغاية شيء. فالاستعداد لذلك في نفسي كبير والرغبة فيه شديدة، وكان يزين لي فأراه يومئذ حسناً، ولكن الله صرفني عنه.

وما كان ذلك بعمل مني. ولكن بصنع الله لي.

وفي أوراقي التي وجدت فيها هذا الإيصال شهادة مكتوبة بالخط الديواني ولها إطار مذهب الحواشي، وفي رأسها اسم وزارة الأوقاف، فيها قرار تعييني إماماً في جامع رستم في حي العقيبة في دمشق.

أي والله، وتاريخها سنة 1924، أي من اثنتين وأربعين سنة شمسية.

إني لأنظر إلى هذه الشهادة، وأرجع البصر إلى ذلك الإيصال الذي اصفر لونه، وبلى ورقه، وتمزقت طياته، فأرى عجباً، دونه والله ما يشطح إليه خيال القصاص.

من إمام جامع، إلى ممثل في التياترو.

و لكن كيف دخلت نادي التمثيل والموسيقى؟

إني لأتأمل هذا الإيصال، فأعود إلى أيامي الماضيات إلى سنة 1347، وقد نلت شهادة البكالوريا كما كنا نسميها يومئذ، أو التوجيهية كما تسمى اليوم وكان الفرنسيون قد أنشأوها تلك السنة فحملتها وسافرت إلى مصر، فدخلت دار العلوم العليا، وانتسبت إلى الجامعة المصرية، وكنت أول سوري يؤم مصر للدراسة العالية في غير الأزهر، وكنت أحرر في مجلتي خالي وأستاذي محب الدين الخطيب، المجلة الأدبية الأولى في العالم العربي، وهي الزهراء والمجلة الدينية الأولى في العالم الإسلامي. وهي الفتح.

وأعلنت عمادة الكلية، أو مديرية المدرسة كما كانت تسمى، عن تأليف ناد_ للتمثيل والموسيقى، ودعوا من يريد الاشتراك فيه إلى طلب الانتساب، فكنت فيمن أراد.

وجاؤونا برجل ممثل يعلمنا التمثيل قصير متحذلق لا أدري ما صنع الله به بعد هذه السنين التي قاربت الأربعين، ولا أزال أذكر اسمه، حفظته لغرابته، وإن كان مكان الأسماء من ذاكرتي قد كثرت فيه الخروق التي لا ترقع.

واختبرنا بجمل نلقيها إلقاء مسرحياً على أن نعبّر عن معانيها بخلجات وجوهنا، ولهجات حروفنا وإشارات أيدينا، فلما جاءت النوبة إليّ، وألقيت تلك الجمل دهش هو ومن كان معنا من الطلاب ورأوا شيئاً ما كانوا يتوقعونه وشهدوا بأن هذا الشامي، ممثل جامد أي ماهر، ونعوذ بالله من الجمود.

وما كانوا يتوقعونه مني، أما أنا فكنت أتوقعه من نفسي، لأني كنت قد ألفت من تلاميذي في المدرسة الابتدائية التي كنت أعمل فيها في دمشق فرقة للتمثيل، وكنت أكتب لهم القصة، وأعلمهم تمثيلها، وكنت بارعاً في التمثيل.

وما أريد أن أفيض في سرد القصة، فلذلك كتاب عنوانه، ذكريات نصف قرن، كتبت منه كثيراً. وبقي عليّ منه كثير.

ولكن أريد بيان العبرة من هذه القصة.

لقد اشتغلت بالتمثيل، واحترفت الصحافة، وغصت في السياسة، ولكن الله كان يوجه طريق سيري، فلم يختر لي من ذلك كله شيئاً.

لا، لا أقول أن الإنسان مسيّر، فإنها أضل مقالها قالها الإنسان، والإنسان مخيّر، أعطاه الله اليدين، فهو يستطيع أن يحركهما ليتصدق على السائل، وأن يحركهما ليضرب البرئ، ومنحه الرجلين فهو يقدر أن يمشي بهما إلى المسجد ليصلي أو إلى الماخور ليفسق.

جول سيمون، يرد على من يدعي أنه مسيّر. فيقول له: سأرفع يدي بعد ثلاث دقائق. فهل تراهنني على أنني لا أستطيع أن أرفع يدي؟

ولكن ليس معنى هذا أن الإنسان يستطيع أن يتحكم في الكون، ولا أن يقرر لنفسه المصير.

الصخرة لا تتحرك، والسيارة تتحرك، فنحن لا ننكر حركة السيارة، ولا حرية سائقها في التوجه بها، ولكن ليس معنى هذا أن يخترق بها الجبل، ولا أن يمشي بها على وجه الماء، إن السيارة تمشي بحرية سائقها واختياره، ولكنها لا تمشي إلا على الطريق، وتسرع ولكنها لا تجاوز في سرعتها الحد الأقصى الذي حدده مصنعها لسيرها.

وكذلك الإنسان، إن له حرية واختياراً، ولكنه لا يستطيع أن يسلك إلا الطريق الذي تشقه له الأقدار. وله مقدرة ولكنها في حدود المقدرة التي أعطاها الله للإنسان.

إنه كراكب الزورق في البحر، يوجهه حيث شاء، ولكن قد تضربه موجة عاتية فتحول وجهته من اليمين إلى الشمال وكذلك تصنع الأيام، بزوارق الأحلام.

كنت في مصر، وقد رسمت طريقي، وحدّدت وجهي: أن أكمل الدراسة في دار العلوم، وأعمل في الصحافة، وإذا بموجة تلطم صدر زورقي، فتعيدني إلى دمشق، فأدخل فيها كلية الحقوق وأغامر في السياسة، وأقود الطلاب جميعاً إلى ساح النضال، وأحترف الصحافة، فأكتب في فتى العرب عند مؤلف سيد قريش، وفي ألف باء، عند باقعة الصحافة في الشام. ثم أتولى التحرير الداخلي في الجريدة الوطنية الكبرى، التي أصدرتها الكتلة الوطنية رافعة لواء النضال للاستقلال.

وكان آخر ما أفكر أن أكون موظفاً.

أنا أكون موظفاً في ظل الانتداب؟ وإذا فرض ما لا يكون وقبلت التوظيف فلن أكون معلماً محترفاً حسبي أنني أعلم في المدارس الأهلية في دمشق، الأمينية والكاملية، والجوهرية، والتجارية، من سنة 1345 هـ إي والله!

ولكن هذا الذي كان:

فقد كانت في سنة 1931 نكسة وطنية، بعد انتخابات 20 كانون أي ديسمبر، التي قاطعناها، وسيطر الفرنسيون، وعطلوا الجريدة التي كنت أعمل فيها، فقبلت أن أكون معلماً، لئلا أدع أخوتي بلا طعام.

وضربت موجة أخرى زورقي، حين آذاني الحاكمون فنقلوني في أقل من ثلاث سنوات، بين خمس من القرى، وآذيتهم بقلمي ولساني، فتركت الشام وسافرت إلى العراق.

وكان لي في العراق إخوان، وكان لي تلاميذ، منهم من صار رئيس جمهورية رحمه الله وأبقى في الرئاسة أخاه، ومنهم من لست أحصي من صاروا وزراء، وصار منهم كبار القضاة، والقادة والضباط ما كان أحلى أيامي في العراق، وسلام مني لا ينقضي على إخواني وتلاميذي في العراق.

وصرفتني موجة إلى لبنان، فعملت في بيروت سنة 1937 وصار من تلاميذي فيها أساتذة في الجامعة، وناس من كبار الناشرين وأصحاب المجلات وصار منهم رئيس القضاء الشرعي، ومنهم الشاب العالم الصالح الذي سرني وفرح قلبي، إن سمعت من أيام نبأ انتخابه بالإجماع مفتياً للبنان.

وموجة أخرى، حولتني إلى القضاء، وما كنت أظن يوماً أن سألي القضاء، ثم عدت بعد أكثر من ربع قرن في القضاء، أمضيت نصفها في محكمة النقض، عدت بعد التقاعد، مدرساً في مكة المكرمة بجوار حرم الله.

جرني إلى هذا الكلام كله، موضوع الإنشاء.

فليفكر إخواننا المعلمون، حين يلقون هذا السؤال، فيما كانوا يجيبون عليه وهم طلاب.

هل كانوا يريدون أن يكونوا معلمين، أم كانت لهم غايات، طالما تطلعوا إليها. وحاولوا بلوغها؟

وأحلام كبار طالما كانوا يناجونها في خلواتهم، ويسامرونها في لياليهم ويحلمون بها في يقظاتهم.

وجهوا إليها زوارق حياتهم، وكل همهم أن يصلوا إليها، فجاءت موجة فضربت الزورق فحولت طريقه؟

أما أنا فقد رث زورقي وبلي من طول ما توجه يميناً وتوجه شمالاً، فمرّ بي على كل بلد فرأيته، وأطال بي الرحلة فذقت الحلو والمر، وعرفت المتع واللذاذات، والمتاعب والآلام، عرفت لذة المال، ومتعة الشهرة وحلاوة المنصب، وإعجاب الجماهير، ولو عدت تلميذاً الآن وسُئلت هذا السؤال، لقلت أنه لم يبق لي من الآمال إلا أمل واحد، هو أن يرزقني الله حسن الخاتمة وأن يخلفني في أهلي وبناتي، وأن يريني قبل موتي بياض يوم النصر للإسلام وأهله، بعد هذا الليل الذي امتد سواده وعمّ، اللهم آمين.

في الحب

ومن حرّم الكلام في الحب؟ والله الذي أمال على الزهرة حتى تكون الثمرة، وعطف الحمامة على الحمامة حتى تنشأ البيضة، وأدنى الجبل من الجبل حتى يولد الوادي، ولوى الأرض في مسراها على الشمس حتى يتعاقب الليل والنهار، هو الذي ربط بالحب القلب بالقلب حتى يأتي الولد.

ولولا الحب ما التف الغصن على الغصن في الغابة النائية، ولا عطف الظبي على الظبية في الكناس البعيد، ولا حنى الجبل على الرابية الوادعة، ولا أمدّ الينبوع الجدول الساعي نحو البحر.

ولولا الحب ما بكى الغمام لجدب الأرض، ولا ضحكت الأرض بزهر الربيع، ولا كانت الحياة.

ما في الحب شيء، ولا على المحبين سبيل، إنما السبيل على من ينسى في الحب دينه، أو يضيع خلقه، أو يهدم رجولته أو يشتري بلذة لحظة في الدنيا عذاب ألف سنة في جهنم، أو لم يؤلف ثلاثة من أعلام الإسلام، ثلاثة كتب في الحب، وهم صاحب الأعلام، ومصنف المحليّ والإمام ابن الإمان؟

ويا ليت الشبان يعودون إلى الحب، فتقل هذه الشرور، ويخف هذا الفساد، ولكن أنىّ يكون الحب، مع هذه الشهوات المتسعرّة؟

إنها إذ لم تطمر الفحمة في بطن الأرض دهراً، لا تصير ألماساً، وإذا لم تدفن الشهوة في جوف القلب عمراً، لا تكون حباً.

ولكن كيف أكتب عن الحب؟

وهل تسع هذه المقالة حديث الحب؟

هل يوضع القمر في كف غلام؟ هل يصب البحر في كأس مدام؟ وأين لعمري الألفاظ التي أحمّلها معاني الحب؟ أين التعبير الذي يترجم عن العاطفة؟ إن البشر لا يزالون أطفالاً ما تعلموا الكلام، إنهم خرس يتكلمون بالإشارات وما هذه اللغات البشرية إلا إشارات الخرسان، وإلا فأين الألفاظ التي تصف ألوان الغروب، ورجفات الأنغام، وهواجس القلوب؟

نقول للون أحمر، وفي صفحة الأفق عند المساء عشرات الألوان كلها أحمر، وما يشبه لون منها لوناً، وما عندنا لهذه العشرات إلا هذا اللفظ الواحد، ونقول للحن رصد، ولكن رجفة في صوت المغني، أو مدة أو غنة، تجعل من الرصد مئة رصد، وما عندنا لهذه المئة إلا اللفظ الواحد.

ونقول، قصة جميلة، ونغمة جميلة، ومنظر جميل، وطفل جميل، ما عندنا إلا هذا اللفظ الواحد، نكرره كالببغاوات نعبر به عن ألف جمال، ما منها جمال يشبه جمالاً، وأين جمال القصة، من جمال الوادي، جمال العمارة من جمال المرأة؟

وجمال المرأة؟ أهو لون واحد، حتى نطلق عليه الوصف الواحد؟ لو حشدت مئة من أجمل الجميلات في مكان، لرأيت مئة لون من ألوان الجمال تشعر بها، ولكن لا تملك وصفها.

إن في الأرض اليوم أربعة مليارات من العيون البشرية نصفها في أوجه الأنثيات، ونصف النصف تحت حواجب الغيد الفاتنات، وما فيها عينان هما في شكلهما ووحيهما، وأثرهما في النفس، كعينين أُخريين. ثم إن لكل عين حالات مختلفات لا يحصيها العد، ولغات لو كان يدركها البشر، لكان لكل عين قاموس، يترجم عنها، كالقاموس المحيط. وما عندنا لهذا كله، إلا هذا اللفظ الواحد، جميل جميل، نكرره ونعيده.

وكذلك الحب.

الحب عالم من العواطف، ودنيا من الشعور، فيها كل عجيب وغريب وليس لنا إليه إلا هذه الكوّة الضيقة، الكلمة القصيرة ذات الحرفين: الحاء والباء، والحاء التي تمثل الحنان، والباء التي تجعل الفم وهو ينطق بها، كأنه متهيء لقبلة، كلمة الحب، ولكن كم بين حب وحب؟

بين حب التلميذ مدرسته. وحب الوالد ولده، حب الصديق صديقه، وحب المتشائم الوحدة، وحب أكلة من الأكلات وحب منظر من مناظر الطبيعة، وحب كتاب من الكتاب، وبين حب المجنون ليلاه؟

وحب العاشقين أنواع وأنواع.

ففي أي الحب أتحدث؟ وكيف أجمع أطراف الكلام حتى أحشره في هذه الصفحات ولو لبثت شهراً أكتب كل يوم فصلاً ما أتيت على ما في نفسي ولما وفيت حقه الموضوع؟

ولكني مع ذلك سأحاول.

أحاول أن أكتب في الحب، وقد تقضّى الصبا، وتولى الشباب، وما كان يوماً، يملأ القلب، صار ذكرى لا تكاد تخطر على البال؟

لقد كنت إذ أكتب في الحب، أغرف من معين في نفسي يتدفق، فجف النبع حتى ما يبض بقطرة، وخلا الفؤاد من ألم الهجر، وأمل الوصال، وبطل سحر الغيد، وطمست شمس الحقيقة، سُرُجَ الأباطيل؟

ولو أني بليت بحب جديد، لأعاد لي الحب أيامي التي مضت. والحب يصنع المعجزة التي تتقطع دونها آمال البشر: يعيد للمحب ماضيات الأيام، ويرجع له خوالي الليالي، ويرد الكهل فتى، والفتى طفلاً، وأين مني الحب؟ لم يعد ينقصني بعد السن والتجربة إلا أن يتعبدني الحب، وأن أعود إلى تلك الحماقات.

أعوذ بالله، من الجنون بعد العقل.

كلا، ما أنا من ددٍ ولا ددٌ مني، فاتركوني أيها العشاق، اتركوني فقد أنستني الأيام كيف يكون الغرام.

وماذا يبتغي العشاق مني      وقد جاوزت حد الأربعين؟

ولكن هل تركني العشاق؟ هذه كتبهم بين يدي، يستنجزون بها الوعد، ويطلبون مني أكتب لهم في الحب، كأننا لسنا في حرب مع اليهود، وليس في الدنيا غلاء ولا بلاء، ولا مفاسد ولا عيوب، ما بقي علينا إلا الكلام في الحب؟

ومتى كان المحبون يحفلون في الدنيا، بغير المحبوب؟ لا يعرف المحب إلا ليلاه، يحيا لها، ويموت فيها، أكبر همّه من العيش أن تعطف عليه بنظرة، أو تجود له ببسمة، أو أن تمس بيدها يده فتمشي في أعصابه مثل هزّة الكهرباء، ويسكر منها بلا دنّ ولا قدح، ويطرب بلا حنجرة ولا وتر، وغاية أمانيه من الدنيا أن يلقي برأسه على صدرها، أو يجمع فاه إلى فيها، في ذهلة لذة عميقة، تحمله إلى عالم مسحور، يجتمع فيه الزمان كله، وتختصر فيه الأمكنة جميعاً، فتكون هذه اللحظة هي الأزل وهي الأبد، وهي الماضي وهي المستقبل، ويكون المحبّان هما وحدهما الناس.

أولئك هم العاشقون.

وأولئك هم عند أنفسهم أرباب القلوب، وهل يكون ذا قلب من لم يلامس قلبه الحب؟

وأولئك هم أولو الأبصار، وهل تبصر عين جمال الوجود إن لم تفتحها يد الهوى؟

وأولئك هم المعذبون الصابرون. يعيشون فلا يدري بآلامهم أحد، ويموتون فلا يقام لشهيدهم قبر، لا يهدأون ولا يهنأون. إن اشتهى الناس المسرّة استمتعوا هم بالآلام. وإن اطمأن الناس إلى الحقائق طاروا هم وراء الأهوام، وإن أنسوا بالضحك استراحوا هم إلى البكاء، يبكون في الفراق من لوعة الاشتياق، ويبكون في الوصال من خوف الفراق، يريدون أن يطفئوا بالدمع حُرق القلب، وما يزيدها الدمع إلا شرّة وضراماً.

يبكون لأنهم يطلبون ما لا يكون فلا يصلون إليه أبداً.

يترك العاشق النساء جميعاً، ويهتم بها وحدها، فهو يريد أن تترك الرجال وتنظر إليه وحده، وأن تدع لأجله الدنيا وما فيها، وتغمض عينيها فلا ترى فيها غيره، وتوصد أذنيها فلا تصغي إلى سواه، فهو يغار عليها من القريب والبعيد، ومن أمها ومن أبيها، ومن الشمس أن تبصرها عين الشمس، ومن الكأس أن تُقبِّل ثغرها شفة الكأس.

وماذا يريد العاشقون؟

سلوا الشعراء يحلفوا لكم، إنهم لا يطلبون إلا نظرة تروي الغليل، وبسمة تطفي الجوى، وأن يندمج بها، ويفنى فيها، فهو يعانقها، والنفس بعد مشوقة، إليها، ويضمها وهو يحس أنه لا يزال بعيداً عنها، وهو لو استطاع لعصرها مصاً، ولأكلها عضاً.

يمضي عمره بعيداً عنها، خالياً قلبه من حبّها، لا يدري بوجودها، ثم يراها مرة واحدة، ينظر إليها نظرة، فيحسب أنه قد عرفها من الأزل، وأنه لم يفارقه ساعة، ويقسم أنها ما خلقت إلا له، ولم يخلق إلا لها، ولا يعيش إلا لها وبها، فهما روح في جسدين هي وهو، وهو هي، ينظر بعينيها، ويسمع بأذنيها، ويجوع ببطنها، فإن أكلت شبع، وإن شربت روىَ، وإن سُرَّت ضحك، وإن تألمت بكى، وإن أصابها الصداع وجعه رأسه، يطرب وهو بعيد عنها إن سمعت نغماً عذباً، ويبتسم وهو في أعماق منامه إن رأت في منامها حلماً حلواً.

يتبع هواها على القرب والبعد، ويؤثر رضاها في الغيبة والحضور، ويطيعها إطاعة لو أن العباد أطاعوا ربهم مثلها لأقفرت من أهلها جهنم، يسهر الليل كله يتقلب على فراش السهد من الشوق إليها، والخوف منها، والطمع فيها، ويعد الكلام الطويل ليقوله لها، فإذا لقيها نسي ما كان أعدّه من هيبتها.

إن تكلم لم ينطق بغير حديثها، وإن سكت لم يفكر إلا فيها، قد جهل كل طريق كان يعرفه إلا طريقها، فما يمشي إلا توجه إليها، يحوّم حولها علّه يرى البيت الذي تسكنه، أو ينشق الهواء الذي تنشقه، ينام الناس ويسهر ليله، يساير النجوم في مسالكها، ويعد الدقائق في مجراها، لا يرى حيثما نظر غيرها، ولا يبصر سواها، يراها بين سطور الكتاب إن نظر في صفحات الكتاب، وفي وجه البدر إن رنا إلى طلعة البدر، وبين النجوم إن قلب نظره في النجوم، يراها في كل شيء تفتح عليه العيون، فإن أغمضها رأى طيفها في ثنايا الأحلام.

يذكره بها وميض الزهر في الروض، وحديث الساقية للسفح، والحمامة تسجع على الغصن، والمغني يصدح في هدأة الليل، بـ ياليل، فيصغي طرباً إليه الليل، ولفتة الجدول عند الرابية، وفتنة الوادي عند الجزع، والدرب الحالم تحت فروع الدلب والصفصاف على كتف النهر، والشلال الهادر في الليل الداجي، والتلال الخضراء اللابسة جلابيب الصنوبر، والجبل الأجرد المتوّج بعمامة من الصخر.

إن هب النسيم من نحو أرضها شجته النسائم، أو جرى السيل من جهتها أجرت دموعه السيول، أو طلع الكوكب من أفقها أهاجت أشواقه الكواكب، أو رأى طيراً تمنى لو استعار ليزورها أجنحة الطير.

يحب لأجلها كل ما كان منها وما اتصل بها، الرضاب الذي تنفر منه النفوس إن كان رضابها فهو خمر، وريح العرق التي تأنف منها الطباع إن كانت ريحا فهي عطر، والألم  إن جاء منها كان لذة، والذّم إن جرى على لسانها كان ثناء، والظلم إن وقع منها أشهى إلى قلبه من نيل الحقوق من أيدي الغاصبين، والأهل أهلها أحباؤه وأصدقاؤه، ولو عدوا عليه، وأساؤوا إليه.

يرضى منها بالقليل الذي لا يرضي، إن بسمت له بسمة فكأن قد بسم له الدهر، وواتته الأماني، وإن كلمته كلمة، فكأن قد صبَّت في روحه الحياة، وإن وعدته بقبلة، عاش دهره يذكر الوعد ويتعلّل بذكراه.

يعاف لحبها طعامه وشرابه، ويهجر راحته ومنامه، والمجد يزهد فيه ولا يباليه، والدين يتركه والمال لا يفكر فيه، وإن هو ابتغى المعالي يوماً فإنما يبتغيها ليسرها ويرضيها، وإن نظم أو كتب فلها وحدها، ويقرؤها عليها وإن كانت لا تدركه ولا تفهمه، ولا تستطيع أن ترقى إلى سمائه، وإن أغار في الحرب فلينال إعجابها، وإن طلب العظائم فليعظم في عينها، إن سعد الناس بالغنى والجاه لم يسعده إلا لقاؤها، وإن حرص العقلاء على رضا الله لم يحرص إلا على رضاها، وإن افتخروا بالصحة والقوة، فخر بالمرض والضعف والهزال، يرى القصر إن خلا منها سجناًن والسجن إن كان معها قصراً، والقفر إن كانت فيه روضة، والروضة إن فارقتها قفراً، واليوم إن واصلته لحظة، واللحظة إن هجرته دهراً، يرى الشمس من هجرها سوداء مظلمة، والليل البهيم من وصالها شمساً مشرقة.

تؤرقة ويرجو لها طيب المنام، وتسقمه ويسأل لها البعد عن الأسقام، يعتذر من ذنبها وهي المذنبة، ويبكي من حبها وهو القتيل، فهو شفاؤه وهي داؤه، وهي نعيمه وهي شقاؤه. وهي جنته وهي ناره، يطلب أن تلتقي الروحان، ويتوحد الاثنان، وهذا ما لا يكون أبداً، لذلك يترك حاضره ويحن إلى الماضي، يعود بالذكرى إليه يفتش في زواياه عن هذه الأمنية، أو يتطلع إلى المستقبل، يستشف بالخيال ما فيه، فلا يرجع له ماض، ولا ينجلي له آتٍ، ولا يثبت له حاضر.

وهذا أبداً دأب العاشقين، إنهم يئسوا من أن يساعدهم الناس على بلواهم، فتركوا دنيا الناس وعاشوا وحدهم في دنياهم، هاموا على وجوههم يبحثون عن قطع قلوبهم التي خلفوها في مدارج الهوى، وملاعب الصبا، وتحت الأطلال، ويسائلون الحفر والحجارة، ويناجون الأحلام والأوهام.

يقول العاذلون، انس ليلاك، ففي الأرض ليليات كثر، واستبدل بها.

وما يدري العاذلون، ماذا يلاقي، لا ولا نظروا إلى ليلى بعينيه، ولا شعروا بها بقلبه.

فيا رحمتا للعاشقين، مما تقول العواذل.

****

هذا هو الحب عند الأدباء، فما الحب عند النفسيين؟

أنا أقول لكم ما الحب عند النفسيين.

لا يرى النفسي في الحب، إلا رغبة في متاع الجسد، قابلها امتناع وإباء فاشتدت وامتدت، وكانت بين الرغبة والامتناع شرارة، كالتي تكون بين سلكي الكهرباء، وهذه الشرارة هي الحبّ، ما الحب إلا شهوة لم تقضي ورغبة لم تتحقق، وكل ما يقول المحبون العذريون وهْم وضلال، يقولون أنهم لا يطالبون إلا المجالسة والكلام، ولو كانت مجالسة وكلام، لطلبوا لمسة اليد، وقبلة الخد، ولو كانتا لطلبوا العناق والضم، ورشفة الفم، كصاعد الجبل، يرى الذروة أمامه فيحسبها القمّة التي لا شيء فوقها، فإذا بلغها تكلف له ذروة أعلى، إنها سلسلة لها حلقات متصلات، ما أمسكت بواحدة منها إلا جرّت معها التي بعدها، حتى تصل إلى آخر حلقة فيها:

نظرة فابتسامة فسلام         فكلام فموعد فلقاء.

فالمحكمة الشرعية لعقد العقد، أو محكمة الجنايات لتلقي العقوبة، هذه هي سنة الله، ما جعل الله طريقاً للصداقة بين الشاب القوي والصبية الحسناء لا ولا بين الكهر والشوهاء، لا صداقة قط بين رجل وامرأة، ما بينهما إلا الحب المفضي إلى الاجتماع، إن الصداقة صلة بين متشابهين، بين الرجل والرجل، وبين المرأة والمرأة، والحب صلة بين مختلفين ليتكاملا به فيغدوا بالحب كالكائن الواحد.

فإن لم تكن رغبة يقابلها امتناع لم يكن حب، والمرأة التي تمنح جسدها كل طالب، تكون مطلوبة وتكون مرغوباً فيها، للذة العابرة والمتعة السائرة ولكنها لا تكون محبوبة أبداً!

والحب إن حلّلته إلى عناصره، كما يفعل الكيميائيون بالجسم المركب وجدته يرجع إلى غريزة الاستطلاع، وإلى غريزة التغلب، وهما من أصول الغرائز الإنسانية، وقد تعرف عشرات من النساء، ثم تلمح في الترام فتاة تجلس أمامك يلوح بياض فخذيها، من تحت ذيلها. فتحاول أن تعرف ماذا هناك، وترى الممثلة في الفيلم بلباس البحر، وتُبّانه المشدود على فخذيها، فلا يثيرك تبّانها، ما يثيرك خرقة مهدلة ممزقّة، وقد لفتها عليها تهتز مع الريح، ولو لم تظهر منها أكثر مما يظهره التبان، والفتاة التي تصعد المسرح عارية لا تصنع بأحد مثلما صنعت ريتا هوارث، لما صعدت بثيابها كلها، ثم مازالت تلقيها عنها قطعة فقطعة، وتكوّمها عند قدميها، حتى بدت كالعارية، ومن هنا كانت الثياب، من أسباب الأنوثة، ودواعي الإغراء، ولو أن الناس كانوا كالحمير عراة دائماً، لما بقي من هذه الرغبة الجنسية واحد من كل مئة، ولقد قرأت مرة نكتة في مجلة، ولكنها كانت حقاً وصدقاً، إن تلميذاً في مدرسة الفنون الجميلة في مصر، يوم كانت لا تخشى الله، ولا ترعى الخلق، ولا تحكم العقل، فتأتي بالصبايا العاريات تماماً، ليصورَّهن التلاميذ، إن هذا التلميذ قال لرفيقه: أما ترى جمال هذا الفتاة؟ قال: فكيف لو رأيتها لابسة ثيابها؟

أما كون الحب غريزة تغلّب، فظاهر من أحوال الناس، والنفس تكون متعتها باللقاء الجنسي أكبر، كلما كانت العوائق أكثر، والطريق أبعد وأصعب، ومن أجل هذا ترون أناساً يتركون زوجات لهم كالبدور، ويتبعون نساء كالقردة، ما يستمتعون بالجمال وحده، بل بالوصول بعد العناء والظفر بعد النضال، وأنتم تعرفون قصة النوار مع زوجها الفاسق: الفرزدق الشاعر، وقوله لها: أنت أجمل ولكّن الحرام ألذّ من الحلال!

ويسخر النفسيون من رجل يتوسل إلى المرأة التي يحبها بالأرض والسهاد والضعف والنحول، والهزال المميت، والسلّ الرئوي، وبأنه شبح يمشي وخيال يتحرك، فماذا تصنع المحبوبة، بهذا البلاء؟

إن المرأة تريد في العاشق رجلاً، متين البناء، قوي الجسد، مفتول العضل، يسند ضعفها بقوّته، ويتم أنوثتها برجولته، لا تريد ميتاً، إن توكأت عليه انهدم.

فإن كان شعراء النحول هؤلاء، صادقين بهذا الهذر الذي ملأوا به نسيبهم، وحشوا به أشعارهم، فليفتشوا لهم عن ممرضات، لا عن حبيبات.

ولا يصدق النفسيون أوصاف الشعراء المحبين، إن المحب عندهم لا يرى الفتاة على حقيقتها، ولكنه يلبسها من حبّه ثوباً يراها فيه أجمل الناس، ولا يصدقون دعوى الحبّ من النظرة الأولى، إن النظرة الأولى تنشئ الحس بالجمال لا الحب، وقد وصل وليم جيمس، هذا الحسّ بأنه هزّة في الأعصاب يعقبها خدر سريع، فإذا أحسست جمال فتاة قد طلعت عليك من الطريق فصبرت عنها نفسك، وغضضت بصرك، وثبتّ لحظة واحدة حتى تمرّ بك وتمضي عنك، واشتغلت عنها بغيرها، نسيتها، وإن كررت النظر إليها، أو تبعتها لتعرف مقرّها، ولد حبّك إياها أي رغبتك في الاجتماع بها.

والحب عاطفة عابرة، تدوم ما دامت الرغبة والامتناع، فإن زال أحدهما زالت، فإن كان اللقاء لم يبق حب، لأنه يختنق تحت اللحاف، ومن هنا يستبين لك أن الزواج إن بنى على الحب وحده، لم يكن فيه خير ولو أن المجنون تزوج ليلى، زواج عاطفة فقط بلا مراعاة مصلحة، ولا نظر في كفاءة لكان بينهما بعد ثلاث سنين دعوة تفريق.

فإذا جئت علماء الحياة، وجدت للحب عندهم، منزلة أدنى، ورتبة أخسّ، الحب عندهم غريزة جعلها الله في نفس الإنسان لئلا ينقرض ويمّحي، فالجوع منبّه له  ليأكل فيبقى شخصه، والحب أو الرغبة، منبّه له ليعمل على ما يبقى نوعه، أو هو شيء، أبسط من ذلك وأحقر؛ تمتلئ المثانة فيذهب المرء ليبول، وتمتلئ الحويصلة بالسائل الآخر، فيذهب ليعمل! لا فرق في ذلك بين المجنون وليلى، وبول وفرجيني، وبين الحمار والأتان، والديك والدجاجة، وبين تلاقح الزهر والورد، وسواء بعد ذلك، كل إناء يلقى فيه هذا الماء.

عملية غير جراحية، ولكنها عملية قذرة بشعة، ولا بدّ في العمليات من بنج، والبنج هنا، البنج الذي يذهب الحسّ، ويضيع العقل، هو هذا الحب أو هذه الرغبة، لولا ذلك ما قبل عاقل أن يعمل ذلك العمل! هل يقبل عاقل أن يدخل إصبعه في أنف المحبوبة؟ إن ذلك الفعل أبشع وأشنع، ولكننا نفرك فيه ونحن تحت البنج، فلا ندرك بشاعته.

والمقصود هو بقاء النسل، وكلما علا الحيّ منزلة، قل اللقاء، وطال الحمل، الديك والدجاجة يجتمعان كل يوم، لأن مدة الحمل بالبيضة ليلة، أم الهرّ والهرّة فيجتمعان مرة في السنة أو مرتين، لأن الهرّة تلد مرة في السنة أو مرتين ولولا المغريات في الناس، لكفى بين نوعي البشر اجتماع مرة في العام.

والحب العذري، أي الحب الشريف الذي ليس فيه مطلب جنسي هو في نظر العلم كذبة حمراء، وفرية ليس له أصل، وإنما هما غريزتان حفظ الذات بالطعام، وحفظ الجنس بالاتصال، فهل تصدّق الجائع إذا حلف لك، إنه لا يريد من المائدة الملوكية، إلا أن ينظر إليها، ويشمّ على البعد ريحها؟

كلا. كل حبّ مصيره على النكاح أو السفاح.

****

هذا هو الحب، فصدّق ما يقوله فيه المحبّون، أو صدّق ما يقوله المفكرون العالمون.

هو عند الأدباء والشعراء، وعند المحبين والعشاق، سلطان عنت له القلوب، وذلّت له الملوك، فباعوا في سبيله التيجان، من لدن أنطونيوس وكليوباترة، إلى إدوار وسمبسون.

والمحبوبة عندهم هي الدنيا، دينهم التوحيد في الحب، لكل شاعر عاشق واحدةٌ وقف عليها قلبه، وأدار عليها شعره، وقرن نفسه حياته بها، فقرن التاريخ اسمه بعد موته باسمها، فلا تعرف إلا به ولا يعرف إلا بها قيس وليلى، وقيس ولبنى، وجميل وبثينة، وكثّير وعزّة، وعروة وعفراء وذو الرّمة وميّ، وتوبة والأخيلية، والعباس وفوز، وبول وفرجيني، فكان رباطاً لم تقدر على حله يد الزمان.

وهو عند النفسيين والطبيعيين، ما قد رأيت وسمعت، وهو الحق، لا ما يقول العاشقون. والحبّ بعد ذلك كله سرّ الحياة، وروح الوجود.

رمضان مع جدي علي الطنطاوي

هذه سلسلة ذكريات مع جدي رحمه الله وسبق ونشرتها على صفحات الفيس بوك

جدي “علي الطنطاوي” في رمضان (14)

من فضائل جدي “يشكر المعروف” و”يحفظه مدة طويلة ولا ينساه” والحمد لله أني ورثت هذه الصفة الجميلة منه، وأراه يشكر الكبير والصغير والشريف والوضيع، ويستمر بالشكر سنة كاملة! سنة على الحقيقة وليس على المجاز.

وأذكر أني قضيت أشهراً عام 1986 في تفريغ “أشرطة التسجيل التي يحفظ عليها فتاواه” ودونتها على الورق لأجمع منها جزءاً من “فتاوى جدي”، فترك جدي الفتاوى الفقهية! واستخلص من أوراقي أفكاراً لبرنامجه “على مائدة الإفطار” وظل السنة كلها يشكرني ويثني عليّ لأني وفرت عليه القلق وسهلت له الحصول على الموضو عات الرمضانية بسرعة فائقة لم تحصل من قبل.

أيها المربون تعلموا هذه الصفة الحلوة منه فإن مرجعها إليكم وعائداتها ثمينة: “الاحترام والتقدير من أبنائكم”، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله.

جدي “علي الطنطاوي” في رمضان (13)

سألني Majdoleen Dimachki: “كيف كان جدك يحضر ويستعد لبرنامجه على مائدة الإفطار؟”

ونبهني سؤاله لأني بدأت بكتابة هذا الموضوع ولم أتمه! :

سعى جدي إلى الإصلاح وإلى نشر العلم، فأعطى أحاديثه أهمية كبيرة، وقبل رمضان -بمدة وجيزة- أراه قلقاً يفكر بعمق، ويقرأ في الكتب، ويهتم بمراجعة الرسائل التي ترد عليه. ويسألنا كلنا عما يحضرنا من اقتراحات.

ولما حاولت مساعدته فهمت منهجه، ورأيته يبحث عن موضوعات تتوفر فيها ثلاثة شروط: (1) الفكرة الجديدة (2) وتهم عامة الناس (3) ومن ورائها الفائدة الملموسة.

الأمر الذي جعله يستصعب هذه المهمة ويراها مسؤولية كبيرة. وكم حاول التهرب منها، ولكن المخرج -جزاه الله خيراً- كان يلح عليه ويلاحقه، وهذه هي الطريقة الناجعة مع جدي رحمه الله !! وبها استمر “على مائدة الإفطار” دهراً

جدي “علي الطنطاوي” في رمضان (12)

أول رمضان قضيناه في المملكة كان شاقا جداً بسبب شدة الحر (الذي لم نعهده في الشام)، وكان جدي يفيق مع أذان الظهر ونفيق معه ونحن نفتقد النشاط والحيوية ويزيدنا الحر خمولاً وتكاسلاً.

ومما خفف علينا من مشقة الصوم ومن طول النهار “صحبة جدي” وطرافته، حيث نتوضأ ونصلي الظهر جماعة في حضرته، ونجلس في غرفته ونتبادل الأحاديث الطريفة ونقرأ ما يرد عليه من الجرائد والمجلات…

ولا ينسى جدي مداعبتنا، فيسألنا: “أين قهوة الصباح”، “لماذا لم تحضري لي الفطور؟”، “أشعر بحاجتي لكوب من الشاي، فما رأيك أشربه الآن أم أنتظر لما بعد المغرب”

جدي “علي الطنطاوي” في رمضان (11)

سألوا جدي: “ماذا يعني لك رمضان”؟ قال: “النور”!

ولو سألوني ماذا يعني رمضان لعابدة؟ لقلت: “السهرات الحلوة مع جدي وصلات الأرحام مع المقربين منه، والإفادة من علمه وتوجيهاته، وصلاة التراويح في الحرم مع الصوت الرائع عبد الله جابر”.

وتعلمت أن “صلة الرحم” من الأعمال الواجبة المطلوبة، ولها ثواب كبير شأنها شأن أي قربة إلى الله، وهي عمل ممتع! فصحبة الكبار جميلة وفيها فوائد جليلة.

أيها الناس استمتعوا بصبحة أجداكم وصلوا أرحامكم قبل أن تصبحوا يوماً فلا تجدوهم.

جدي “علي الطنطاوي” في رمضان (10)

برنامج “على مائدة الإفطار” قصير! ولا يكفيني وحده! فكنت أسأل جدي وأستفسر منه عن بعض ما قاله فيه، ويسعد جدي بسؤالي ويشرح ويستفيض، حتى إذا جاءت “صلاة العشاء” خرجت أنا وأخواتي إلى الحرم ثم نعود بعد التراويح لنحظى (كل يوم) بسهرة عائلية مميزة، ومليئة بالأحاديث المفيدة

صحبة جدي ممتعة وتجمع الفائدة العلمية والتربوية والترويحية… رحمك الله يا جدي، مصيبتي بفقدك كبيرة

جدي “الطنطاوي” في رمضان (8)

قرأت حسراتكم لفقدكم “على مائدة الإفطار”، وسعدت لحبكم لجدي وإني أبارك فيكم هذا الوفاء الجميل. ولكن ماذا أقول أنا وقد فقدت جدي كله ؟!

صحبة جدي فيها الكثير من الفوائد فكونوا مثله أيها المربون مع أولادكم، وأذكر مثلاً أول رمضان قضيته كاملاً معه (1980- 1400هـ) في بيته في مكة، فيه كثرت أسئلة المستفتين ولم يتوقف هاتفه عن الرنين، فكان أول ما كتبه:

ما عاد رمضاني “شهر عبادة” فقط، وأصبح شهر “العلم”. وكم تعلمت فيه من الأحكام الفقهية، والفوائد الإيمانية.

وأنصح كل مرب أن يتفقد أولاده في رمضان ويعلمهم ما يلزمهم من فقه الصلاة والصيام، فالموعظة تحلو في رمضان ويخف وقعها على النفوس ويسهل على النشء الاستجابة لها.

جدي “علي الطنطاوي” في رمضان (7)

إذا تخرج الطالب انتهت العلاقة بينه وبين الكتاب! أما جدي فعاش بين الكتب ومعها، هي جزء من حياته ولها الفضل الكبير في نجاحه وتفوقه (فاقتدوا به!)

وكل عام -قبل رمضان- يعتزل جدي في غرفته، ويفكر مليا ويقرأ كثيرا حتى يختار الفكرة الرئيسية لبرنامجه “على مائدة الإفطار”، فإذا اعتمد موضوعاتها الأساسية سهل الأمر عليه وسلس، ويسجلها كلها قبل رمضان.

ونراه قبل تسجيل أحاديثه غارقا بين كتبه، فإذا انتهى التسجيل وفرحنا بفراغه عاد إليها!

سلوك جدي مع الكتب زاد من تقدير واحترامي له (وجعلني أحذو حذوه)، وأرفقت صورته لتتخيلوا معي ما كان عليه!

جدي “علي الطنطاوي” في رمضان (6)

اهتم بإيصال معاني الصوم لنا، وأذكره عند الإفطار وهو يقول لنا ونحن فتيات صغيرات: “هل تشعرين بالعطش الآن؟”، “هل تحسين بالجوع يا بنتي؟”

يقولها بلهجة محببة، فنبتسم.

فيقول: “أرأيت كيف أكلت الآن وشربت وارتحت … ذهبت صعوبة الصوم، وبقي الأجر ثابتا لك”

وكرر كلامه هذا على مسامعنا حتى وعيته.

جدي “علي الطنطاوي” في رمضان (5)

في الشام يتعلم الصغير الصيام بالتدريج، على طريقة اسمها “درجات المئذنة” فيصوم أول مرة حتى يؤذن “الظهر” ويفطر! وبعدها بأيام يصوم حتى يؤذن “العصر”… حتى يصمد يوماً لأذان “المغرب”.

سياسة اتبعها جدي في تدريبنا على العبادات، فلا يرهق الصغير وينتظره حتى يطلب الصيام من نفسه، فإذا عطش أو جاع تركه يأكل ويشرب ولا يلومه، وإذا نسي لم يذكره! (لكيلا يستثقل العبادة)

فإذا أتم الصغير صومه أثنى عليه بكلمات قوية، وامتدحه أمام الجميع، وأحيانا يكتب للصغير كلمات تشجيعية بخطه الرائع فيحفز الحفيد على الاستمرار بالصيام يوميا (وأرفقت ما كتبه جدي “لابن أختي” لما أتم صيامه الأول، وكان عمره 6 سنوات)

نحن المذنبون

نشرت سنة 1955

 كنت أمس عند قريب لي شاب، لا يدع شيئاً في هذه الكتب التافهة التي يحملها بائعو الجرائد إلا اشتراه، حتى اجتمع له منها ما لو أنفق ثمنه في كتب العلم النافع، والأدب القيِّم، وقرأه لصار به من علماء الأدباء أو من أدباء العلماء، وجعلت أنظر فيها، فسألني: ألا تقرأ هذه الكتب؟

قلت: أقرأها إن وقعت لي بالمجان، لأستعين بها على النوم، أم شراؤها فلست أستحله، لأن أكثر مؤلفيها مفسدون، وحرام أن أعينهم على إفسادهم ولو بثمن نسخة واحدة.

فقال: خذ ما تشاء منها لتقرأه.

فأخذت طائفة من كتب التراجم، ومنها كتاب في ترجمة اللورد بيرون للصاوي، وقرأته في الفراش أجتلب به النوم، فإذا أنا أجد فيه من البلايا والطامات ما أطار النوم من عيني غضباً لله، وللفضيلة، ولأخلاق الشباب الذين يقرأونه.

كتاب مطبوع أجمل طبع، على أجود ورق، محلىَّ بالصور، وفيه الديناميت الذي ينسف أسس الحياة الاجتماعية بكل ما فيها من دين وخلق وفضائل.

وأنا لم أعرف من بيرون هذا، إلا أنه شاعر غزل إنجليزي، قرأت من شعره مترجماً إلى الفرنسية والعربية ما يطرق ويعجب، ولم أكن أدري قبل أن أقرأ هذه الكتاب أن هذا البيرون قد جاء م جدٍّ معتوه فاجر، وأب مجرم ساقط، وأم مجنونة حمقاء، وأن حياته، لا لن أصف لكم ما في هذا الكتاب النجس فأكون راوية للشر، وحاملاً للرجس، ولكن ألخص ما فيه بكلمة واحدة، هي أن هذه الحياة كانت سلسلة من الجرائم، بدأت بعشقه وهو في سن السابعة، ومحبته الصبيان الحسان الأماليد، وانتهت بأن أحب أخته، أخته ألا تصدقون؟ حباً أثمر حبلاً!

هذه الرذائل كلها، ومؤلف الكتاب يمجد الرجل ويبجله، ويلبسه أثواب العظمة والجلال، ولا ينكر عليه بكلمة واحدة؟

لماذا؟

لأنه استطاع أن يصنع كلاماً جميلاً
لأنه نظّم شعراً بليغاً.

لأنه كان أديباً، والأديب مغفور له كل ذنب، محتمل منه كل أذى.

وأنا أديب ولكن إن كان هذا هو الأدب فاشهدوا عليّ أني طلَّقت الأدب طلاقاً لا رجعة فيه، وسامحكم الله بالثلاثين سنة التي أنفقتها من عمري في الكتابة فيه، وبالعشرة آلاف من الصفحات التي كتبتها في هذه السنين الثلاثين.

إن كان هذا هو الأدب، فلعنة الله على الأدب.

لعنة الله على الشعر الجميل، والوصف العبقري، إذا كان لا يجيء إلا بذهاب الدين والفضيلة والعفاف.

لعنة الله على بيرون وبودلير، وعلى بشار وأبي نواس، وعلى من يفسد عليّ ديني، ويذهب بعرضي، ويحقر مقدساتي، ليقول كلاماً حلواً.

وهل تعوّض عليّ لذتي بحلاوة الكلام، الدين الذي فسد، والعرض الذي ذهب، والمقدسات الذي مرغت بالوحل؟

هل في الدنيا مؤمن أو كافر، شرقي أو غربي، يسمح بوضع هذا الكتاب بين أيدي أبنائه وبناته، ليتعلموا منه أن يحب الشاب أخته حباً ينتهي بالحمل؟

هل يسمح بذلك إلا أن يكون قد فقد عقله؟

فكيف يسكت الناس عن هذا الكتاب وهو يباع علناً، كيف يغضون عن هذا الماخور السيَّار؟ كيف قر الحكومة نشر كتاب، يلعن كل ما يباركه الشيخ والقسيس والحاخام، ويهدم كل ما يبنيه الوعاظ والمعلمون والمصلحون، ويبيح كل ما تحرمه الشرائع والقوانين والأعراف؟

آمنّا بحرية الرأي، ولكن هل معنى هذه الحرية أن كل من استطاع كتابة صفحات وطبعها يكون حراً أن يقول ما شاء، ولو دعا إلى الكفر والفسوق والعصيان؟

لماذا تمنع البلاد الملكية الطعن بالذات الشاهانية، وتبيح الطعن بالرسل والأنبياء بتسفيه أديانهم، وتقبيح شرائعهم؟

وهل الحرية أن يعمل كل إنسان ما يريد، ولو ضرب غيره، ولو عدا على ماله؟ ولو مشى في الطريق عارياً؟ ولو كتب مثل هذا الكتاب؟

ولماذا نقيم القيامة على من يسرق عشرة قروش، ونبعث وراءه الشرطة والدرك والنيابة والمحكمة والسجن، ونترك سارق الأعراض والعقائد؟

إن في الأسواق كتباً نجسة مدمرة، ألِّفت لتمجيد أناس كانوا في سيرهم وفي أخلاقهم، شر نموذج يعرض على أنظار الناشئين والناشئات. ولا يكون لهم منها إلا دليل يأخذ بأيديهم ليسلكهم هذه المسالك، منها كتاب جبران خليل جبران لنعيمة، جبران الذي يصفه صديقه وهو يقرظه بأنه حمل نفسه إلى المجد على عاتق امرأة، ثم لم يكفه هذا الصغار حتى جعل مكافأتها إن خان عهدها، جبران الذي يمدحه صفيُّه وخليله نعيمة، بأنه كان يحاول أن يأتي كل فتاة كانت تأتي إليه معجبة به. ومنها كتاب بلزاك، وكتاب اسكندردوماس، وأشباههم من أدباء الإفرنج، من كانوا يعبثون بعرض الفتاة، ويفجعونها فيه، ويجعلون منها بغيّا لينظموا قصية غزل، أو يكتبوا قصة حب، كما أحرق نيرون روما، ليؤلف لحنه الموسيقى على لهيب نارها.

وشر من هذه الكتب كلها، كتاب الرباط المقدس، لتوفيق الحكيم، لأنه دعوة صريحة للعبث بالأمانة الزوجية، وأن تشرك المرأة حبيبها مع زوجها في جسدها.

كتاب لم أجد في كل ما رأيت من كتب دعاة الرذيلة أوقح من مؤلفه الفاجر ولا أقل حياء منه!

أو تدرون كيف قرأت هذا الكتاب؟

كنت في مصر سنة 1945، جئتها بعد غيبة عنها امتدت سبع عشرة سنة، وأقام لي المصريون الكرام حفلات كثيرة، قام في واحدة منها الشاب العالم الصالح عبد الرحمن الباني، مفتش الدين في وزارة المعارف السورية اليوم، وكان طالباً في الأزهر، فألقى خطبة عاب فيها على الأدباء المسلمين سكوتهم عن إنكار منكرات النشر، وضرب المثل بهذا الكتاب، وبلغت به الحماسة أن طوَّح به فألقاه عليَّ من فوق المنبر، وقال: خذ انظر، ماذا يكتبون وأنتم نائمون.

وأصابني الكتاب بضربة على وجهي، ولكني لم أغضب، ولم أردد عليه مثلها، بل احتملتها صابراً، لأن الحق كان معه!

لأننا نحن المذنبون.

نحن المذنبون، ونحن نستحق هذه الضربة وأشد منها.

إن الكثرة الكاثرة من الناس في كل بلاد المسلمين منا، وفينا الأموال، وفينا الكفايات، وفينا الأقلام، والحكم في عرف الديموقراطية للأكثر، ومع ذلك، ومع ذلك نجد الصحافة في أيدي الآخرين، والنشر في أيديهم والمدارس والجامعات في أيديهم، وكل شيء ، في أيديهم.

ونحن الذين ندفع تكاليف هذه الصحف، نحن الذين نشتريها ونقرؤها ونحن ندفع أثمان هذه الكتب، ونحن الذين يرسلون أبناءهم وبناتهم لهذه المدارس والجامعات، ونحن الذين يؤدون الضرائب لهذه الحكومات، التي تهجر كتاب ربنا وسنّة بنيِّنا، وتحكم فينا بقوانين فرنسا وإيطاليا وسويسرا والتي تبيح فينا الزنا والربا والفجور والعصيان، وكل ما يحرّمه علينا ديننا رغماً عن أنوفنا.

ويا ليتنا ننكر بألسنتنا وأقلامنا، إن عجزنا، ولسنا عاجزين، عن أن ننكر بأفعالنا، ويا ليتنا إذ لم نستطع منع هذه الكتب وهذه المجلات، لم نمدها بأموالنا، ويا ليتنا إذ لم نقدر على إصلاح هذه المدارس والمعاهد لم نبعث إليها بأبنائنا وبناتنا، ويا ليتنا إذ بعثناهم إليهم ألزمناهم بالصلاة والصيام وتقوى الله وغض البصر، وستر العورات، والبعد عن المحرمات، وسلحناهم لذلك بسلاح مع معرفة حقيقة الإسلام، والوقوف على أحكامه، ويا ليتنا إذ لم نفعل ذلك كلنا، فعله علماؤنا على الأقل، فلم يكن أبناؤهم وبناتهم من السابقين الأولين في طريق الاستهتار والفسوق!

أفلا نستحق أن نصفع بهذه الكتب كل يوم على وجوهنا؟

****

إن أكثر هؤلاء الأشرار من أمثال توفيق الحكيم، عزّاب غير متزوجين، ليسهم لهم ولد يخافون عليه الفساد، ولا بنت يخشون على عفافها الضياع، فهم لذلك يفتحون علينا، في صحفهم ومجلاتهم وكتبهم، باباً بعد باب للاختلاط والفجور والبغاء المقنَّع، يخترعون كل يوم اسماً جديداً، فمن الحرية الفكرية، إلى الحرية الفنية، إلى الروح الرياضية، إلى النهضة النسائية والمسمّى واحد والغاية واحدة، وهي أن يستمتعوا المتعة المحرمة ببناتنا، بالنظر إلى محاسنهن في الطريق، والاختلاط بهن في المعهد، ورؤية المستور من أعضائهن في الملعب، وتقصِّي العيون الفاجرة كل موضع من أجسامهن على الشاطئ، وما يتبع النظرة من الابتسام، وما بعد الابتسام من الكلام، ثم الموعد واللقاء، ثم، ما نعرف وتعرفون! غاية طبيعية لا بد من بلوغها، ومن أنكر ذلك لم يكن إلا أحمقاً مجنوناً، أو كذاباً ملعوناً، يظهر غير ما يبطن، ويقول غير ما يعتقد.

وهل تدحرج الصخرة من فوق الجبل، ليس أمامها شيء، وتنتظر أن تقف على الطريق؟ هل تضع النار والبارود، وترقب ألا يكون انفجار، بل يكون برد وسلام؟

هذه حقيقة من أظهر الحقائق، من كان لا يبصرها فهو أعمى، ومن أنكرها فهو شيطان، فلم لا نعترف بالحقائق؟

لماذا ننكر بألسنتنا، ما تنطق بصحته قلوبنا وجوارحنا؟

لماذا نكون مثل هؤلاء التقدميين! يفعلون كل شيء، ولكن يستحيون من التصريح باسمه؟

وكيف يجوز لهم في شرع هذه المدنية أن يهجموا علينا ولا يجوز لنا أن ندافع عن أنفسنا؟

أتبلغ الوقاحة باللص أن يأتي ليسرق عرض ابنتي جهاراً نهاراً، ولا يحق لي أن أحصِّنها منه بالحجاب الشرعي، وبالتربية الإسلامية، وأن أدافع عن نفسي بالفكر والقلم واللسان؟

إننا في أنظارهم رجعيون، وجامدون، ومتعصبون، لأننا لم نقل لهم، تفضلوا انتقوا من تشاؤون من بناتنا، لتصاحبوها في السينمات، وتراقصوها في السهرات، وتأخذوها إلى البلاجات.

لقد بلغنا من المذلة والضعف أن صرنا نخشى اللص، ونهرب منه، لئلا نشاهد متلبسين بهذه الجريمة الهمجية، المخالفة للمدنية والتقدمية، جريمة منع اللص من أن يسرقنا، لقد تبدّلت المقاييس، وتغيرت الإفهام، فصار الناس يُجلِّون البغايا من الممثلات والراقصات، أكثر مما يُجلّون الفاضلات الصالحات ويحترمون المغنين والمغنيات، أكثر من احتارم المدرسات والمعلمات.

هذه كله ثمر الغرسة الخبيثة التي غرسها فينا الاستعمار، وإنه لن يكون الجلاء حقاً، حتى تجلو قوانين المستعمر عن محاكمنا، وشبهه عن رؤوسنا وعاداته عن بيوتنا، كما جلت جنوده عن ارضنا.

وذلك في أيدينا، نحن الكثرة الكاثرة، نحن الذين نملك الأموال والعقول والألسنة والأقلام، ونملك هذه المنابر التي تستطيع أن تهز الأرض، إذ علاها رجال، لا أشباه الرجال.

فإذا بقينا على هذا الصمت، وهذا الضعف، وهذه العبودية، كنا مستحقين أن نصفع على وجوهنا كل يوم، لا بالكتب بل بالنعال!

عَوِّدْ نفسَك الخير

نُشرت هذه المقالة في مجلة “حضارة الإسلام”، وقد اقتطعها جدي -رحمه الله- من العدد الذي نشرت فيه فلم أعرف تاريخ نشرها. وحيث إن مجلة “حضارة الإسلام” قد بدأ صدورها في عام 1960 فإنني أغلّب أن المقالة قد نُشرت في أوائل الستينيات، ربما بين عامي 1961 و1964 (قبيل انتقال الشيخ إلى المملكة).

 لي قريب شاب، صالح مستقيم، ولكنّ فيه شيئين: أنه يطيل  السهر حتى يقعد عن صلاة الفجر، وأنه يكثر التدخين، يُذهب في ذلك ماله ويضرّ جسده ويؤذي أهله.

وكنت أنصحه وأعِظُه فيهمّ ولا يعزم، ويقرر ولا ينفّذ، حتى صحبتُه مرة في سفرة إلى بيروت، ولم نجد في الفندق الذي نزلناه غرفتين فبتنا في غرفة واحدة.

وكان في السنّ بمثابة ابني، وكان يوماً تلميذي، فهو يوقرني لذلك ويجلّني. وكان يعلم أني أحب أن أنام من أول الليل، فترك عادته في السهر تلك الليلة من أجلي. وكنت أحسّ به يتقلب على الفراش لا يطيق المنام، فأتجاهله وأتناوم لعلمي بأن ذلك أصلحُ له وإن كان أشد عليه، ثم رأيته قد غلبه النوم.

فلما قمت إلى صلاة الفجر، أحسَّ بي، فسألني (من باب الأدب) وهو بين النائم واليقظان: هل تريد شيئاً؟

قلت: نعم. فوثب وقال: ماذا تريد؟

قلت: أريد أن تصلي معي الفجر لعلّنا نكسب ثواب الجماعة.

فتوضأ وصلينا.

ومرّ على ذلك أيام طوال، ثم لقيته فسألته عن حاله، فخبّرني أنه صار يصلي الفجر حاضراً كل يوم.

قلت: أعرف ذلك.

فقال متعجباً: من أين عرفت؟

قلت: لأنك قمت إلى الصلاة معي لمّا كنا في بيروت، والعادة تثبت بمرّة، فيكفي أن تصنع الشيء مرة واحدة ليكون لك عادة.

قال: تتكوّن العادة من مرة واحدة؟

قلت: نعم، هذا ما يراه وليم جيمس، شيخ الفلسفة العملية اليوم وإمام السلوكيين في علم النفس. وهو لم يأتِ في ذلك بجديد، بل هو يردد ما قاله قبله بألف سنة فقهاء المذهب الحنفي.

قال: وما يُدري فقهاءَ المذهب الحنفي بعلم النفس؟

قلت: إن في هذه الكتب الصفراء التي انصرف الشباب عنها ذخائر من العلوم، ولكنا تعودنا ألاّ نقيم لقولٍ وزناً إلاّ إذا قالَه عالمٌ أوربي أو أميركي. وهاك كتاب “الإحياء” للغزالي مثلاً، فاقرأه تجدْ فيه من أحوال النفس ما ليس في كتاب في الدنيا.

*   *   *

نعم؛ إن العادة تتكون من مرة واحدة. إنك تمرّ بالمرقص كل يوم فلا تلتفت إليه ولا تقف عليه، فإذا جاءك شيطان من شياطين الإنس فأخذ بيدك فأدخلك إياه مرة واحدة هان عليك دخوله وتعودت ارتياده وصرت من أهله. وإن نزلت من دارك إلى المسجد، فصليت الفجر مرة مع الجماعة، سهُلَ عليك النزول كل يوم وصرت من أهل الجماعة.

ولقد كنت أنا أهتمّ بعدّ ساعات النوم، أفيق فأنظر في الساعة، فإن وجدت نومي قد نقص عن ثماني ساعات شعرت كأني متعب أو مريض (ولو لم يكن بي تعب ولا مرض). فلما مرضت من سنتين وطال مرضي، وكنت آرَقُ وأنام، وأستيقظ وأغفي، تعودت النوم المتقطع ولم أعد أحصي ساعات المنام ولا أبالي نقصَها.

ومن ثبوت العادة بمرة أن أحدنا يدخل المقهى أو يزور صديقاً، فيؤمّ ركناً من أركان المقهى أو كرسياً من كراسي المجلس يقعد فيه، فإذا عاد إلى القهوة. أو إلى المجلس وجد قدميه تجرانه -بلا شعور- إلى ذلك الركن أو ذاك الكرسي.

ولا يقولنّ أحد: “هذه عادتي لا أستطيع تبديلها”، فإنك إن تركت هذه العادة مرة واتخذت غيرها تبدلَتْ عادتُك.

إن كان من عادتك أن تخرج من دارك في منتصف الثامنة فتتأخر عن ديوانك أو مدرستك، فجرب أن تخرج مرة واحدة في منتصف السابعة، تجد أن التبكير قد صار لك عادة.

وإن كنت تواظب على السينما حتى لا يفوتك شريط من الأشرطة وأحببت أن تتخلص من هذا الشر فجرب أن تتجنبها أسبوعاً واحداً، وأن تمرّ بالسينما وترى الإعلان عن الرواية التي تحبها فلا تدخلها، تَجِدْ أنك تستطيع أن تصبر عنها أسبوعاً آخر، فإذا انقضى شهرٌ ولم تدخلها رأيت أنك تقدر أن تمتنع عنها شهراً آخر.

وإن ابتُليتَ بهذا الرائي (أي التلفزيون) تلازمه أربع ساعات كل ليلة، تشتغل به عن درسك وعن نومك، تذوق القليل من حلوه والكثير من مُرِّه، تتناول سمه في دسمه، فاتركه مرة واحدة وقُمْ إلى غرفة أخرى فاشتغل أو إلى فراشك فنَمْ، تَجِدْ أنك تعودت الاستغناء عنه.

وإذا كنت تغضب وتثور لكل ما يخالف رغبتك، فتضارّ امرأتك أو تضرب ولدك أو تكسر آنيتك، فلقد كنت أنا مثلك، وكنت إذا غضبتُ لا أبصر بعيني ولا أبالي ما أقدم عليه! فما زلت آخذ نفسي بالمواعظ وأذكّرها بقول الرسول ‘ لمن سأله موعظة فيها السلوك الخلقي الكامل فقال له: “لا تغضب” (كما قال للآخر الذي سأله نصيحة تجمع المبادئ الخلقية كلها: “لا تكذب”). ثم جربت أن أضبط أعصابي وأن أكتم نار غضبي بين ضلوعي، وأن أعالج الأمر باللين والحكمة والعقل، فوجدت لذلك ألماً لا يدانيه ألم ومشقةً لا تعدِلها مشقة، وأكبرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “ليس الشديد بالصُّرعَة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، ولكني نجحت في هذه التجربة، فلما عدت إليها المرة الثانية لم أجد من تلك المشقة وذلك الألم إلاّ القليل.

فجرب ذلك مرة يَصِرْ لك -إذا شئتَ- عادة.

وإذا كنت تأخذ امرأتك بالشدة حتى صارت تلك عادتك فجرب أن تأخذها مرة واحدة باللين، وأن تكلمها كما تكلم ضيفاً عزيزاً أو صديقاً كريماً، يَصِرْ لك اللين عادة.

وإذا كنت مستضعَفاً في بيتك، لا أمر لك على زوجتك ولا على ولدك، وكنت تريد الاقتصاد وهم يبذّرون، وتأمر البنات بالستر واتّباع الدين فلا يقبلن إلاّ التكشف واتباع الإفرنج المستعمرين، وكنت تنهى ابنتك عن الذهاب إلى السينما فتجرب فيك سلاح النساء (وهو البكاء) فتخضع وتتخاذل… فجرب أن تستبدّ وتشتدّ في إقامة الحق مرة واحدة واثبت على ذلك، ولاتبالِ الدمع ولا التوسل ولا الحَرَد (كلمة “الحَرَد” بالمعنى الذي يستعملها فيه العوام كلمة صحيحة فصيحة).

، تجِدْك قد استعدت سلطان الأب ومكانة رب البيت.

وإذا كان لك عادات سوء (كعادة التدخين مثلاً) فلا تقل لنفسك: “اليوم أنقص دخينة (سيجارة) وغداً دخينتين”، بل أَلْقِ العلبة من الآن واترك التدخين مرة واحدة وسلِّ نفسك عنه بشيء غيره. ولقد كان أستاذنا أحمد جودة الهاشمي (رحمه الله) يدخّن الليل والنهار، فعرض له ما يوجب ترك الدخان، فقال: “تركته”. وظنّ إخوانه إنه يمزح أو يلقي كلاماً، وإذا هو قد ثبت على كلمته ولم يعد إليه أبداً.

فانظر في عادات السوء كلها: كالخمر والربا والحشيش وكشف العورات المحرمة شرعاً والنظر إليها، وآلات الطرب والنرد (الطاولة) والميسر (ومنه اليانصيب)، والتماثيل التي توضع في أبهاء الاستقبال، وأختام الذهب للرجال.

 وأمثالها، فاتركها مرة واحدة، واكسر آلاتها، واقطع أسبابها.

*   *   *

إن سلوك الإنسان مجموعة عادات: عادات في الأكل وفي الشرب، وفي المشي وفي اللبس، وفي أسلوب مخاطبة الناس… بها يكون الإنسان محبوباً أو يكون مكروهاً، وبها يكون موقَّراً محترماً أو يكون مزدرَى محتقَراً. وربما يكون هذا الحب وهذا الكره، وهذا التوقير وهذا التحقير، لعادة تافهة لا يأبه صاحبها لها ولا ينتبه إليها.

إن العاقل هو الذي يعتبر نفسه دائماً كالتلميذ في المدرسة، يسعى كل يوم ليتعلم شيئاً جديداً، ثم يعمل بكل خير يتعلمه.

ينظر دائماً في طباعه وعاداته وأخلاقه، فما كان منها صالحاً حمد الله عليه واستزاده منه واستمرّ عليه، وما كان منها سيئاً عمل على تبديله وتغييره وسأل الله العون على الخلاص منه.

*   *   *

من غرائب قصص الحياة والموت

قرأت اليوم (الخميس السابع من ربيع الأول 1408ه-) في جريدة “البلاد” خبر الطفل الذي سقط من الطبقة الرابعة على بلاط الشارع ولم يصب بأذى. وكان معي طائفة من الإخوان، فذهبوا يعلقون على هذا الخبر وهم بين مكذب له ومتعجّب منه، فقلت: لا تكذّبوا ولا تتعجبوا، فلقد قالت العرب: “من يعِش يَرَه”، وأنا قد عشت ورأيت، رأيت الكثير من أمثاله.

لما كنت مقيماً في مصر سنة 1947 (1366ه-) وكان الأستاذ الزيات -رحمه الله- مريضاً (أو متمارضاً) وشرفني فوكل إليّ الإشراف على تحرير “الرسالة” وقعت لصديقه وصديقنا، الأستاذ حبيب الزحلاوي، واقعة مثلها: سقطت بنته من الطبقة السادسة إلى الشارع، وقامت على رجليها سليمةً ما أصابها أذى. وكنت أذيع أحاديث من يافا في فلسطين (رد الله علينا فلسطين) من إذاعة الشرق الأدنى التي أنشئت فيها بعد إذاعة مصر بسنة واحدة، وكنت أكتب أحاديثي وأعدها، لا ألقيها ارتجالاً كما أصنع الآن (وليتني استمررت على ما كنت عليه؛ فقد بقي الذي كتبته وضاع كل ما ارتجلته) فجعلت أحد أحاديثي عن هذه الواقعة.

وهذا الحديث نُشر في الرسالة. ولعل في هذه الأخبار ما يُظَن بادي الرأي (أي من النظرة الأولى) مخالفاً لسنن الله وقوانينه التي وضعها لهذا العالم يوم خلق السماوات والأرض. ولا يمكن لأحد أن يبدّل سنة الله في خلقه، ولا أن يحولها، ولا أن يخرج عليها. وما نراه -أحياناً- أو نسمعه من أمور يبدو أنها تخرق هذه السنن وتخرج على هذه القوانين إنما يتبع قانوناً آخر من قوانين الله، هو قانون خرق العادات: قانون المعجزات والكرامات والاستدراجات.

الله خلق النار وقال لها: “كوني محرقة”. هذا هو “القانون العام”، ولكن الله القادر على كل شيء الذي لا يُسأل عمّا يفعل وضع قانوناً خاصاً لشخص من الأشخاص في وقت من الأوقات لحادث من الأحداث، فقال: “قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69- الأنبياء)”.

وقانون الهوية (أي الذي هو هو) من قوانين الله في هذا الوجود، فالعصا إن حملتها أو ألقيتها على الأرض أو علقتها على الجدار تبقى عصا، هذا هو القانون العام، ولكن عصا موسى لما ألقاها انقلبت حية تسعى، وهذا هو القانون الخاص.

فنحن نؤمن بخوارق العادات إن ثبت وقوعها وصحّ الخبر بها، فإن كانت من نبي كانت معجزة، وإن كانت من وليّ (وهو المؤمن التقي) كانت كرامة، وربما سميناها عناية من الله خصه بها، وإن وقعت على يد غير المؤمن أو غير التقي كانت استدراجاً. فإن لم نتحقق من وقوعها كانت خبراً من الأخبار، والخبر ما يحتمل الصدق والكذب، فإن صدقته ولم يكن في الشرع ما يمنع تصديقه لم يكن عليك شيء، وإن كذّبته ورددته لم يكن عليك شيء.

*   *   *

ولقد كنت أقلّب -لما أخذت الجريدة- أجزاء قديمة من مجلة “المختار” (المختار من ريدرز دايجست، يوم كانت دقيقة الترجمة صحيحة الأسلوب سالمة من اللحن)، فوجدت فيها خبراً أعجب من سقوط الصبي من الدور الرابع، بل ومن سقوط ابنة الزحلاوي من الدور السادس، هو خبر طيارة كانت تقل اثني عشر شخصاً، كانت تطير فوق جبال الألب من ميونيخ إلى مرسيليا، وكان من ركابها السيدة التي روت القصة، وابنها هو قائد الطيارة. وكان الركاب مسترخين في مقاعدهم، بيد كل واحد منهم كتاب يقرؤه على عادتهم في أسفارهم، فلا يضيعون وقت السفر بغير قراءة وانتفاع، وقد مال ميزان النهار واقترب العصر، فاهتزت الطيارة هزة عنيفة مفاجئة، وقال الطيار من المكبر: “اربطوا الأحزمة؛ إننا نواجه بعض المتاعب”. وما كاد يتم جملته حتى ارتفعت الطيارة إلى أعلى كأنها صاروخ منطلق، ثم حطت كما تحط الصخرة العظيمة انحدرت من ذروة الجبل.

تقول راوية القصة: شعرت كأن قلبي يهبط، ومعدتي تضطرب، وأنفاسي تتقطع. وزاد من خوفي أنني أرى المقاعد قد انفكت عن أمكنتها وانطلقت تعدو من أول الطيارة إلى آخرها ومن آخرها إلى أولها، ثم شعرت أن وجهي يصطدم بظهر المقعد الذي كان أمامي. واهتزت الطيارة هزة أخرى، فمالت على جنبها وانحصرنا كلنا في زاويتها. وأمضينا ليلة لا نهاية لها، نقاسي فيها البرد والظلام والخوف من المستقبل المجهول، والريح كلما هبت هزت الطيارة فحركتها، فتحركنا معها، حتى أصبح النهار وسكنت الريح، ففتحنا الباب وخرجنا، فوجدنا شيئاً عجباً لا يكاد يُصدَّق؛ وجدنا الطيارة ترقد على جنبها على رف الجبل وتحتها وادٍ عميق وعلى يمينها وادٍ مثله، وما هناك إلاّ الساحة التي ترقد عليها فقط. فكأن يد القدرة هي التي حملتها ووضعتها في هذا المكان.

كيف يسقط اثنا عشر شخصاً من علوّ أحد عشر ألف قدم ولم يمت منهم أحد؟ كيف استقرت الطيارة على هذه البقعة الصغيرة، ولم تهوِ في وادٍ من هذه الأودية التي لا يدرك البصر قرارها؟ كيف وقفت على هذا المنحدر الثلجي المائل ولم تسقط؟ لقد أقبلوا جميعاً على قائدها يهنئونه بهذه البراعة النادرة، فدُهش حقيقة وقال: أي براعة؟ هل تسخرون مني؟ إني لما أفلت زمام الطيارة من يدي لم أعد أستطيع أن أعمل شيئاً، وعرفت ذلك وأيقنت به، فذكرت كلمة سمعتها وأنا صغير من أحد المدرسين وحفظتها. قال لنا: “إن مصائب الحياة -يا أولاد- كثيرة، وسيمر بكم بعضها فلا تستطيعون احتماله، فإذا واجهتكم واحدة منها فلا تقفوا أمامها وحدكم، بل اطلبوا من الله أن يكون فيها معكم”.

*   *   *

كان مما تعلمناه من الدعاء:  “اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه”؛ فمَن أدركه لطف الله فقد نجا. ولقد وقعت لي أنا واقعة مر عليها الآن أكثر من ثلث قرن ولا أزال أذكرها؛ أراها واضحة أمامي كأنما كانت بالأمس.

كنا نصطاف في قرية من قرى الجبل يقال لها “مضايا”، تبعد عن دمشق خمسين كيلاً، وكنا قد استأجرنا داراً في الجبل، وكانت بنتي تلعب على السطح، ولم يكن للسطح حواجز، فسقطت عن علو سبعة أمتار على الصخر اليابس وانقطع صوتها. وهبطت السلم وأنا لا أبصر ما أمامي حتى وصلت إليها فحملتها، ولست أدري أأحمل جثة ميتة أم أحمل معها الرجاء بحياتها وشفائها؟ وأخذتها إلى مستوصف القرية، وكان فيه طبيب أعرفه، فطمأنني أنها لا تزال على قيد الحياة ولكنها تحتاج إلى عمليات عاجلة. فركبت أول سيارة وجدتها ونزلت إلى دمشق، إلى مستشفى كلية الطب، وكان فيه جراح اسمه الدكتور اللبابيدي (ذهب إلى رحمة الله) فأجرى لها عمليات وفقه الله فيها وجعل على يديه شفاءها.

وقد أدركت في الشام عدداً من المفتين العلماء الأجلاّء، كان منهم الشيخ محمد شكري الأسطواني (وآل الأسطواني أسرة نبغ منها علماء كبار، ونسبتها إلى أسطوانة المسجد التي كان جدهم يستند إليها حين يلقي درسه على طلابه). وكان المفتي كبير السن، كثير العلم، رقيق الحاشية، يميل إلى المزاح وإلى النكتة. وكان إذا سُئل عن الولد قال: أنا من الصنف الرابع (يشير إلى قوله تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}). وكان حسن الزي، مرفّه العيش، واسع الغنى. ولم يكن له ولد يرثه، فمرض مرضة شديدة أشرف فيها على الموت حتى أيس منه الأطباء، وكان منهم ابن عم لي من قدامى أطباء الشام، تخرج من كلية الطب في دمشق سنة 1920، فخبرني تلك الليلة -وقد سألته عنه بالهاتف- أن الأعمار بيد الله، ولكنه وإخوانه من الأطباء يرجّحون أنه لن يصبح حياً. وقد اجتمع في بيته ورثته من أبناء إخوته ونساؤهم، وبدرت كلمة من إحدى النساء جعلتهن ينسين مرض المريض والموت الذي يحوم حول بيته بجناحيه، واختصمن في توزيع التركة: مَن يأخذ الدار الفخمة في الشارع العظيم الذي فيه القصور وفيه مساكن الأغنياء (شارع أبي رمانة)؟ وكانت منهن واحدة هي أعلاهن صوتاً وأكثرهن حرصاً وأشدهن طمعاً بهذه الدار.

أفتدرون ماذا كانت خاتمة القصة؟ إن في خاتمتها العبرة منها والموعظة من روايتها. كانت خاتمتها أن الشيخ شُفي، وأن هذه الفتاة التي كان يعلو صوتها ماتت، ومشى الشيخ في جنازتها ووقف على قبرها بعد أن صلى هو عليها!

*   *   *

يا أيها القراء: قلت لكم مَن يعِشْ يرَهْ. ولقد رأيت في حياتي عجائب لو سردتها عليكم لاستغرق سردها حلقات.

بنتان تسقطان من عمارة عالية ثم تنجوان، والشيخ إبراهيم الراوي سنة 1936 في المسجد (مسجد سيد سلطان علي) في بغداد، الذي يبقى فيه أكثر نهاره ويلقي فيه جل دروسه، عثر بسجادة وُضعت فوق الأخرى، لا تعلو عنها إلا عرض إصبع واحدة، فكان في سقوطه موته رحمه الله.

ورأيت بعيني مرة في دمشق مشهداً لا ينساه من رآه لما كان عندنا خط الترام الذي يصعد إلى حي المهاجرين على سفح قاسيون. كان نازلاً مرة من العفيف إلى الجسر الأبيض، وبينهما منحدر مائل، وقد أفلت مقوده من يد السائق الذي يسوقه، فهبط مثل البلاء النازل. وكان أمامه بين الخطين امرأة مسنة (كأني أراها الآن بملاءتها وحجابها)، لمّا أبصرته جمّد الخوفُ دمَها وأيبس عضلاتها فلم تستطع أن تبارح مكانها. وأغمض الناس عيونهم، وأغمضت عيني معهم لأننا لا نستطيع أن نصنع لها شيئاً. ومن يرد الترام وهو مندفع بثقله وانحدار خطيه؟ فلم نفتح عيوننا حتى سمعنا رجة قوية، وإذا الترام قبل أن يصل إلى هذه المرأة -فيسحقها سحقاً ويخلط عظمها بلحمها- قد خرج عن الخط، ومال ميلة إلى جدار من الطين وراءه غرفتان من دار قديمة، فشق على أهل الدار الجدار ودخل عليهم وهم في الدار.

لا تقولوا إنها مصادفات؛ فليس في الكون مصادفات، ولكنها أمور مقدرات في علم الله محسوبات، مسجلات في كتاب القدر. والله لا يظلم أحداً ولا يضيع حقاً على أحد، فلم يبق لنا إلا التسليم والعجب: المرأة التي كانت بين خطي الترام ذهبت إلى بيتها ماشية على رجليها، والذين كانوا في بيتهم، قد أغلقوا عليهم أبوابهم، شق عليهم الترام الجدار وولج الدار.

وحادثة أخرى وقعت في الشام قبل أن آتي المملكة بسنتين، كتبت أخبارها الصحف وتحقق منها الحكام، وتسامع بها الناس وتحدثوا بها في المجالس؛ ذلك أن حافلة من الحافلات الكبار التي تسافر على طريق حلب كان فيها أربعون راكباً، حدّث رجل صادق كان يركب جنب السائق أنه وقف بها في غير محطة يقف الناس عندها، ولا بلد يقصدونها، ولا دكان يشترون منها. فسأله: لماذا وقفت؟ فقال السائق: ألا ترى هذا الرجل ذا الشيبة الذي أشار إليّ؟ هل تريد أن أتركه منقطعاً في هذا الطريق في الليل الموحش والظلام الشامل؟ فنظر الراكب فلم يرَ أحداً، ولم تمضِ دقيقة حتى هوى رأس السائق على مقوده وفارق الحياة. وحدّث الرجل الركاب بما سمع، فنزلوا من السيارة يفتّشون عن هذا الشيخ، يمشون يميناً ويمشون شمالاً فلا يجدون أحداً، فعلموا أن السائق قد حان حينه وجاء أجله، وإذا قُبضت روحه فربما هلك الركاب أو مات بعضهم ولم تأت -بعدُ- آجالهم، فبعث الله له هذا الشيخ حتى يستوقفه، فيموت هو بأجله وينجو الركاب ينتظرون آجالهم… ولعل هذا الشيخ كان ملَكاً أمره الله فتمثل للسائق رجلاً.

وحافلة أخرى مثلها، في خبرها فكاهة في آخره فاجعة. وذلك أن بدوياً استوقفها لتحمله معها، فوقف له السائق وقال له: إن المقاعد كلها مشغولة فأين أركبك؟ قال: أصعد إلى ظهر السيارة. قال: إن في ذلك خطراً عليك، وإنه لممنوع. قال: إن سألوني قلت إني صعدت من غير أن تراني.

وكان على ظهرها نعش فارغ حمله أحد الركاب إلى قريته لينقل فيه قريباً له مات فيها إلى البلد ليدفن في مقبرتها. ونزل المطر فلم يرَ البدوي مكاناً يعتصم فيه من المطر إلا النعش، فرفع غطاءه وتمدد فيه وغطّاه، ويبدو أنه قد استرخى فنام.

وجاء بدوي آخر يريد أن يركب، فوقف السائق وقال: اصعد فكن مع أخيك على ظهر السيارة. فصعد فنظر فلم يجد أخاً له ولم يرَ إلا النعش، فاستوحش منه وابتعد عنه. ومشت السيارة، فصحا النائم وأحب أن يرى هل انقطع المطر، فرفع غطاء النعش قليلاً ومد يده، فلما رآه انقطع رفع الغطاء وقام، فحسب البدوي الثاني أن الميت قد وقف، فملأ نفسَه الرعبُ وولى هارباً، فسقط من السيارة وهي تمشي على أم رأسه فما قام، وحملوه ميتاً.

*   *   *

كنت -في أول عهدي بالإقامة في المملكة- في عمان، وقد عاقدت المملكة عشرات من المدرسين ليعلّموا في مدارسها وأعدت لهم طيارات إضافية تنقلهم، وقالت لهم: استكملوا أوراقكم، وأعدوا حقائبكم، وكونوا متهيئين؛ فإذا دعوناكم جئتم إلى المطار. فمن أكمل استعداده لم يكن عليه إلا أن يركب السيارة فتوصله إلى المطار، ومن قال لهم: انتظروني حتى أستخرج جواز السفر وأودع الأهل وأعد المتاع لم ينتظروه، بل ألغوا عقده وخلوه. وكذلك الموت، ولكن الموت يأخذه على أي حال، لا يدعه أبداً، لذلك يستعيذ المؤمن من موت الفجأة ويرى أن من علائم حسن الخاتمة أن يأتيه الموت وهو مستعد للقاء ربه قد استغفر من ذنبه.

كان لأبي صديق هو أقرب أصدقائه إليه، هو الشيخ موسى الطويل، الذي كان يوماً من كبار تجار دمشق ومن مقدمي محسنيها، وفقه الله في حل المشكلات وأعانه على عمل الخير. زرته يوماً، وكان في مرض الموت، فوجدته صاحياً واعياً، فسألته عن حاله فقال:  الحمد لله. إنني أنتظر لقاء ربي، قد أديت كل حق عليّ إلاّ حق الله الذي أرجو من كرمه ومن إحسانه أن يغفر لي ما قصرت منه. وذكرنا رجلاً كان من إخوانه وإخوان أبي، وكان من علماء التجار وأفاضلهم ووجوه أهل الشام وأكارمهم، هو السيد شريف النص، فلما جرى ذكره قال: كان رحمه الله… وسكت سكتة، وألقى برأسه قليلاً إلى الوراء. ولم يتبدل شيء فيه إلاّ أسنانه الصناعية العليا قد هبطت قليلاً، وأسلم الروح.

رحمة الله عليه وعلى أموات المسلمين، اللهم تب علينا واغفر لنا، وألحقنا بعبادك الصالحين.

*   *   *

(علي الطنطاوي، من مقالة له نشرت سنة 1987)