عواقب التلاعب بالقيم

أعرف زوجاً كان يجبر امرأته على بر والديه وتقبيل أيديهما كلما دخلت عليهما من الباب، ويطلب منها التفرغ لأهل بيته، والقيام على شؤونهم جميعاً، فأصبح أهله وإخوته وأخواته مسؤولية زوجته، يعتمدون عليها ويتقاعسون عن واجباتهم… وانصرف هو إلى عمله آمناً مطمئناً أنهم في يد أمينة. وإن حبه لوالديه أنساه أن لزوجته أماً وأباً وأرحاماً، فجلعها تعتزل الناس، وتتفرغ لعائلته هو.
وكان يطالبها بالمساهمة مع أمه بأعمالها المنزلية، فتعمل في بيتها وحدها دون عون أو مساعدة، ثم تذهب إليهم و كأنها خادمة لتساهم بالطبخ والكنس والجلي… ولا تجد جزاء ولا شكوراً، بل طالما عوتبت وزجرت على سلوكها. وكان يطلب منها تفقد أحوالهم على مدار اليوم وإعداد الولائم لهم والترحيب بهم في بيتها، والنوم في غرفتها وبيتهم على مسافة قريبة من بيتها… فلما رزقه الله بالذرية تابع مع أولاده على نفس الطريقة، فكان يجبرهم على البر والخدمة ولا يشفع لهم مرض أو شغل أو سفر أو امتحان…
ومرت الأيام وأصبح الزوج ينفق على أهله وهو في ضائقة، وهم في سعة! ويضطر للاعتذار عن طلبات زوجته الرورية وهو المسؤول عنها ولا مورد لها سواه… ويمنع المال عن أولاده ليحقق لأمه الرفاهية (وهي موظفة تتقاضى راتباً شهرياً)، وتجرأ والده فصار يقبض منه المال وهو قادر على العمل والتكسب!؟ ولكن الطمع يجعل الإنسان يتصرف على طبعه الأصلي فتظهر حقيقة ما يَدَّعيه من المروءة والنخوة.
وكان أهله من الذين يسيؤون لزوجه ويظلمونها وأولادها، ولكن الزوج لم يعر لهذا اهتماماً، وظن أن العلاقة بين زوجته وأمه كعلاقته هو بها، فالابن يتسامح ويغفر، ولكن هل تستطيع الزوجة هذا، وهي لم تتلق (مثلما تلقاه هو) من الحنان والاهتمام؟! وإنما تلقت النقد والتجريح وقلة الاكتراث.
والمصيبة أن أمه ملكته حتى أنسته حقوق الناس جميعاً، فكانت تحدثه وتوعز إليه ما تشاء من الظلم والهضم وتكيل الاتهامات، وتوغر صدره وتحدثه حديث القاضي والمحامي والجلاد، فتتهم وتحكم وتحدد العقوبات… وهو مصدقها ومكذب الناس جميعا. فيمشي وراءها ويحيد عن طريق الصواب. وهو يظن أنه رجل بار، وتقي عادل، وحصيف ومنصف وفهيم. وأن أمه مثله… وهيهات هيهات.
وهكذا فإن كلام أمه وأبيه نفره من حميه حتى نسي إحسانهم إليه، فصرف زوجته وبنيه عن بر أمها وأبيها وأهلها جميعاً، وهم أحوج الناس إليها، فكان يؤخرها عن زيارتهم، بحجة أنهم يبدلونها، ويوغرون صدرها عليه، ويضع لها العوائق، وإذا ذهبت اتهمها بأنها سمعت منهم فتغيرت!؟
وإذا جاء ذكر أهلها تكلم عنهم بسوء، وانتقص منهم وسخر من سلوكهم… ولم يكن ليأمر أولاده ببرهم أو تفقد حاجاتهم أو تقبيل أيدهم أو الاهتمام برضاهم كما يفعل مع والديه، فهم برأيه لا يستحقون.
وليته عاشرهم أو عرف حقيقتهم، فما كان يتبع إلا الظن، و كان يكيل بمكيالين. ولا يهتم للقيم والأخلاق، البعيدة عن التعصب والأهواء، وظن أنه يحسن عملاً، وأنه أنتج جيلاً باراً.
والخلاصة أن القيم -كانت برأيه- له ولوالديه فقط، والاحترام والتقدير لمن يستحقهما ومن يستحقهما برأيه هم أهله وأقاربه، ومن يعجبه من الناس.
ولم تمض سنوات حتى كبر هؤلاء الأولاد وأصبحوا رجالاً أشداء، ولأنهم رُبوا على القهر والخدمة تمردوا، ولأنهم ربوا على انفصام الشخصية (فهنا التحية والسلام وهناك اللؤم والإعراض) نبذوا البر والطاعة لكل الأطراف، وظهر منه التمرد والعصيان على القهر والإذلال، ورفضوا الاستمرار على هذا الحال.
دهش أبوهم! ووقف لهم بالمرصاد، وأظهر الصلف والكبرياء، والتجبر والإصرار، وظن أنهم سيرضخون فضربوه وانصرفوا عنه! وقالوا لم نعد أولادك الصغار لتفعل بنا ما تشاء، فصعق وانهار، وأصابه مرض عضال.
وإن هذه القصة حقيقية، وإن فيها عبرة كبيرة لأولي الألباب:
1- فسلوك هذا الأب لم يرب محبة ولا مودة بين الأرحام، بل جعلها علاقة قهرية، فانهارت عند أول امتحان.
2- ولم يكن أهله من الذين يبادلون الإحسان بالإحسان، مما عزز عند أولاده مشاعر النفور والإعراض، ولو أنهم كانوا -كما يكون الأجداد- أولي كرم وإغداق لاستطاعوا تربية العلاقات بينهم وبين الشباب.
3- وإن الزوج الكبير الناضج لا تتلاعب العواطف به! فلا يدفعه حب أهله لبرهم، ونفوره من أهل زوجته لعقهم!؟
4- والأرحام لا يناسبها المشاحنات والبغضاء، والظلم ظلمات وإن الله يأمر بالتقوى والعدل بين الأمهات والآباء، وهو فضل أهله على أهلها، وأمسكها عنده. ومن يعمل سوءاً يجز به، والمكر السيء يحقيق بأهله، وهذا ما حدث للزوج.
أيها الناس، أيها المسلمون… أيها الأزواج والزوجات
القيم لا تخضع للأهواء! وإذا جعلها الناس هكذا أصبحت هباء!
عابدة المؤيد العظم

Advertisements

One response to “عواقب التلاعب بالقيم

  1. اخت عابدة انا عندي استفسار أرجو ان يتسع له صدرك له: من الذي أوصل لك هذه القصة، وهذا سوال مهم جدا في الحقيقة كونك ذكرت ان القصة واقعي فلا بد لها من راوٍ خاصة ان القصة تحوي احداث وقعت مع أشخاص مختلفين، ففيها احداث دارت بين الزوج وزوجته كالأوامر التي كان يصدرها لها، واحداث بين الزوجة و حميها كتنظيفها بيتهم واتكالهم عليها بغياب الزوج، واحداث بين الزوج واهله كوسوسة الام لابنها لتوغر صدره على أهل زوجته.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s