Category Archives: خواطر سريعة

ما الذي ينفع الميت؟

يجهد الناس بالحج الصيام… لإيصال الثواب للميت؛ يرهقون أنفسهم وإن أكثر ما ينفع الميت “الدعاء”؛ وهو أسهل وأقرب شيء، لأن ميتهم في عقلهم وقلبهم، فإذا ذكروه ترحموا عليه؛ فالدعاء يكون في كل وقت وعلى كل حال، ولا يحتاج لوضوء أو طقوس… ولكن الناس تزهد به، وتبحث عن غيره!؟
– والدعاء أصح ما ورد، ويكون بالأدعية الطيبة الحسنة مثل الرّحمة والجنّة والعتق من النّار والاستغفار: “إنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ أَنَّى هَذَا فَيُقَالُ بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ (ابن ماجه 3660)”
– وتليه الصدقة: “عَنْ سَعْدِ ابْنِ عُبَادَةَ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ سَقْيُ الْمَاءِ (النسائي)”، وتكون الصدقة بالنقود أو الطعام أو الملابس وغير هذا من أنواع المال
كل هذا ينفع الميت، والدليل: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”
– وأيضا الحج عنه وكذلك العمرة، والأضحية
– أما قراءة القرآن فقد اختلفوا فيها، فقال النووي: المشهور من مذهب الشافعي أنه لا يصل. وقال ابن تيمية: “في هذه المسألة قولين (1) ينتفع به وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما (2) لا تصل إليه وهو المشهور في مذهب مالك. ثم رجح القول بوصولها (الفتاوى ج24 ص315، ص366)
ولكنه قال في موضع آخر “لم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعا، وصاموا وحجوا، أو قرؤوا القرآن، يهدون ثواب ذلك لموتاهم… فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريق السلف فإنه أفضل وأكمل (3/38)”
والذي نعتقده نحن أن ثواب قراءة القرآن لا يصل (وكنا في الشام نخالف قومنا في هذا الأمر، فلا يعجبهم رأينا!)

Advertisements

أصبحنا أرقاماً!؟

من وسائل التعذيب في السجون اختزال الناس في أرقام لمحو شخصياتهم وطمس قدراتهم ومواهبهم… فما بالنا نحن الأحرار نختزل أنفسنا ومن حولنا في أرقام؟!
أولادنا أرقام هي علاماتهم بالمدرسة
والخاطب والزوج أرقام هو معاشه
والمرأة أرقام هي قيمة شنتطها وحليها…
أيها الناس لا تنسوا أننا قلوب ومشاعر… وعقول وخبرات… وتضحية وعطاء… وهذا ما يحدد قيمتنا الحقيقية

الناس!

قرأت في تفسير القرطبي الذي كُتب منذ قرون:
أكثر ما يفسد العلاقات بين الناس
(1) الأنانية
(2) سوء الظن
وأحسب أنهما مازالا كذلك حتى اليوم!

**نفقدهم وهم أحياء

أعرف سيدة لا أعرف أشد طيبة وأكبر قلباً وأوسع حكمة منها، كانت أديبة إذا كتبت وذكية إذا سمعت، وفهيمة إذا تكلمت، وعميقة إذا رأت، وعادلة إذا حكمت، فلا تخدعها المظاهر ولا يلعب بعقلها صاحب البيان. عاصرتها زمناً، فكانت أختاً ورفيقة ومستشاراً ناصحاً وأميناً، أزورها إذا ضاقت بي السبل فأهدأ حين أسمع كلامها، وأستأنس بسلوكها… تعلمت منها أشياء لا أحصيها، فرقتنا الأيام سنين معدودة -كما تفرق كل اثنين اجتمعا في الله- فلما رجعت لأصل حبلي بحبلها وأسترجع رِفْقة قديمة، ووداً ووفاء وتقديراً كبيراً -ما زلت أحمله لها- وجدت شخصاً آخر أمامي، ليس فيه من تلك السيدة العزيزة سوى اسمها، ولم يتبق إلا بقية من تلك الصفات الجميلة التي كانت تميزها والتي عرفها الناس بها
قلبتها الأيام وغيرتها؛ فتبدل سرروي حزناً برؤيتها وقد فقدت صديقتي، وغابت وطوتها الأزمان، ولن تعود وأصبحت في حسبة الأموات بالنسبة لي… ولا أخفيكم أن الخوف ملكني حين تساءلت: “هل تغيرت أنا؟ وما الذي يراه من غاب عني؟!”

وامتدت بي الحياة لأرى الحضور مع الفراق، والوجود مع العدم!
1- فكم من شاب سافر إلى البلاد البعيدة ليدرس، وإذا به يستقر هناك ويتزوج ويعمل ويبدل لغته وعاداته ولا يعود أبداً، وتَحُول صعوبات الإقامة والفيزا بينه وبين أهله فلا يرونه في عقد الزمان مرة
2- ورأيت الأم يصيبها اللزهامير فما عادت أماً ورجعت فتاة صغيرة تحتاج عناية ورعاية، فينكرها أولادها ولا يعرف فضلها وعطفها أحفادها
3- ورأيت المريض الذي يشتد عليه ألم المرض وثقله فيذهل عن أهله فهو حي بينهم وغافل عن أخبارهم وعن تقديم يد العون إليهم، حتى ليتمنوا موته لشدة حبهم له! فما نفع الحياة إذا افرغت من المتعة وامتلأت بالعذاب؟!
……
ليس الموت وحده هادم اللذات ومفرق الجماعات، وإنما الفراق من سنن الحياة، فإما هو بالأرواح أو بالأجساد
فلا تبتئسوا أيها المفارَقون، ولا تظنوا أن الدراسة أو العمل أو الثورة أو أي أمر آخر هو السبب، إنها سنة ماضية جعلها الله في عباده لتتعارف الشعوب وتبادل الخبرات، وللتمهيد للفراق الكبير… رحمة من ربك

أول من لحق بخالتي “بنان الطنطاوي” من أهل بيتها

أظن أن أكثر القراء علموا بقصة خالتي التي قُتلت غدراً في مثل هذا اليوم قبل ثلاث وثلاثين سنة 17 آذار- 1981، في يوم لا أنساه.
وقصصت عليكم نبأ وفاتها في حديث مطول “خالتي التي بدلت حياتي”، واليوم أنا معكم في حديث آخر يتوافق معه بالحرقة والألم:
قبل وفاة خالتي بنان بثلاثة أشهر رزقهم الله أول حفيدة من بنتها فطارت بها سروراً، وكانت تحب الأطفال كثيراً، وأصبحت الوليدة مصدر بهجة للعائلة الصغيرة المغتربة في ألمانيا، مثلها كمثل عبد الله بن الزبير الذي كان أول مولود بالمدينة. وألقت خالتي على هذه البنية “هدى” محبة منها وصنعتها على عينها باهتمامها وعنايتها وحنوها وعاطفتها الجميلة. وتعلقت بها تعلقاً كبيراً.
وطار الخبر السعيد على صعوبة الاتصالات في تلك الأيام، وفرحنا في دمشق لفرحهم، وكيف لا نفرح و”هدى” أول حفيدة لجدي “علي الطنطاوي” ولجدتي “عائدة الخطيب” من طبقة الأحفاد، ومما زاد في سرورنا أن أم جدتي على قيد الحياة فأصبح في عائلتنا خمسة أجيال متتابعة كلهم حي يرزق وبصحة جيدة!
الفكرة أثارت جدي “علي الطنطاوي” وأسعدته حتى قال: “كلها أيام وتكبر هدى وتنادي حماتي (أي جَدّة والدتي): يا جدتي جدتك تريدك لأمر فتعالي يا جدتي وكلمي جدتك”!
وخشينا أن يصيب جدتنا الكبيرة أي مكروه –قبل أن تكبر هدى- وقد بلغت الثانية والتسعين، وصرنا ندعو لها بالصحة والبركة، ومرت ثلاثة شهور تقريباً، وإذا بالمفاجأة الكبرى التي ما كانت تخطر في بال أحد: اغتيال خالتي… في حين عاشت جدتنا الكبيرة ست سنوات بعدها حتى بلغت السابعة والتسعين وبقيت بصحة جيدة وعقل نشيط.
وكبرت الحفيدة هدى وأظهرت تفوقاً في مجالات مختلفة، أبرزها تفوقها في الثانوية العامة حتى غلبت الألمان في ديارهم، وأتقنت لغتهم وفاقتهم في التحصيل العلمي، ودخلت جامعة متميزة بهامبروغ من أرقى جامعات العالم لتدرس القانون.
زارتنا هدى في ديارنا عدة مرات وزرتُها في ألمانيا، فأحببتها وأحبتني، وربطت بيننا علاقة جميلة هي أشبه بعلاقة الخالة ببنت أختها، فكلمتني عن حياتها وطموحها وأخذتْ مني بعض المشورة، وعرفتُ منها طبيعة الحياة في الغرب وسمعت هي مني ذكريات قديمة جميلة –لم تشهدها- عن عائلتنا الطنطاوية.
اتصل الود بيني وبينها مدة جيدة ثم شغلها التحصيل الجامعي، وكانت عظيمة الطموح وينتظرها المستقبل الواعد -فيما يبدو- والحياة الغنية الناجحة، وفي يوم مهم من أيام الجامعة افتقدتها رفيقاتها، وهي التي لا تتخلف عن مسؤولية هامة، اتصلن بها فلم ترد وجئن لشقتها ولم تفتح الباب… أسلمت الروح وأصبحت “هدى” أول أهل بيت خالتي لحاقاً بها.
توفيت خالتي وهي في الثامنة والثلاثين، ولحقت بها حفيدتها وهي في السابعة والعشرين، أحبتها فأسرعت إليها، وسبحان الله كيف يقدر الأقدار، ويجمع الناس في الآخرة إذا فرقتهم الدنيا.
ومن عجائب القرن أن وصل خبر الوفاة إلى جدة قبل أن ينتشر بألمانيا؛ واتصلت والدتي بهم للمواساة والتعزيه فرأت صوت ابن أختها طبيعياً وعادياً فآثرت ألا تخبره، وإذا به يتصل بخالتي الأخرى، ويسألها: “لماذا اتصلت بنا خالتي بيان؟ هل حدث لديكم مكروه في جدة وأرادت أن تخبرني به بالتدريج لكيلا أقلق”! فلم تدري خالتي ماذا تقول له هي الأخرى، وأخفت الموضوع عنه، وأقفلت الخط، ولم تكن إلا دقائق حتى وصله الخبر…
رحلت حفيدة خالتي من سنوات 2007، فأثار رحيلها شجوني، وتتابع الرحيل، إنهم يرحلون واحداً وراء الآخر ويتركون لنا صوراً وذكريات وحنيناً كبيراً لأيام مباركة لمت شملنا وجمعت شتاتنا وأدفأت قلوبنا وسكنت أنفسنا… أيام جميلة حملتني رصيدا كبيرا وزادا ضخما ما زال ينير لي حياتي ويهبني الوقود والهمة لأتابع الصمود والمسير حتى يوقفني عنه اللحاق بهم يوما

الصغائر تفسد حياتنا

نستحقر الصغائر ونراها تافهة لا تستحق الضيق والانزعاج وهي أكثر ما يفسد الحياة ويذهب ببهجتها ! ولا ينجو من الحزن منها صغير ولا كبير، وإن الترفع التام عن الصغائر مستحيل وهراء!
توافه الحياة اليومية يتأثر منها الناضج والمثقف والحليم… وقرأت بالمختار: الصبر على التوافه الصغيرة أشد من الصبر على المصائب الكبيرة فكلنا نجيد الجلوس براحة على قمة الجبل ولكن القليل منا (كالفقير الهندي) يستحق الإعجاب لأنه يجيد الجلوس على الدبابيس الحادة الصغيرة
فلابأس ببعض الضيق والحزن والعتب… ولكن تذكروا أن المؤمن يصبر على أذى الناس ولا يغضب وليس بطعان ولا فاحش ولا يقاطع الناس

مادة العقيدة تفسد الفطرة!

ما من مولود إلا ويولد على الفطرة النقية وعلى الدين الحنيف بلا زيغ ولا انحراف، وتبقى فطرته بيضاء ناصعة حتى يشيخ وفي “إيمان العجائز” مثل قريب

واليوم يُخربون هذه الفطرة السليمة بأيدهم، ويسعون لإفسادها بتدريس الطلاب مادة “التوحيد والعقيدة” على طريقة علماء الكلام (أي: ما يجب لله تعالى من الصفات وما يستحيل، وهل له سمع وبصر ويد؟! وكيف استوى على العرش، وما يجوز عليه من الأفعال…)، حتى إذا اشتغل فكر الصبية وبدؤوا يسألون، قالوا لهم: الله ليس كمثله شيء وعليكم فهم صفاته بلا تشبيه ولا تعطيل ولا تأويل، فلماذا نقلقل ونقلق الصغار إذا كانت النتيجة واحدة (أن: التفكر في الذات الإلهية لا يجوز)؟!
ويفعلونه في زمن كثر فيه الإلحاد والمروق من الدين فيساهمون فيه!؟ وإن تدريس مادة العقيدة بهذه التفصيلات يفتح آفاق الصغار والكبار للشكوك والتساؤلات، وكان يكفيهم لو دَرَّسوا الطلاب أركان الإيمان وأركان الإسلام كما وردت في الحديث الشريف، وترك الناس على الفطرة السوية

أقول لكم هذا بعدما درست في الجامعة سبع مستويات من مادة العقيدة، وسبعة من مادة التوحيد، فوجدت فيها تعقيدات كثيرة، وتفصيلات خاصة، وبعضها ليس له ما يبرره، ومعرفته لا تفيد شيئا، وهو لخاصة الخاصة، فلا ينبغي أن يطلع عليها العامة، وأضرب مثلاً

هل لله يد أم أكثر وهل هما يمين أو شمال!؟ ولا يجوز بحق الله أن تكون له يد شمال فهل له أكثر من يد يمين… وأشياء كهذه لا يجوز بحثها ولا التفكير فيها، لأنها تذهب بالعقل بعيدا وإلى حيث لا يجوز التفكير فيه.
ولا ينبغي أن تُدرّس “العقيدة” سوى لبعض الخاصة من العلماء والدعاة، فهم الذين يحتاجونها في حياتهم وفي تعاملهم مع الناس، فهي ضرورة لهم في ثلاثة مواضع أو أـكثر:

(1) للدعوة والإرشاد في البيئات المثقفة والعلمية

(2) درء الشبهات عن هذا الدين ومناقشة أصحاب الديانات الأخرى

(3) للرد على الطوائف المنحرفة، ما اعتبروه بدعة من قبل بعض الطوائف

وعلى المربين الانتباه الشديد لهذا والمحافظة على سلامة عقيدة الصغار