Category Archives: مع الثورة السورية

مشكلات بين أولادي بسبب الغربة

السؤال:
اخت عابده
انا سوريه اقيم في مصر،عندي مشكله وحابه استشيرك فيها لو سمحت: عندي 5 ابناء الكبير عمره12، والاصغر 11، الثالث7 والرابعه5 والخامس بعمر سنة
1- عندي عده مشاكل مع أبنائي تبدأ من الكبير يمشي بالمسايرة، ولكنه عنيد ويرفع صوته على صوتي، فاضطر لضربه ليعلم أن لي سلطه عليه، وهو لا يقدم على المشاكل لأنه لا يحب أن يتعرض للنقد
طبيعته جدي ولكنه أصبح هزلياً بطريقة غير لطيفة، ويعمل حركات بوجهه.
ذكي ما شاء الله وعنده سرعه بالحفظ ويفتقد ثقته بنفسه إلى حد ما إذا كان معه أحد من معارفنا من أقرانه.
يغار من أخيه الثاني الأصغر منه، وأخوه مختلف عنه، فهو اجتماعي ويتوق لمساعدة الناس، ويتصيد أخطاء أخيه… أكلمه أنا بطريقة هادئة وأطلب منه العدول عن سلوكه، ويتعاطف معي ويعدني أنه سيغير أسلوبه مع إخواته ثم يرجع لنفس الاسلوب.
فكيف هي طريقه التعامل المثلى معه، خاصه أن زوجي ليس موجوداً معنا؟
2-المشكله الثانيه مع أخيه الثاني الذي يضرب إخوته وأخواته كل الوقت،
والصراحه من وقت الثورة تعلموا الكلام البذئ من الأناشيد التي تسب بشار، وكأنها كلمات عادية، ساهم الوضع بالبلد بالاستمرار عليها، فهنا حدث ولا حرج عن السب والشتم في المدارس، والمستوى الأخلاقي متدني الى حد ما.
وهو لا يسمع الكلمه بسرعة ويجادل.
طبعاً أصبحت أضربه، باليوم حوالي 20مرة هذا الشيء متعب ولكنه لا يستوعب!؟ انا تعبت منه، وهو يزعج إخوته ويعمل مشاكل ويضربهم.
الذي يراه يقول عنه رايق وهادي لكنه يغار من أخيه، وهو فعلا رايق لولا ذلك.
كيف بدي عدل من أسلوبي وأسلوبه بالتعامل؟!
ويتقصد أن ينعت أخاه بعبارات لا يحبها، مثل أنت سمين أو أناني…
أنا تعبت كثيراً، وحماتي تلقي اللوم علي وتقول أني مدلعة الأولاد. وبالذات التاني.
علاقتي مع حماتي طيبه الحمدلله، نسكن معاً، وهي تساعدني في تربيتهم
3- وأصبح أولادي كلهم يتبولون على أنفسهم ليلاً.
ساعديني ساعدك الله
والجواب
واضح جداً أن أولادك يعانون نفسياً من الغربة، ومن البعد عما ألفوه في بلدهم في سوريا، ومن غياب والدهم عنهم، ومن بعضهم بعضاً… ومن أشياء كثيرة، ولا شيء يزيل هذا سوى التوافق العائلي والتفاهم والتقارب بينكم جميعا، ويجب أن تهدئي وتتركي الضرب، وتبحثي عن حلول أخرى.
أنا ضد الضرب أصلاً، وهاقد جربِته حضرتك مع أولادك، ولم يُفد شيئاً، والحقيقة أنه وسيلة تربوية فاشلة جداً ، فلا يجوز استعمالها إلا في الضرورات القصوى، والتفاهم والودة أفضل وأجدى بين الأمهات والأبناء.
1-رائع أن يكون لك سلطة على أبنائك، ويجب أن يبقى هذا قائماً مهما كبروا، ولكن السلطة تتحق بالكلام والتفاهم.
وإن ابنك الكبير بدأ ينتقل لمرحلة الرجولة، وعليك تقدير ذلك، وربما هو يعاني ويتألم، وبدل أن تضربيه ارفعي معنوياته وساعديه ليكون متوازنا وسندا لك، فامدحي فيه ذكاءه وسرعة حفظه… ومادام يأتي بالمسايرة لاطفيه، وسايريه، ويبدو أن تكوينه وشخصيته مهيأة ليكون شيئاً، وإن احترامه لنفسه وكرهه لأن ينال أحد منه بكلمة وبعده عن المشكلات… كل هذا لصالحك، فلا تهيني كرامته بالضرب أو الكلام الجارح، وتجنبي لومه أمام الناس وأمام إخوته.
بل اجعليه رفيقاً لك، وخذيه دائماً على جنب واسهري معه واشكي له همومك مع إخوته، واطلبي مساعدته في أن يكف هو يده عنهم ويوافيك بأخبارهم لأنه أقرب لهم.
ولكن امنعيه من رفع صوته عليك، وافعلي هذا بكلامك وحزمك وإصرارك، وكلما رفع صوته قولي له: “اخفضه بحضرتي” هكذا قولي بهدوء وعزم وتصميم… وقولك صار هزلياً فهذا دليل قاطع على معاناة يحاول أن يخفيها عنك، فافهميه وكوني معه، وقدري مشاعره وأحزانه، وربما يفعل هذا ليعوض حزنه وألمه من شدتك معه.
وإن تصيده لأخطاء أخيه وشعوره بعدم الثقة أمام أقرانه، دليل على أنه مهتز في داخله، وعاجز عن تقدير ذاته، ولديه شعور بالنقص -رغم تفوقه- فساعديه ليعرف قدر نفسه، قولي له عن صفاته الحسنة ومواهبه، ليعلم أنها ظاهرة للناس وأنك تقدرينها. وهذا السبب الذي يجعله “يعدك ويخلف وعده”، فإن أحزانه تكبر عليه، وقلة ثقته بنفسه تجعله يرجع عن وعده.
فكلميه كلاماً جاداً مثل كلام الرجال! قولي له وعدتني أنك لن تفعل وهذا يعني لن تفعل، وإذا فعل ذكريه فوراً، وعاتبيه برقة، وبثقة بأنه نسي وأنه لن يكررها.
2- ويبدو أن ابنك الثاني يعاني المعاناة نفسها، فسلوكه وضربه لإخوته يدل على محاولاته تنفيس غضبه أو إثبات ذاته، وإذا نصحتك أنت بالتوقف عن الضرب فمن الأولى أن تمنعي أولادك عنه، بل يجب أن يتوقف فوراً عن هذا، فامنعيه بأي شكل، سواء حبسه في غرفة أو منع المصروف عنه أو أي شيء يؤلمه.
وأما السب فحاولي أن تنهي عنه وتحذري منه، فإن لم تتمكني فليكن كما بدأ ، وأقصد ذكريهم أنه بدأ لسب بشار والنظام، أي السب للناس السيئين جداً، فلا يجوز أن يسبوا بعضهم بعضاً بمثل سباب هذا المجرم، فهم أكرم من هذا. فإن لم يستجيبوا فأخري هذا الموضوع قليلاً.
وأما مستوى المدارس، فالشكوى لله، ولا تظني المدارس في البلاد العربية أفضل وأجدى، بل هي غير جيدة في كل مكان.
3-الغيرة قد تكون سببا لتلك المظاهر التي ترينها، ومثلها التبول، والغيرة عرض طبيعي بين الإخوة، ولكنه يزداد أحياناً حتى ليفقد الصبي ثقته بنفسه، ويجعله لا يكف عن مقارنة نفسه بإخوته، مما يتسبب بالضغائن بينهم.
والحل أن تبحثي عن الصفات الجيدة في كل طفل وتبرزيها وتمدحيها وترفعي منها وتنمي مواهب كل صبي لكي يشتغل بها عن إخوته.
والخلاصة، أنكم جميعاً بحاجة لدعم نفسي، وستحصلون عليه من بعضكم بعضاً، فحاولوا صنع جو عائلي دافئ، والحمد لله أن حماتك معك وعلاقتك بها جيدة فاستعيني بها وبخبرتها في الحياة، ولعل الأمور تتحسن.

Advertisements

أهمية فقه الموازنات والأولويات بإغاثة المنكوبين في الثورات

جاءتني هذه الرسالة:

في محاولة رمزية لاثبات أن الدنيا لسه بخير وأنه مازال هنالك أمل أن نكون على قلب رجل واحد أقترح على الجميع استخدام صورة موحدة على صفحاتهم “غزة”هذه البادرة على بساطتها وسهولتها وعدم كلفتها (اللهم الا ثوان معدودة) ستثبت لنا ولغيرنا أنه يمكن أن نتفق ولو على شيئ بسيط.  ولقد بدأت بنفسي وأرجو من الجميع أن يستعمل صورة كلنا غزة على صفحاتهم. والله الموفق

فكتبت له

الله يجزيك الخير، ولفتة طيبة منك؛ ولكني سأقول لك أمراً: رفيقاتي اللاتي تعرفت عليهم لما هاجرت من دمشق قبل ثلاثين سنة، كلهن فلسطينيات، وكنا دائماً معاً، وكنا مع قضيتهم نتبرع لهم ونروج لها، فالقضية الفلسطينية قضية كل مسلم.

ولكني فوجئت جداّ بسلوكهم لما بدأت الثورة السورية؛ وجدت عدم اهتمام ولا مبالاة، ورفضوا التبرع لنا بأي قرش، وقالوا: قضيتهم أهم!؟

فقلت لهن: صدقوتي الطريق إلى فلسطين لا بد أن يمر عن طريق دمشق، فلم يكترثوا، وقلن: “ياختي خلينا بحالنا، وسيبونا، وهمنا كبير”!؟

توجهت لرجالهم، فوجدت الفكرة نفسها!؟ ولاحول ولا قوة الا بالله.

ولكن ولأننا نعامل الناس حسب سلوكهم وإنما حسب مبادئنا وحسب ديننا، فإني كتبت هذا المقال، وفكرته “ليست عنصرية وإنما أولوية”

وهذا جوابي عن المسألة

فلسطين قضية كل مسلم، فهي أرض مباركة، واليهود الذين يحتلونها أعداء لله ولرسله وللمؤمنين جميعاً؛ فلا يمكن لأي مسلم نسيانها، ومن قديم ونحن نتبرع لها ونتكلم عنها، وانظروا كيف بادرت ماليزيا –قبل أيام- وأرسلت لهم على الفور قافلة تبرعات فيها طعام ودواء. وانتبهوا كيف يقوم الإعلاميون الأجانب عنها بتبيان حقائق ما يحدث وفضح جرائم اليهود والانتصار لها.

أما نحن –السوريين- فالعالم كله تخلى عنا، بين مشغول بهمه وبين متقاعس عن نصرتنا، وبين متآمر علينا. ولم يعد لنا إلا أنفسنا.
ورغم هذا، نحن مع كل المسلمين، في كل مكان على الأرض في مصر والصومال واليمن… وفي الصين ومانيمار… ولكن قضايا المسلمين أصبحت كثيرة جداً فوجب أن تخضع للأولويات والموازنات، ووضع سورية هو الأهم والأخطر، وهو يتمدد للدول المجاورة لبنان والعراق؛ فالعدو شيعي باطني وما زال يخدع الكثيرين ويرونه إسلامياً!؟
ولو أخذنا مصيبتنا ومصيبتهم، وعدونا وعدوهم فإنا وضعنا أكثر ما يحتاج للدعم والنصرة. وأضرب مثلاً بسيدة التقيتها كانت تجمع المال ل 7000 عائلة فلسطينية لأن دخلهم لم يعد يكفيهم، فهل فكروا بما يحدث في سوريا؟!

فقلت لنفسي ماذا لو قارنا معاناة هؤلاء أمام نصف مليون في سوريا يموتون موتاً حقيقياً لا مجازياً من الجوع، وآخرين بقوا بلا أطراف، ولا مأوى؟!

ولقد قالت لي سيدة فلسطينية أخرى كبيرة بالسن ومطلعة: “وضعكم أفظع! فرغم كل ما مررنا به خلال ستين عاماً فإننا لم نمت من الجوع، ولم نقابل هذا الجحود”
والحل
-أن نكون نحن -المسلمين- على قلب واحد ونتابع الأحداث ونتعاطف معها ونتبادل الخبرات، وصدقوني: “أن الطريق إلى فلسطين لا بد أن يمر عن طريق دمشق ومصيرنا واحد”، وهذا الكلام قلته وكتبته ونشرته من أول الثورة
-وأما الإنفاق والعمل فيكون مثل الزكاة؛ فيدفعها كل امرئ في بلده، فإن فاضت دفعها للأكثر حاجة، فالأقل، وهكذا يغتني المسلمون، ويجدون ما يدفعون به بأس محاور الشر… ومع حرب الإبادة هذه والهجمة الشرسة فإنه لو قام كل مسلم بأهله وقرابته وبلده، ثم الدول المجاورة… لتخلصنا من عدونا المشترك: أمريكا وإيران وإسرائيل.
وأهل كل بلد أدرى بعدوهم وأدرى بأهلهم وسبل نصرتهم، وهو يتوافق مع الحديث الصحيح: ” أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال يومًا لأصحابِه تصدَّقوا فقال رجلٌ يا رسولَ اللهِ ! عندي دينارٌ قال أنفِقْه على نفسِك قال إنَّ عندي آخرَ قال أنفِقْه على زوجتِك قال إنَّ عندي آخرَ قال أنفِقْه على ولدِك قال إنَّ عندي آخرَ قال أنفِقْه على خادمِك قال عندي آخرُقال أنت أبصَرُ به”
وأما الذين عافاهم الله من البلاء، فأدعو لهم بتمام السلامة، وأقول: مشكلة المسلمين أنهم ينسون! أو يميلون كل الميل وهنا الخطأ الكبير، فأمس كانوا كلهم مع المصريين ثم أصبحوا مع السوريين واليوم مع الغزاويين!؟ ولا ينبغي أن ننسى شعباً إذا وصل البلاء لآخر؛ فهذا من أساليب الطغاة يوجهون الإعلام لمكان ليذبحوا غيرهم -خفية- في مكان آخر
فيأ أيها المحسنون تذكروا كل المسلمين، واهتموا بأشدهم ضرراً، وتذكروا قول المصطفى: “ومَن كان معه فضلُ ظَهرٍ فلْيعُدْ به على مَن لا ظهرَ له ومَن كان معه فضلُ زادٍ فلْيعُدْ به على مَن لازادَ له (فذكَر مِن أصنافِ المالِ ما ذكَر حتَّى رأَيْنا أنْ لا حقَّ لأحدٍ منَّا في فضلٍ)”
مع كل الشكر والتقدير والامتنان للشعوب التي تهتم بأمور المسلمين وتفك الكرب
ونسأل الله أن يدفع البلاء ويكشف العذاب
“عابدة المؤيد العظم”

واقع مشرق ومبشر

هل سمعتم عن قوم حوصروا شهورا طويلة وجاعوا وأصيبوا في أموالهم وأنفسهم وأهليهم
وعن أفراد سجنوا وعذبوا سنين عدداً
فلما خرج هؤلاء وهؤلاء، كان أول ما فعلوه: تحرفوا لقتال أو تحيزوا إلى فئة!؟
لله درهم، وطوبى لهم؛ هؤلاء الكرار، عرفناهم في سوريا من أول الثورة، وعرفنا منهم اليوم “الأبطال الذين خرجوا من حمص”
عرفناهم رجالا لم يفروا ولم يستسلموا، وصمدوا دهراً أمام الأسلحة المتطورة، حتى جاؤوهم مهادنين!
لم يقدروا عليهم رغم استعانتهم بالروس وإيران والعالم كله وبعض الخونة من السوريين أنفسهم، جمعوا لهم الحشود ولم ينالوا منهم إلا بمساومتهم!
وحين خرجوا: خرجوا على عين النظام وبحافلاته، وخرجوا بعد أن أجهدوه لأيام طويلة وكبدوه خسائر كبيرة، ثم حرموه فرحة الثأر لذة الانتقام منهم، وجعلوه حريصا على أمنهم وسلامتهم!
إنها إنجازات عظيمة في ظل الظروف القاسية التي تعيشها سوريا، وهكذا يقاس النصر وتقدر الهزيمة، تقدر بقدرها وبقوة العدو وعدده وعدته.
صُمودهم يبث على التفاؤل ويذهب بالتشاؤم (الذي اعترى بعض الناس)، وسلوكهم يُشعر العالم بأن الثورة ماضية رغم الخسائر، وأن النصر يتماشى مع الهزيمة، وإذا كان هنا -في حمص- انحسار فهناك في حلب (وفي غيرها) اكتساح
أيها الناس
لقد استبسل المجاهدون حين تقاعس العالم عن نصرتهم، وما حدث أمر الله، وسقوط حمص قدره، وإنه يعلم ولا نعلم، ولكن تذكروا أن “في الشر خير”، وأنه -ذات يوم- سوف يتحقق وعده تعالى “العاقبة للمتقين”، وخلال ذلك لا تنسوا أننا في دار شقاء وبلاء؛ ولذا كان هذا حال المؤمنين (في خفض ورفع) منذ نزل هذا الدين
عابدة المؤيد العظم

قصة من قصص الثورة

بدأت الثورة السورية المباركة فهرب الشاب من العسكرية، وبعد مدة قصيرة أصدرت الحكومة عفواً عن الهاربين، وتعهدت لمن سَلَّم نفسه النجاة والأمان من البلاء المبين.
لم يثق الشاب بهم؛ ومن يثق بأمثالهم من المجرمين الخائنين؟! فإنهم لا ذمة لهم وينقضون عهدهم في كل مرة
وتريث الشاب مدة، فوجدهم يعفون عن أمثاله حقاً، وخرج من بين أيديهم بضع فتيان ممن يعرفهم تماما، فقال له أبوه: “الآن حصحص الحق، سلم نفسك يابني، وسيخلون سبيلك، ونَسْلم نحن من المساءلة، وإن لم تفعل واكتشفوك تسبب هذا في اعتقالي وإخوتك وتعرضنا لتعذيب شديد”
ذهب الشاب إلى الفرع، وجلس أهله ينتظرون عودته، وطال انتظارهم، وبانت خدعة النظام، ومرت أيام وأيام، وهم لا يسمعون عنه أي كلام
والده كاد يجن لأنه سلم ابنه بيده وكان السبب في بلائه المبين، وأمه لم تعد تعرف لذة المنام والطعام وابنها كان في أمان وهم من زينوا له الاستسلام… ومر شهران من الهم والقلق والترقب والاستطلاع، ولا يجدون من يعرف عنه وضعه أو مكانه … وقبل أيام قليلة جاءهم نبأ استشهاده تحت التعذيب، وتسلموا جثة يتساءل من يراها كيف استحمل صاحبها كل هذا…
هذه واحدة من قصص مريعة والفرق أني أعرف تفاصيلها وأصحابها
رحماك ربي، ونسألك اللهم أن تكشف عنا هذه الغمة، ولا تسلمنا لمن لا يخافك فينا ولا يرحمنا

لا تحكوا بالسياسة

لو اجتمع الأهل والأحباب يتسامرون فبأي حديث يتكلمون؟

يبدؤون بالصحة والطقس والعمل… ثم علام سينتهون؟

سيصلون للحديث عن أنفسهم وأهلهم والقضايا المهمة المشتركة بينهم، أليس كذلك؟

والحديث الغالب ما يحدث في مصر وسوريا وغيرهما والواقع اليومي المعاش؛ من الغلاء والمعاناة، وصعوبة الحركة وسوء المعاملة، والضغط النفسي… إلى القتل والتشريد والتعذيب، وما منا إلا وأصابه بلاء منه في أهله وقرابته، فإذا فتحنا الموضوع بشكل طبيعي (لأنه مصابنا وحياتنا وآمالنا وآلامنا وأهلنا)، وجئنا لنصف الوضع قالوا لنا: “لا تحكوا بالسياسة”!؟

وفي إحدى المناسبات طلبت مني الحاضرات كلمة صغيرة، فأمسكت المايكرفون وبدأت أقول: “إن المسلمين محاصرون في الأرض في سوريا وفي كل مكان، ويجب علينا ألا ننساهم وأن نشعر بآلامهم مهما كان حالنا”، وإذا بصوت فيروز يصدح في الصالة، وتأتيني المسؤولة مهرولة تحذرني من الكلام في السياسة!؟ قلت لها بجرأة وقوة: “وأي سياسة؟! هذا الإسلام!؟ وإن التكافل وإغاثة الملهوف شرع الله؛ وإني –وللأسف- لا أذم طاغية، ولا أعُرّض بقانون، ولا أجمع المال، ولا أدعو إلى الجهاد، ولا أحرض ضد الحكام، فقط أَذْكر المعذبين في الأرض بكلمات!؟ وأُذكر الناس بشعوب مكلومة مظلومة لكي يعلموا بمعاناة إخوانهم، فيفعلوا أقل شيء وهو الدعاء“، قالت بكل صرامة (وهي سورية): “ممنوع! وهذه الأوامر”.

ولا تظنوا أني سأتكلم في مقالي هذا عن السياسة! فإني لا أحبها، ولن أخوض فيها، وإنما سأتكلم عن الناحية الاجتماعية التي سموها سياسة، والتي جعلوها سياسة، وقالوا لنا: “إياكم والخوض فيها”، فصدقناهم؛ فظلمونا وجاسوا خلال الديار، واستباحوا حرماتنا.

وإن الأصل أننا في عصر التخصصات، وكل قوم توجهوا لعلم من العلوم وتعمقوا فيه، وبعض العلوم يرتبط بعضها ببعض، ولكن الأمر الذي يستحق وقفة أن علم السياسة -في عرفهم- يرتبط بكل شيء: الدين والجغرافية والتاريخ والاقتصاد… ويرتبط بعلم الأجناس البشرية وعلم النفس وعلم الاجتماع. وكل هذا ليس من أجل صلاح الفرد، وخير الأمة، وإنما من أجل تجهيل الشعوب وجعلهم كالقطيع، فنرى الحكومات تستعين بهذه العلوم لتتعلم كيف تشكل قناعات الناس، وتريهم الأبيض أسود، وتجعلهم يصدقونها!

وإن السياسة بالتعريف العلمي: “علم يهتم برعاية شؤون الدولة داخلياً وخارجياً وتقوم به الدولة، وهو من اختصاصها، ولكن المفروض أن تحاسب الأمة الدولة حين تخطئ، وأن تكون على متابعة ودراية بالمستجدات”.

ولكن السياسة على أرض الواقع غير ذلك الوصف الجميل؛ فالسياسة تتدخل في كل شيء، وسواها من العلوم مقصور ومحصور، ويخالف قولهم فعلهم؛ فيقولون لنا لا دخل للدين بالسياسة، ثم يُدخلون السياسة في الدين وفي الفتوى! ولكل حاكم عالم سلطة يسيس له الفتوى. ولم يسلم الدين من التحجيم وتم اختزاله في العبادات وحفظ القرآن، وابتعد عن المعاملات.

وجعلت السياسة الاعتراض على الطغاة ممنوعاً، والاستبداد مطلوب، وجعلت عقيدة الحاكم  الفاسدة شريعة الدولة وقانونها، وأجبرت الناس على ذلك، وإنا لما تركنا السياسة وقلنا نعيش حياتنا وما لنا وللحاكم، وضعت لنا الدول الاستعمارية ومحاور الشر “أعتى الطغاة” فاستبدوا بنا، وتبين -بعد التجربة- أنهم كاذبون والسياسة تتدخل في كل شيء:

فالسياسة من يحاصر المفكرين ويضيق على المتعلمين الواعين، وهي من يرميهم في السجون ويعذبهم العذاب الأليم أو ينفيهم من الأرض ويتسبب بهجرة العقول.

والسياسة من يُغلي الأسعار، وينشر البطالة ومن يفقر الشعوب ويجعلهم طبقتين.

والسياسة من بعث الطائفية، ومن أدخل الشيعة ومكن لهم في البلاد.

والسياسة من رفع الأذلة ووضع الأخيار، وسهل الرذيلة وزينها للجيل، وهي من دحر الأخلاق وسحقها، ونشر الفساد والأمراض الاجتماعية من الغش والرشوة والخوف والخنوع…

والسياسة من جرت المصائب والويلات للشعوب الآمنة؛ ومن أسقطت الدولة العثمانية، وتسببت بالحروب العالمية، فقتلت المدنيين، الذين لم يفعلوا أي شيء يضر أو يفسد أو يهدد وجود الدول الكبرى.

والسياسة من جعلهم يحرصون على أمن الدولة ولا يبالون بأمن الأمة؛ فيُسرق مال الأفراد في وضح النهار ويُعتدى على أملاكهم ومتاعهم، ويَظلم بعضهم بعضاً… ولا ينتصر للمظلوم حاكم أو قاض أو شرطي!؟ وإذا دفع المعتدي رشوة أو استمال رجل دولة ذهب الحق إلى غير رجعة. وأما إن جاء بلاغ كاذب واتهموا رجلاً بريئاً (لثأر أو حسد) قضى في معتقلاتهم سنين عدداً.

وقالوا للأمة (وهي القوة العظمى): “السياسة بعيدة عن الحياة اليومية، ويمكنكم الحياة بشرف وأمان دون التكلم عنها أو التعرض لها”، هكذا قالوا، فتركنا الدولة للحاكم فأفسد القضاء، وحطم الاقتصاد… وإن السياسة لم تقتصر على الحكم وسياسة أمور الدولة، وأصبح ما يسمونه سياسة يمس الحياة اليومية للأفراد، ويقيدهم في طعامهم وشرابهم وسكنهم وفي قوتهم وفي أعمالهم فإن لم يشارك الإنسان رجلاً مسؤولاً لا يستطيع أن يتاجر وأن ينجح في عمله وإن لم يكن حزبياً لا يجد وظيفة، وإن لم يكن علوياً قد لا ينجح بالبكالوريا، وإن لم يكن مؤيداً لا يجد لنفسه مقعداً بالجامعة…

وبقينا نردد قولهم: “سياسة ولا علاقة لنا بها” رغم وصول الأمر لأمننا وأماننا وأملاكنا وأرزاقنا، وتغيرت بلدنا وأصبح الفساد العام في المؤسسات، والفساد الأخلاقي في الطرقات، حتى وصل الأمر للقتل والحصار والتجويع ومنع الإغاثة، وما زالوا يقولون: “لا تحكوا بالسياسة”!والمشكلة الكبرى أن الناس يدركون ما يضر مصالحهم الخاصة بسرعة، ولكنهم لا يدركون المصلحة الكبرى إلا بعد فشو الفساد وظهور شره، ولذا تهتم كل دولة في بداية حكمها بإرضاء الشعوب، فنرى بعض الفرجات… حتى إذا ثبتت أقدامها، وصنعت أتباعها، وكبلت خيار أهل المدينة ضربت ضربتها، فيصل بأسها لكل بيت ويتضرر أتباعها والمصفقين لها ولا ينتبهون أن رئيسهم يخذلهم، ويظنون أنها ظروف خارجية!؟

وأما الواعون فلا يملكون دفع بطشها وقد تمكنت وتأصلت.

لقد أصبحت السياسة حرباً أقوى وأشرس من الحروب العسكرية، وأصبحت تستعبد الشعوب وتسرق أموالها، وتغير تركيبتها وتبدل اتجاهاتها كيف تشاء، ولذلك أبعدوا الجيدين والوطنيين عن السياسة، وأقنعوهم بأن العمل السياسي مكر وخداع لا يليق بالشرفاء، ثم تخيروا لها شرار الناس.

استخفوا بنا فأطعناهم، فاستضعفونا وقتلونا وهددوا وجودنا، وهنا القضية.

وتفضلوا وانظروا ماذا فعل ابتعادنا عن السياسة: قطعوا بقولهم “لا تحكوا بالسياسة” الإغاثة وأكلوا أموالها في بطونهم، وقتلوا بها الإنسانية في قلوب الناس وقضوا على التكافل الاجتماعي، وتخيلوا أنهم أصبحوا يمنعون الرجل من إرسال النفقة لقرابته في الداخل؟! وأعرف رجلاً ذهب ليحول بعض المال لعمه وأمه وأخواته فقالوا له: أي إعانة يجب أن تكون عن طريق الحكومات! فقال لهم: هذه ليست إعانة هذا مصروف يومي لأهلي الذين أصبحوا عاطلين عن العمل، فمنعوه من تحويلها، وقالوا أي تحويل يجب أن يكون بعلمهم وعن طريقهم، ثم يجمدون المال في مصارفهم، أو يسرقونه أو يعطونه لمن شاؤوا من غير الذين جُمع لأجلهم.

والخلاصة:

إن مصالح كل فرد تتأثر بسياسة بلده وتوجهات حاكمها، ويتأثر رزقه ويتهدد أمنه ويفقد هويته.

وافصلوا لي السياسة عن الإنسانية، أو السياسة عن الاقتصاد، أو السياسة عن النهضة الفكرية والعلمية والحضارية… ثم قولوا: “لا تحكوا بالسياسة”.

مجازركم لن توقف ثورتنا

قال: “سيدي بقي معي برميل واحد، فأين ألقيه؟” أجابه: “في أكثر الأماكن اكتظاظاً بالمدنيين”… قصة تناقلتها المواقع وأظنها صادقة وتتوافق مع وحشية النظام الذي يقتل الشعب عن سابق عمد وتصميم، ويجهز له المجازر كل يوم، ويبتدع فيها ويتفنن وكل يوم هو في شأن؛ فيوماً يقتل ذبحاً بالسكاكين ويوماً بالكيماوي، ويوماً بالحرق كما فعل قبل عام في المليحة. كان يوماً مأساوياً لن ينساه الناس، انتظر -فيه- الطيران تجمع المواطنين للحصول على المازوت، فلما وصل عددهم إلى المئات قصف المحطة بقذيفة فأشعل النار في النار، فاحترق الواقفون في الصف وتحولوا إلى أشلاء متفحمة، وكانت المجزرة الأشد عنفاً، وغصت المستشفيات بالمصابين… مجزرة محزنة ومروعة استشهد فيها سبعون فيهم نساء وأطفال. وما أوقح النظام حين يدعي ملاحقة الإرهابيين ومحاربة الضالين، ويصور للعالم أنه المغلوب على أمره وأن جنده هم المحقون. ثم يقتل المدنيين الآمنين ويخرب ديارهم وأموالهم. لقد حكمنا النظام أربعين سنة أو يزيدون فهل احترم مقدساتنا؟ أما دنس مساجدنا وحاصر من يصلي فيها؟ ومنع الدروس وحلقات العلم؟ أما حاول زعزعة الدين في ديارنا؟ أما دنس وآذى علماءنا؟ وسرق دورنا وأموالنا بأيدي أتباعه… فصبرنا عليهم وهم لصوص ومخربون ومدعون كاذبون، فجاؤوا للعالم يبكون ويشكون وهم الذين لم يتركوا لأهل سوريا مدينة يستقلون بها بعيداً عن قهرهم واستبداهم. يا ويحهم نصبوا مناراً من دم، وأوقعوا العداوة والبغضاء بين الناس، ولن تتوقف مجازرهم لأنهم مجرمون مستبدون، ولكننا سنوقفها بأيدينا حين نردي النظام ونتخلص منه، وإنا على هذا الطريق ماضون وأقسمنا بالله أن يفنى الأسد وأن نسترجع البلد. كثرت المجازر، ولكن لن تستطيع دول الأرض كلها أن تبيد الشعب السوري أو تذله، ولا تخافوا أن يبيدوا أرضه وأمواله فسوريا كبيرة وخيراتها كثيرة ولا يدمرها إلا أمر الله وقدره. ولقد كان الناس يظنون أن استخبارات النظام من أقوى الاستخبارات، وإنها تعرف حركاتنا وسكاتنا، حتى لقد ظن ناس منا أنها تعلم السر وأخفى وأنها تسمع النجوى. فها هي ذي فوجئت بالثورة المباركة، ولم تستطع استخباراتها أن تُحسَّ بها أو تقضي عليها، وهي تتمدد كل يوم وتحرز نصراً. فلا تجزعوا ولا تخافوا وإن بغوا وقتلوا نحن إلى خير ما في ذلك شك، ولا تيأسوا إن لم تروا بوادر النصر بين أيديكم، ولا تحزنوا إن رأيتم العالم قد تآمر علينا؛ فقد نيمونا أربعين عاماً فنمنا… ولكننا فتحنا أعيننا وعرفنا ظواهرهم وخفاياهم وتيقنا أننا نستطيع أن نقف أمامهم، وقد لا نملك ما يملكون من الأسلحة والعتاد ولكننا أكثر عدداً وأقوى إيماناً وعندنا وعد من الله بالنصر. وإن كنتم في شك من هذا فتعالوا انظروا كيف صمدت الثورة ثلاثة أعوام، وها هم أبناء سوريا قد هجروا أهلهم ولبسوا لأمتهم وحملوا السلاح وهبوا للثأر من سنين طوال قضيناها في الصبر والانتظار. ولن ندعهم وحدهم يُوَاجهون بالقصف والدبابات والمدافع والرصاص والغاز الخانق وهاتيك الأهوال والمصائب، ولن نراهم في الأخبار المصورة ونسمع عنهم في الإذاعات، ولن نُعجب بالجيش الحر ونُصفق له. بل سنكون كلنا هناك معهم في ساحات القتال بأنفسنا أو بأموالنا أو بأقلامنا. لقد بدأت الأمور ترجع إلى نصابها، وانزاحت الغشاوة فرأى الناس الحقائق على طبيعتها، وما أزاحها إلا الثورات، أعنى شبابها وأبطالها وقادتها وشرفاءها، وافتضحت الطائفة العلوية وبانت حقيقتها وصغر المجتمع الدولي في عيوننا جميعاً وزاد صغاراً، وصارت تصريحاتهم هزأة ولم يعد يصدقها إلا القليل من المساكين، حتى دعايتهم وإعلامهم أصبحت موضع شك وتردد. نحن في ثورة عالمية عظيمة كشفت عن القضية التي أخفوها لسنوات “الهلال الشيعي”، وأظهرت حقيقة النظام الحاكم وفضحت جرائمه وعمالته وكفره وظلمه وعدوانه، وعرت العالم الغربي وفضحت مؤمراته وحرصه على مصالحه حين يريد إجبارنا على مفاوضات تشل أيدينا وتلغي وجودنا وتكرس تبعيتنا له، يدعونا إلى المفاوضات مع الفجرة القتلة، وأي سلام بيننا وبين من أهلك حرثنا ونسلنا. أيها المسلمون لقد كتب الله لهذه الثورة الاستمرار والقوة، وسخر لها خيرة الشباب والعقول المفكرة من داخل سوريا ومن خارجها، فانتظروا قليلا وإنا لمنتصرون، وإن جند الله هم الغالبون.

الوضع بسوريا ودمشق وريفها.. في أحدث تقرير

في سوريا تشعر بطعم الموت في كل لحظة وفي كل ثانية، الحياة والوفاة يترافقان فلا يدري المرء أيهما سيقابله في الطريق، وأيهما سيسبق إليه ويقترب منه ويستأثر به ولا ينجيك البقاء في بيتك، ولا تأمن من المشي في الشارع، ولا يحميك من الأذى المكوث في مكان تظنه آمناً، فالمناطق كلها سواء، والانفجارات لا تميز بين حي وآخر، وشظية صغيرة قادرة على الانتقال مسافات طويلة، ويمكنها قتل الرجل الكبير وهو جالس في داره. وفي بعض مناطق سوريا يموت الفرد فلا يستطيع أهله استخراج شهادة تثبت وفاته، ولا يحظى -أحياناً- بقبر يؤويه إلا زاوية في بستان أو في حديقة الدار، وقد لا يجد عيناً تبكيه، فجميع الناس في المحنة سواء والخطب كبير. في سوريا استوى الموت مع الحياة، وحين يستويان يتجرأ الناس على مجابهة الصعاب ويذوب خوفهم فتراهم يمارسون حياتهم الطبيعية! تسقط القذيفة في ساحة العباسيين إحدى الساحات الرئيسية في مدينة دمشق، فيموت بعض الناس ويصاب بعضهم الآخر، ويسحب الإسعاف المصابين… وبعد دقائق قليلة تعود الحياة لما كانت عليه.

دمشق تعيش في تناقض غريب، شوارع خالية ومدن خاوية في طرف وعلى طرف الأوستراد شوارع مزدحمة ومدن مسكونة فيها الرائح والغادي، وفي المدينة ذاتها أحياء مدمرة بالكامل وأحياء عامرة، حيٌ طبيعي يبيع الناس فيه ويشترون ويتنزهون، وفي الحي المجاور له يُحاصرون ويجُوعون ويُقتلون. أكثر الرجال باتوا بلا عمل ولا مورد، والأسعار في غلاء، حتى المنتجات المحلية أسعارها خيالية. وأصبح بعض الطعام من الكماليات، الكهرباء تنقطع 12 ساعة متواصلة، والغاز أصبح ذكرى جميلة، فصاروا يخترعون ويبدعون وسائل جديدة لتجاوز الأزمات وتأمين الضرورات، وعادت الحياة في سوريا إلى بساطتها القديمة، وابتعد الناس عن التفاخر بالمظاهر والماركات. الناس معكتفة في دورها لا تخرج إلا لضرورة ملحة، وأكثر ما يخرج الناس من أجله هو الدفن والعزاء، كل يوم يُودعون شهيداً أو أكثر. وبعد المغرب تفرغ أكثر الطرقات، واقتصرت أحاديث الناس عن المآسي والحرمان، فهذه بيتها تهدم وسُرق، وهذه دخلت قذيفة من شباك البيت فقطعت أصابع ابنتها الصغيرة وجربوا وَصْلَها في المشفى ولم تستعاد.. شوارع كثيرة أغلقت، والانتقال من حي إلى حي يستغرق ساعتين، والمشي أصبح أسرع وأسهل. الحواجز التي تملأ الشوارع، والقائمون عليها يختلفون؛ وفي المناطق الراقية يُعاملون المارة بشيء من الاحترام، وفي المناطق الشعبية يعاملونهم بكل ازدراء. وقد يقف المرء ساعة ونصف الساعة ليمر على حاجز واحد، ويضعون بين كل حارة وحارة لجان من الطائفة العلوية ومن الإيرانيين وحزب الله ويتسلحون بالسواطير.

في بعض الأحياء المستهدفة هَبّطوا بيوتا على أهلها وهم في داخلها بلا إنذار ولا تهديد مسبق وكأنه زلزال، فملأت رائحة الموت المكان، وانتشر الذعر، وسال الدم في الطرقات كما سال أيام المغول والتتار، وكان أهل الشام يستدلون على بيوت بعضهم بعضاً بأسماء الشوارع والدكانين، وباتوا اليوم يستدلون بأسماء الفروع الأمنية وأماكن التفجيرات. أتباع النظام يدقون على بعض البيوت الفارغة يوماً أو يومين فإن لم يجدوا أهلها فيها أسكنوها الشبيحة، بل أخرج النظام بعض أهل حي الميدان والزاهرة من بيوتهم قسراً وعلى حين غرة وأسكن فيها أعوانه، واستأجر بعض البيوت الفاخرة المشرفة على الفروع الأمنية غصباً عن أهلها. أصبح الناس يعيشون بالبركة وإذا خرجوا لا يدرون إن كانوا سيعودون سالمين، أصبح التخطيط خارج قدراتهم وطاقتهم، ولا يدرون ماذا يحدث بعد ساعة، فالخطف مألوف والفدية غالية. والاعتقالات والمداهمات لم تتوقف.
ثانياً- “ريف دمشق” في آخر تقرير وفي “قدسيا” هدموا المحلات التجارية الرئيسية في مدخل البلدة ودمروا بيوتها القريبة وشردوا سكانها، وما زال بعض الأهالي مصرين على البقاء في البلدة وعدم مغادرتها مهما ضاق بهم الحال. وفي “دوما” شرق دمشق دُمرت البنية التحية، وخلت بعض المناطق من الماء والكهرباء والاتصالات وهجرها الناس، ثم رجعوا للحياة هناك… وأين يذهبون وأكثر المدن محاصرة؟ والخروج من سوريا مكلف وصعب، وأحياناً يكون من المحال؟ فأكثر البلاد العربية والأجنية أقفلت أبوابها أمام الشعب السوري، وأكثر الذين خرجوا ذاقوا الويلات، فرجعوا، وبدأت الهجرة العكسية لسوريا رغم اشتداد الصراع. وأما في برزة على الطرف الشرقي من دمشق فالحواجز خطيرة للغاية والمرء معرض للموت الحقيقي إذا مر عليها، وأخطرها تلك الحواجز الطيارة التي تظهر فجأة في وجهك فلا تعرف هل هو حاجز رسمي للنظام فتقف له وتمتثل؟ أم هو من حواجز زبانيته وأعوانه المنتفعين فتفر منه فرارك من المجزوم؟! الحواجز الطيارة في برزة يقوم عليها فتية من منطقة “عش الورور” المجاورة، وهم من الذين يستغلون تدهور الوضع الأمني في العاصمة فيسطون فجأة على السيارات ويختطفون راكبيها ويطالبون أهلهم بفدية عالية، وسواء أدفعوها أم رفضوها، لا يعود المخطوف إلى ذويه في نصف الحالات، ويصبح في خبر كان.

رغم الظروف القاسية والمذابح والأهوال تَعّود الناس على الحال، وقد أثبت الإنسان أنه أقدر المخلوقات على التحمل والتأقلم مع الأوضاع، فترى الناس يدخلون ويخرجون ويعملون ويتزوجون وينتشرون في الشوارع والأسوق، ومنهم من يأخذ طريقه للأماكن المحاصرة رغم المخاطر والصعوبات. ويغتنم بعض الداعمين والناشطين الفرصة ويدخلون في معيتهم، وهؤلاء يأتون من كل مكان بسياراتهم، فإذا اقتربوا كيلاً من الأمكان المنكوبة صفوها ومشوا على أقدامهم لأن دخول الحافلات ممنوع.

444

مروة فتاة جريئة دخلت مع الداخلين إلى “مخيم اليرموك” حاملة بعض الطعام والشراب، وهمها تفقد الوضع والاطمئنان على الناس، دخلت فأذهلتها مناظر البؤس والشقاء وحكايا المآسي والآلام فتأخرت وهي تمسح الجراح وتتابع أخبار الجوعى والثكالى واليتامى… وانتصف النهار فانتبهت وأرادت الخروج فاستحال عليها ذلك وقد تسلق القناصة فوق الدور والبنايات. الخروج من الأماكن المحاصرة بعد اصطفاف القناصة هو أشبه شيء بمحاولة النجاة داخل قارب مطاطي مثقوب في بحر لجي من فوقه موج هائج، ولكن الفتاة كانت مضطرة إليه وموتها كان أهون عليها من البقاء، فأهلها لا يعلمون أي شيء عن نشاطها، ونار القناصة أخف على رأسها من سياطهم ولومهم! رحلة الخروج استغرقت ساعات في مسافة لا تتعدى ثلاثة كيلو مترات، وبدأت الفتاة رحلتها بصلاة ركعتين والشهادة والاستغفار، وكتابة وصيتها، وتزويد الشباب بياناتها ورقم أهلها… فكل خارج مهدد حقاً بالموت، ورصاص القناصة يصيب الذبابة الطائرة، والخروج يحتاج للحذر والتخطيط ولخبرة بعض الشباب الذين مضوا بها في طريق صنعه الجيش الحر بتكسير الحوائط بين الأبنية، فيمرون من بناء لبناء آخر، وبعض الأبنية متباعدة، فيضطرون للانبطاح على الأرض والتدحرج إلى الجهة الأخرى. مضت الفتاة خلف الشاب وهو يكرر نفس الكلمات كلما مر على مفترق طريق: “تشهدي فنحن في خطر محقق وتوقعي الموت”، يحذرها فتنحني وتزحف خلفه والرصاص يؤز أزاً، يمر من فوقها وعن يمينها وشمالها، ويخرق صوته سمعها، وتتابع المسير، ويسألها دليلها كل قليل: “هل ندمت فنرجع؟”، فتتابع إصرارها على متابعة المسير. مشوا ساعات، بين الحطام والهدم، وتحت الأصوات، والقناصة فوق البيوت يضربون والموتى يسقطون والمصابون يئنون… حتى قالت الفتاة: “كدت أصاب بانهيار، وليس من رأى كمن سمع، كانت مغامرة مخيفة بلغت فيها القلوب الحناجر”. وأضافت: “في تلك اللحظات يتقين الإنسان أنه لم يبق له إلا حقيقة واحدة، هي الموت، وصدق من قال: أصبح رغيف الخبز مقابل الحياة”. خرجت الفتاة بسلام. ولكنها كانت المرة الأخيرة، فالنظام أحكم الحصار على الغوطة الشرقية وجنوب العاصمة، وبنى سواتر ترابية لعزلها جيداً ومنع الدخول والخروج نهائياً، وحين تشتد الأوضاع يشفق المحسنون على المحاصرين فيشترون الحاجز بمليون ليرة لثلاث ساعات فقط، ثم يُدخلون الشاحنات المحملة بالإغاثة، وقالوا: “تدخل ولا يمكنها الخروج من بعد، فتحتاج كل شاحنة لسائق فدائي يرضى بالعلوق في الداخل مع المنكوبين”. المناطق المحاصرة في دمشق واسعة، وفيها أعداد كبيرة من الجائعين والمهددين بالموت، قَدَّرتها الفتاة عددهم بمئة ألف يزيدون أو ينقصون في المناطق الجنوبية وحدها (كمخيم اليرموك والحجر الأسود)، وفي الغوطة الشرقية ما يقارب هذا العدد وهي محاصرة بشكل محكم تماماً، والنظام يطبق عليها بشكل قوي.

هذه قصة مروة، أما عليا فكانت مضطرة للخروج إلى “الزبداني” غرب دمشق لإيصال المال، أخذت رفيقتها ومضت معها، الطريق إلى الزبداني بدا لهما طويلاً وشاقاً وممتلئاً برائحة الموت وصمت القبور، الشوارع فارغة، والمصايف مهجورة وشكلها مخيف ومرعب، قطعت مع رفيقتها أربعة عشر حاجزاً في طريق سفري خال من السيارات والحافلات، مظاهر الرهبة تحيط بالمكان، وعلى كل حاجز رجال غلاظ، لا يعصون النظام ما أمرهم، ويُتوقع منهم كل شيء. امتلأ قلبها بالخوف، ولكن أمورها تيسرت حتى وصلت إلى الحاجز الأخير، مد الضابط يده وطلب منها النزول، فتش كل شيء وفتح كل شيء، وفتش حقيبتها تفتيشاً دقيقاً، وغفل عن حقيبة رفيقتها الممتلئة بالمال والمرمية خلف المقعد بإهمال. وصلت الفتاتان إلى الزبداني بأمان، ولكن بدأ مع قدومها القصف العنيف، لا يمر يوم إلا وتقصف فيه البلدة والقصف كل يوم هو في شأن وكان يومها فظيعاً حارقاً، ولكنها أخذت قرارها بإنجاز مهمتها والعودة قبل المساء، وحين انتهت وضعت رجلها على دواسة البنزين وانطلقت بسرعة هائلة باتجاه الشام.

أما ياسر ورفاقه فقرروا الهروب إلى بيروت بعد اعتقال زميل لهم، فلما وصلوا إلى الحدود اعتقل النظام واحداً آخر منهم، سحبوه من بينهم فجأة فظن أنه الفراق ونظر إليهم مستجيراً مستنجداً، فتقدم أحد الرفاق وحاول استعطاف الضباط ورشوته بالمال والمجوهرات، فعموا وصموا عن قبولها وتعففوا عن قبضها، وكانت النزاهة غريبة على أمثالهم وعلى الوضع الذي تعود عليه الناس. واضطر الرفاق للمغادرة ولم يستطيعوا فعل أي شيء سوى النحيب والبكاء، فنظرات زميلهم المعتقل لم تغب عن بالهم أبداً بقية الطريق. وقطع الرفاق الحدود ودخلوا بلداً جديداً آمنا وما زالت رهبة الموت والقنص والاعتقال تطاردهم، فما يحدث في سوريا ليس بقليل وقصص المعاناة كثيرة، وإن للأمان طعماً رائعاً لا يعرفه إلا من حُرم منه