ما هي صغائر الذنوب؟

سألتني هذا السؤال سيدة تخرجت من كلية الشريعة بدرجة ممتاز مع مرتبة الشرف، ومعها خبرة تدريس عشرين سنة لمادة “الديانة” في المدارس الخاصة!
وسؤالها في مكانه، وهو منطقي؛ فنحن نسرد الكبائر ونعرفها جميعنا، ونعرف أنها متفاوته بالأهمية فمنها أكبر الكبائر “الشرك بالله”، ثم منها الكبائر الكبيرة: “اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات”. وتوجد مجموعة من الكبائر تأتي بعدها بالمرتبة، مثل: “سوء الظن والنميمة والغمر واللمز…” وقد جمعها بعض العلماء، ومنهم الذهبي الذي أحصاها، ووصل عددها معه إلى مئة، ثم سردها في كتابه “الكبائر”.
والكبائر تُذكر كثيراً في تفسير القرآن وأثناء الوعظ وفي خطبة يوم الجمعة، فيُحذرون منها، ويذكرون حَدَّها، وعقابها الدنيوي والأخروي، حتى بات كل مسلم يعرفها.
ولكن إذا جئنا لنذكر الصغائر ونضرب لها الأمثلة لم نعرف ما هي! ولم نجدها في الكتب!
ولكننا نجد في المواقع والمطبوعات الفقهية تعريفها: “(الصغائر) ما عدا الكبائر، والتي ليس لها حد في الدنيا، ولا وعيد في الآخرة، ونقصد بالوعيد الغضب أو النار أو اللعنة”، وجاء أيضاً: “كل ما نهى عنه الشارع ولم يحدد له عقوبة هو صغيرة”.
وجاء أن الصغائر تُكفر باجتناب الكبائر، لقوله تعالى: “إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا (النساء:31)”، وتكفرها كذلك الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة، وصوم رمضان: “الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر”. ووردت أحاديث بأن بعض الطاعات تكفر الذنوب، كصوم يوم عرفة وعاشوراء والعمرة، والصغائر تُكفر وتمحى بأمثال هذه الطاعات، وإن الحسنات يذهبن بالسيئات.
وقال ابن القيم: “الكبيرة قد يقترن بها (من الحياء والخوف، والاستعظام لها) ما يلحقها بالصغائر. وقد يقترن بالصغيرة (من قلّة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف، والاستهانة بها) ما يلحقها بالكبائر. بل يجعلها في أعلى المراتب”. وروي عن ابن عباس أنه قال: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، وروي: “إياكم ومُحَقّرَاتِ الذنوبِ أي صغائر الذنوب… وإن مُحَقّرَاتِ الذنوبِ متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه”.
إذن الصغائر لو اجتمعت على المرء لأهلكته، ولو أصر عليها لأخرجته. فكان لزاماً أن نحددها ونضرب لها الأمثلة لكي يتجنبها الناس ويقلعوا عنها.
وأذكر هنا بعضها:
1- النظرة المقصودة (ولو بسرعة): سواء كانت لفتاة أجنبية، أو لورقة زميل في الامتحان، أو من شق الباب…
2- الإشارة الخفية: التي قد تجرح المشاعر، أو تشجع على منكر…
3- الكلمة: التي تحض على الإسراف، أو نبذ رأي الولي، والتي تدعو إلى الاهتمام بالسفاسف وتصرف عن المعالي، وتحبب البرامج الممجوجة للناشئة، والأغاني الخليعة…
4- السلوك: الذي يؤذي الآخرين، ويحد من حريتهم، أو يهين شيئاً من كرامتهم، أو يهضم حقاً بسيطاً من حقوقهم أو يستهين بممتلكاتهم…
وسوف أضرب الأمثلة المتنوعة:
من الصغائر دق الجرس على أبواب الآمنين بهدف إزعاجهم، والهروب خوفاً من المسؤولية. حك طلاء السيارات بآلة حادة مما يفسد شكلها ويعرضها للصدأ. حفر مقاعد المدرسة وتمزيق الكتب والدفاتر. التسكع في الطرقات بلا هدف سوى المباهاة وتضييع الأوقات مما يتسبب بزحم الأسواق والشوارع على المضطرين إليهما، والتعدي على الأولويات عند الإشارات المرورية، وأخذ دور الآخرين عند الالتفاف لليمين أو اليسار.
استعارة قلم أو كتاب أو أي أداة نافعة ثم تضييعيها، أو الاحتفاظ بها مدة، أو إعارتها لشخص ثالث دون إذن صاحبها، أو التفريط بها فتنكسر أو يُسكب عليها الماء أو يؤكل فوقها الطعام أو تتعرض للعبث والفساد… وقد لا يعيدها المستعير إلى صاحبها أبداً!
أو شحن الأجهزة المحمولة في مكان العمل لتوفير قيمة الكهرباء، أو الغياب عن العمل بلا عذر قاهر ثم تلفيق شهادة مرضية لكيلا يطير راتب اليوم، أو شراء أدوات للشركة وأخذ خصم عليها ثم إبراز فاتورة بسعرها الحقيقي، وقبض الفرق. استعمال هاتف العمل وسيارة العمل في أمور شخصية، حضور الولائم دون دعوة، شرب العصير وأكل الشيبس في السوبر ماركات وعدم دفع سعره…
هذا بعضها، والصغائر كثيرة جداً، وإذا كانت الكبائر مئة فإن الصغائر أضعافها، ونستنتج:
1- الصغائر جزء من الكبائر.
2- وأحياناً صورة مصغرة عنها.
3- أعمال ومقدمات قد تتطور إلى الكبائر ذاتها (فالذي ينظر لفتاة قد تتحول علاقته بها إلى سلام فكلام فموعد فلقاء)… ومن هنا خطورة الاستهانة بالصغائر.
وقولنا صغائر، لا يعني أنها حلال أو من المباحات، ولا يدل اسمها على التقليل من شأنها، فهي صغيرة أمام الكبيرة، ولكنها حرام في مقابلة الحلال، وهي ذنب وليست من المباحات فيعاقب المرء على فعلها، وينبغي على كل مسلم تركها، ولهذا ذكرتها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s