Category Archives: رفع لمعنويات الأمهات!

نفقدهم وهم أحياء

أعرف سيدة لا أعرف أشد طيبة وأكبر قلباً وأوسع حكمة منها، كانت أديبة إذا كتبت وذكية إذا سمعت، وفهيمة إذا تكلمت، وعميقة إذا رأت، وعادلة إذا حكمت، فلا تخدعها المظاهر ولا يلعب بعقلها صاحب البيان. عاصرتها زمناً، فكانت أختاً ورفيقة ومستشاراً ناصحاً وأميناً، أزورها إذا ضاقت بي السبل فأهدأ حين أسمع كلامها، وأستأنس بسلوكها… تعلمت منها أشياء لا أحصيها، فرقتنا الأيام سنين معدودة -كما تفرق كل اثنين اجتمعا في الله- فلما رجعت لأصل حبلي بحبلها وأسترجع رِفْقة قديمة، ووداً ووفاء وتقديراً كبيراً -ما زلت أحمله لها- وجدت شخصاً آخر أمامي، ليس فيه من تلك السيدة العزيزة سوى اسمها، ولم يتبق إلا بقية من تلك الصفات الجميلة التي كانت تميزها والتي عرفها الناس بها
قلبتها الأيام وغيرتها؛ فتبدل سرروي حزناً برؤيتها وقد فقدت صديقتي، وغابت وطوتها الأزمان، ولن تعود وأصبحت في حسبة الأموات بالنسبة لي… ولا أخفيكم أن الخوف ملكني حين تساءلت: “هل تغيرت أنا؟ وما الذي يراه من غاب عني؟!”

وامتدت بي الحياة لأرى الحضور مع الفراق، والوجود مع العدم!
1- فكم من شاب سافر إلى البلاد البعيدة ليدرس، وإذا به يستقر هناك ويتزوج ويعمل ويبدل لغته وعاداته ولا يعود أبداً، وتَحُول صعوبات الإقامة والفيزا بينه وبين أهله فلا يرونه في عقد الزمان مرة
2- ورأيت الأم يصيبها اللزهامير فما عادت أماً ورجعت فتاة صغيرة تحتاج عناية ورعاية، فينكرها أولادها ولا يعرف فضلها وعطفها أحفادها
3- ورأيت المريض الذي يشتد عليه ألم المرض وثقله فيذهل عن أهله فهو حي بينهم وغافل عن أخبارهم وعن تقديم يد العون إليهم، حتى ليتمنوا موته لشدة حبهم له! فما نفع الحياة إذا افرغت من المتعة وامتلأت بالعذاب؟!
……
ليس الموت وحده هادم اللذات ومفرق الجماعات، وإنما الفراق من سنن الحياة، فإما هو بالأرواح أو بالأجساد
فلا تبتئسوا أيها المفارَقون، ولا تظنوا أن الدراسة أو العمل أو الثورة أو أي أمر آخر هو السبب، إنها سنة ماضية جعلها الله في عباده لتتعارف الشعوب وتبادل الخبرات، وللتمهيد للفراق الكبير… رحمة من ربكم

Advertisements

“آثار التربية” تظهر فجأة!

كنت أحسب توجيهاتي لصغاري يذهب بعضها هدراً وتذروها العوامل الخارجية، حتى حدثتني رفيقتي ماذا صنع ابني في المدرسة! وكم فوجئت! وكانت أول مرة أعرف فيها شهامته؛ عاتبته لأنه لم يخبرني ولكني طرت به فخراً. وهاكم القصة:
نقلت ابني الثالث “سنان” لإحدى المدارس الابتدائية وهو في صف الرابع، كانت المدرسة جديدة وفيها من كل صف شعبة أو اثنتان، فوجد كبار التلاميذ (من صف الخامس والسادس) قد جعلوا أنفسهم أعزة، واتخذوا من صغارهم وضعفائهم (من بقية الصفوف) أذلة، واستولوا على منتجات المقصف وسدوا بابه على البقية، واستفردوا بالجلوس بالأماكن المظللة أثناء الفرصة، وصاروا يتسلون بصغار التلاميذ ويؤذونهم بقولهم أو فعلهم…
أكثر الطلاب تقبلوا هذا الوضع -لعجزهم عن مجاراة هؤلاء الأقوياء- وتعايشوا معه، ابني “سنان” لم يرق له الحال فاشتكى للأساتذة فلم يهتموا، كلم المنتفعين فسخروا منه وتوعدوه، فجمع حوله من آنس منهم رشداً من زملائه، وكون جمعية سماها “جمعية الدفاع عن حقوق المظلومين”! وتربص لأولئك المعتدين، وقام بحماية الضعفاء والمساكين، وصار يرتب الطلاب في صف منظم أمام المقصف ويمنع التعدي ومجاوزة الدور، ومنع كبار الطلاب من ضرب صغارهم وإفساد متاعهم، كما كانوا يفعلون… ولم يستسلم أولئك الأقوياء شاغبوا وشجبوا، فما استطاعوا ثنيه عن عمله، وهو على الحق وهم على الباطل، وقد أصبح جمعه أكبر من جمعهم، فتركوا ما كانوا عليه، وأصبحت المدرسة مثالا في التعاون بين الطلاب، والانضباط!
وتنبه الأساتذة لجهود ابني فاشتهر بينهم بالشهامة والأخلاق بدل التفوق والنجاح، وأصبحوا يعاملونه باحترام فائق وتقدير كبير
أيها المربون
اعملوا! واعلموا أن نتائج التربية تظهر ولو بعد حين، وقد تظهر في مواطن لا نراها، ولكننا سنشعر بآثارها في وقت قريب، وإن التربية الصالحة أثرها كبير وجميل، ويمتد لصالح وخير الآخرين، ويجلب لكم السعادة والرضا، والشكر لرب العالمين
عابدة المؤيد العظم