Monthly Archives: ديسمبر 2013

هل أضرب ابني؟

السؤال كما وصلني

ابني اقترب من 5  سنوات ،، احيانا يكون في حالة جيدة ادب واخلاق وذوق وكلام جميل ، ومرات اخرى عندما نمنعه من شيء او يوبخه والده على عمل خاطئ بزعل ويعتزلنا او يمد يده علينا – يضربني ويضرب والده دون اكتراث – حتى اضطر زوجي ليضربه بقسوة

اشفق عليه ولكن لا اتدخل حتى يتادب، مع اني افضل ان نتركه حتى يعتذر عن خطئه ويعرف انه مخطئ

 الاهم لدي هل ضربه بقسوة في هذا العمر يجدي في تأديبه، حتى انه احياناً صار يهدده بالضرب فيرضخ لما نريد
أنا أغيب عنه كل يوم بضع ساعات بسبب العمل
والجواب

حين يكون ابنك لطيفا ومهذبا كوني معه رائعة، ولا تنسي أنك تغيبين عنه وأنه يحتاج حبك وحنانك واهتمامك وربما يكون سلوكه تعبيرا عن معاناته لفقدك
أما إذا أخطأ ووبخته وحزن وغاب في الغرفة الأخرى، فاتركيه مدة وانظري ماذا سيعمل بعدها، وإذا عاد فعامليه وكأن شيئا لم يكن، وإذا تأخر بالغرفة اذهبي إليه وقولي له: “أنت أخطأت… وأنا لمتك… والموضوع انتهى… وأنا رضيت وسامحت على أن لا تكررها مرة أخرى”.
وإذا أردت أن يعرف صغيرك حجم الخطأ الذي يقع فيه، فيمكنك تعمد الخطأ معه بأمر يماثل ما يخطئ به تجاهك، لكي يدرك حجم الخطأ ويبتعد عنه؛ فالصغار يجدون صعوبة في فهم الكبار أحياناً !
أما ضرب الصغير لك ولوالده فهذا شيء خطير ولا يمكن السكوت عنه أبداً.
وعلاج الخطأ ليس بالضرب… وبعد تجربتي بالتربية، وجدت الضرب علاجا خاطئا ويهدر كرامة الصغير ويجعله لا مباليا، وكثير من الصغار يفعل الذنب عن قصد ويقول: “فلقة وتمضي ولذة الممنوع أكبر من ألم الضرب”.

كما أن الضرب بيبني جدارا كبيرا بين المربي والصغير ويصعب التربية والتوجيه، ولذا نؤخر الضرب لآخر شيء، ونستعمل قبله أساليب أخرى للعقاب.
والحل للتخلص من ضربه لكما، في مسك يديه بقسوة وتجميدهما والنظر في وجهه وقول: لا. وإياك أن تضرب، لا أسمح بهذا السلوك أبداً.
قوليها بهدوء وصوت منخفض، وفيه كل القوة والإصرار والثقة.

وأما خوف ابنك من التهديد بالضرب، وانصياعه كلما ذكرته بالعقاب، فهذا ليس دليلا جيداً ولا صحياً، فمعناه أن الخوف هو الذي ألجمه عن الذنب وليس التأدب والتهذيب، وهو يدل أن الصغير مستعد لكل شيء لو انتفى العقاب، أو لو غبت عنه، وهذا سيء.
والتربية السليمة تجعل الطفل يبتعد عن الخطأ لثقته بحكمة أهله وتأكده من صواب رأيهما، ولمحبته لهم ومحبتهم له.

فربي الثقة بينك وبينك عن طريق الحب والاهتمام، ولعله يهتم بعدها لما يزعجك، ويمشي حسب إرشاداتك.

وفقك الله ورعاك

Advertisements

(11) خطيب بنتي كذب علينا

السؤال:

تم عقد بنتي منذ أسبوع واليوم قررت فسخ الخطبه، وأنا في حيرة، والسبب أننا اطمأننا لدينه وصلاته في الجامع وعدم تدخينه فرضينا به، ثم اكتشفنا أنه كذب في المعلومات التي قدمها عن نفسه، فقد قال أنه حاصل على شهادة دكتوراه وتبين أن معه الثانوية العامة فقط! وقال أنه يملك بيتاً وتبين أنه لا يملك سيارة، وضاعف لنا مقدار راتبه… وأمور أخرى متعددة.

بنتي تفرت منه، ومصرة على الفسخ، فهل أوافقها على قرارها فقط لأنه يكذب؟!

والجواب:

إن كان الأمر كما تقولين فإني أوافق بنتك على فسخ الخطبة.

 فالكذب داء كبير ولا علاج له، لما سئل الرسول عليه السلام عن المؤمن كيف يكون فقال: قد يكون بخيلا وقد يزني المؤمن… ولكنه لا يكذب، الكذب يدمر كل شيء فكيف ستثقين بأمانه؟ وكيف ستأخذين عليه العهد؟ وكيف ستأمنين على بنتك بين يديه، ليست لك مصلحة في هذا الزواج، خاصة إذا كانت بنتك لا تميل إليه.

لا تترددي في فسخ الخطبة، وإن عدم التدخين والصلاة بالمسجد لا تكفي وحدها لإقامة بيت سعيد وأسرة متماسكة

ما علاج “الوقاحة”؟

السؤال كما وردني

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نشكرك على نصائحك القيمة اريد استشارتك في ابني عمره 8سنوات اصبح وقحا ويجاوبني كثيرا وحتى يعلو صوته مع انني اتبع معه اللين ولكن مشكلتنا في المدارس فأنا في منطقة ريفية بعيدة والمدارس كلها حكومية ولايوجد توجيه ولاتربية ماذا افعل انا لااريد ان يفلت زمام الامور من يدي وزوجي سلبي لا يساعدني مع انني تحدثت معه كثيرا ولكن ليس له اي سلطة على الاولاد اي التوجيه والتربية على عاتقي و ابني والحمد لله يحفظ القران من 3 سنوات وحاولنا مع شيخه ان يلقي عليهم بعض النصائح ولكن اخبرنا انه لايستطيع بسبب القوانين هنا لانه اجنبي اتمنى ان تنصحيني مالحل؟

والجواب

الوقاحة شيء كبير ولا يمكن السكوت عليها أبدا، لأنها قد تصبح بذور العقوق لا سمح الله.

والوقاحة تدل على انعدام الثقة وعلى انعدام المحبة من طرف الصغير نحو أمه، وهو أمر طبيعي ويعرض لكثير من الأطفال في هذا العمر الصغير، ولهذا تكون الوقاحة الناتجة عنه طارئة، ويمكن معالجتها
وأول طرق المعالجة البحث عن الأسباب؛ وفي المدارس الحكومية وخاصة في الأرياف يكون بعض الأساتذة قساة ويتعاملون مع الطلاب بجلافة، ويتسرع بعض الأساتذة ويعاقبون التلاميذ بلا تحر ولا تأكد، فيُظلم الصغير ويصيبه الإحباط، ولعلهم يضربونه، فيشعر بالغبن والألم… ولا يستطيع الاعتراض أو المجابهة، فيأتيك إلى البيت حزينا يائساً فيتصرف بهذه الطريقة ليعوض ما فاته هناك من القهر.
فحاولي أنت تعويضه بالحب والاهتمام حين يأتي إلى البيت، واحرصي على معرفة ما يحدث معه في المدرسة بالتفاصيل المملة، لكي تتجاوزي الأخطاء.

أما حال زوجك فهو حال كل الأزواج هذه الأيام، والتربية بقيت على عاتق الأم وحدها، فأصبحت أخاطب الأمهات وأدع الآباء… بل أنت في خير وعافية، وقيامك بالتربية وحدك أفضل من أن تربي وغيرك يفسد؛ حتى أني صرت أتمنى أن تُترك تربية الصغار للأم وحدها -كما هو الأصل في الشرع- ويتنحى الأب لحين الحاجة، لأن بعض الآباء يخربون جهود الأمهات.

وأمر جيد أنك لجأت لشيخ، واعتذاره منك أمر غريب وحجته غير مقنعة… فلم يبق لك إلا الاعتماد على نفسك.

وأنصحك ألا تتعاملي باللين مع الوقاحة أبداً، بل كوني صارمة جداً في علاجها، فكرني هينة لينة مع الصغير ولطيفة وقريبة منه، حتى إذا تواقح انقلبي تماماً عليه وارفضيها بكل قسوة.

وقولي له: الابن لا يرفع صوته على صوت أمه أبداً، فإن فعل نبهيه بصوت منخفض وبلهجة حازمة (اللهجة الحازمة تكون: بكلمات قليلة وبطيئة مع الاتكاء على الحروف. وأيضاً: إعطاء المعنى حقه من خلال النظر الثابت الثاقب، ومع حركات اليد والوجه الصارمة المناسبة للموقف)، ولا تسمعي للصغير ولا تستجيبي له حتى يهدأ تماماً، ويغض من صوته.

وإن تطاول عليك بالسلوك فرمى الأشياء على الأرض بقوة ليعبر عن غضبه، أو أمسك تحفة كنتِ قد نهيته عن الاقتراب منها، أو ضرب الأرض برجليه… فإياك أن تدعيه يتابع، واستعلمي لهجة الحزم نفسها مع قولك: “كف عن هذا”.

وعليك أن تظهري الغضب على وجهك، وتمسكيه بقوة من ساعديه وتنظري في عينيه، وتهزيه بقسوة، وأن تقولي له وبمنتهى الهدوء والصرامة: “أنا لا أسمح بهذا السلوك أبداً، وإياك ثم إياك أن تكرره”، كوني جادة، وسترين كيف سيخاف، ولن يعود لمثله، وإن عاد كرري العملية ذاتها. وكلما كان صغيراً كان أسرع استجابة، وكان العلاج ذاك ناجعاً.

(11) لا تضيعوا فرصة التغيير الكبيرة في سوريا

لم تكن النفوس والعقول -في سوريا- مستعدة للتغيير كما هي الآن، ولم يكن الذين حوصروا والذين يعيشون في المناطق المحررة وفي المخيمات، في فكر قابل للتأثر والتجدد ونبذ الأفكار البالية والمعتقدات الخاطئة أكثر مما هم الآن. سوريا في مرحلة حاسمة وفي أعلى درجة لقبول التغيير فلا تضيعوها.
الثورة جعلت الناس في حماس للتغيير، وفتحت عقولهم للتدبر والتفكر والتعمق، وإعادة ترتيب الأولوليات، وتقبل الآخر والاطلاع على ما لدى العالم من مستجدات.
السوريون الآن في حماس، وفي لحظات فاصلة وعلى مفترق الطرق، وقد لا يتكرر هذا إلا بثورة أخرى وبعد قرن آخر من الزمان؛ ويؤكد علماء النفس والتربيون بأن انتهاز أمثال هذه الفرص وسيلة عظيمة وسهلة وناجعة في التغيير الإيجابي والبناء.
المفسدون في الأرض أدركوا هذا الأمر وفهموه وسبقونا إليه، فنرى المبشرين والمتشيعين والماسون وغيرهم يتراكضون إلى هذه البيئات الخصبة، ويتغلغلون بين المنكوبين والمتضررين والمُهجَّرين ويبثون سمومهم وعقائدهم، ونحن ها هنا قاعدون، ولا أقل من أن نعجل إلى سوريا قبل أن يسبقونا إليها.

سوريا تقف على منعطف حاسم وهي في هذه الظروف الحرجة من القتل والدمار، ولا ننسى أن الغربَ يُعد لترتيب جديد ولتبديل التركيبة السكانية وتمييع النظام الحاكم؛ وعلى مثل هذه المنعطفات تكثر الآراء وتتأرجح ويتأجج الخلاف بين الخير والشر، ويظهر المنتفعون، وتسيطر الفوضى الفكرية في الانتماءات والاتجاهات والمذاهب، ويتحير الناس.
وفي هذه البيئات تولد الأفكار المبدعة التي تنهض بالأمة وتولد قرينتها الأخرى الشاذة التي تخرب وتثبط، وفي هذه الظروف يعتدل الناس وينصلحون، أو يميلون ويتطرفون ويتشدون.
الوضع حساس، والعجلة بالتوعية ضرورية، لنصلح ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.
وإن الموضوع كبير وأثره في النهضة عظيم ويحتاج إلى جهود منظمة بهدف تقليل الخلافات الحالية وتهيئة الشعب السوري لما بعد سقوط النظام.

وإن بعض المخلصين انتبهوا فتراهم في العمل التوعي يمضون، فيدخلون إلى سوريا وينشرون الخير، ولكن عددهم قليل، وجهودهم فردية مبعثرة. ونحن في سباق محموم.
وليس لدينا الوقت الكافي لإعداد دعاة يناسبون المرحلة، ولكن لدينا بعض الدعاة من المؤهلين والمحنكين، ويستطيعون العمل فوراً وبلا تدريب، عددهم لا يهمنا بقدر ما تهمنا أفكارهم ومذاهبهم.

وأنا لدي اقتراح بسيط وبناء، لا يكلف المال الكثير، ولا يحتاج للجهد الشاق، وأتأمل من الجميع المساهمة فيه، أو عرضه على القادرين عليه، وإقناعهم به:
تشكليل لجنة صغيرة من أكابر أساتذة الجامعات والدعاة الذين يعرفهم الناس في الداخل ويثقون بهم، بشرط أن تتوفر فيهم هذه الصفات:
1- الفكر الوسطي فلا يتشددون في الدين ولا يكثرون من التحريم والتقييد، وبالمقابل لا يتفلتون من الأخلاق والقيم ولا ينادون بالحرية المطلقة.
2- ألا يتحيزون إلى فئة من المنشقين، ولا يتحزبون إلى أي جماعة من المتعصبين.
3- لديهم قاعدة دينية، وقيم راقية، وفهم جيد للواقع على الأرض.
4- أسلوبهم سهل ومفهوم ويستطيعون إيصال المعلومة (ولا بأس أن يقتبسوا من أساليب المبشرين، ويتعلموا منهم طرق الدخول للقلوب والتأثير في العقول، ليصبح عملهم أجدى وأنفع).
والمطلوب من هؤلاء الأساتذة والدعاة:
1- أن يرشحوا من طلابهم من هم على شاكلتهم بهذه الأربع صفات.
2- أن يختاروهم ممن يقدرون على النزول إلى المناطق المحررة.
3- أن يقترحوا بعض الكتب والموضوعات، التي تهتم بما يلي: الأولويات، التوازن، الحلال البين والحرام البين، الوسطية في الآراء، وتتماشى مع فقه الواقع الحالي في الداخل (والكتب موجودة ومعروفة).
4- أن ينظموا دخول الدعاة وخروجهم، بحيث لا يتركون الناس يوماً واحداً بلا إرشاد.
5- وأن يوزعوا جهد الدعاة على المناطق المحررة حسب الحاجة وحسب عدد السكان بحيث لا تبقى منطقة واحدة بلا إشراف.
6- وكلما دخل قوم منهم، درسوا حاجات البلدة وسألوا أهلها وعرفوا اتجاهاتهم وعاداتهم، ودونوا المقترحات.
7- وكلما خرج قوم منهم قدموا الاقتراحات للذين من بعدهم، فيُعنى بها الذين سيدخلون والذين يخططون للمشروع، وهكذا يتطور العمل ويتجدد.
يقدمون المقترحات العملية السهلة، القابلة للتطبيق، والتي توصل الناس لأهدافهم بأسرع الطرق وأفضلها. والمقترحات تشمل الموضوعات التي يحتاجها الناس بالداخل وأسلوب الطرح، وطرق الإقناع… فلكل قوم ثقافتهم ومفاتيح لقلوبهم.
7- وعلى الذين دخلوا اختيار النماذج المميزة من الناس في المناطق المحررة، فينظرون من يرجى منه الخير، ومن لديه القدرات فيخصونه، بالتوجيه ليصبح سفيراً لهم بالبلاد، ولو استطاعوا استمالة الرؤوس والوجهاء وسبقوا إلى كسبهم لفازوا فوزاً عظيماً وأفلحوا بالوصول إلى المقصود.
وهؤلاء يبحثون في الداخل عن أشخاص يحملون نفس المميزات، ويعملون على توجيههم وصلاحهم.
فإذا اصطفوا خيرة القوم وأعانوهم على تنيمة قدراتهم وتطوير مهاراتهم، أصبح الرجل من هؤلاء يُصلح عشرة، والعشرة يُصلحون مئة. والمئة يصلحون ألفاً بإذن الله.
وأنا من الذين لا يؤمنون بإمكانية جمع الكتائب وتوحيد المقاتلين تحت راية واحدة فالناس مختلفون ولهذا خلقهم، ولكني من الذين يؤمنون بتقريب أفكار الناس، وسحبهم إلى التيار الوسطي، وإلى الاعتدال، وإن هذا أقرب للواقع وأجدى في رأب الصدع وتصحيح مسار الثورة.
ونحن لا نحلم بمجتمع مثالي، وإنما مجتمع واقعي تغلب عليه الأمانة والصدق (وإن بقي فيه الغش والكذب)، ويمارس شيئاً من العدل (وإن شابته الرشوة أو خالطه المنتفعون).
إنه حل سهل ويسير ولا يكلف الكثير، لأن الدعاة يخرجون ويدخلون، والأهالي يكفونهم مؤنة النوم والطعام، ويرحبون بهم ترحيباً مميزاً؛ فإن أكثر ما تحتاجه سوريا -لإصلاح الفساد والتغلب على محور الشر- هو العلم والفهم.
المشروع لا يحتاج لإقامة مؤتمر، ولا لجمع الأموال، يكفيه لجنة مُنَظِّمَة يتواصل أفرادها عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، فيضعون الأفكار العريضة ويختارون بعض الكتب المساعدة، ويطبعون الرؤية والتصور والخطط… على أوراق أو في كتيب صغير بأرخص التكاليف، ثم يوزع على المرشحين للدخول، وتجيب اللجنة على تساؤلاتهم. وأجمل ما في المشروع أنه تنظيمي فقط، وأن المرشحين له جاهزون للعمل الفوري ولا يحتاجون إلى تدريب.
وأما بالنسبة لموارد المشروع:
1- الداعية المليء يسافر من ماله، وكثيرون يفعلون
2- والمحتاج نجمع له من مال الذين اقتنعوا بالمشروع ولا يستطيعون السفر.
والمطلوب من هؤلاء:
1- حماية الشباب من الانضمام للفئات المقاتلة الباغية.
2- وتعديل أفكارهم فلا يتشددون أو يتطرفون.
3- تنويرهم الناس في الداخل إلى بحقيقة المرحلة، وتبصيرهم بعدوهم من صديقهم، وإرشادهم إلى الحق، فأكثر الناس ضاعوا. وضياعهم سبب في اختلافهم وخلافهم.

(10) ما السبب الرئيسي في تأخّر النصر؟ وتجمد الربيع العربي وتحوله إلى شتاء طويل

“أسباب تأخر النصر” موضوع مسبوق كثر الكلام فيه، ولكني لن أردد ما يقوله الناس من أسباب عامة، وأرجوكم أنتم أيضاً ألا تكرروا ما يقولون؛ فلا، لا تقولوا “لن ينصرنا الله حتى يميز الخبيث من الطيب، ولن ينصرنا حتى نتطهر من ذنوبنا ونصفي قلوبنا ونُحَسّن أَعمالنا”، وكـأنهم ينتظرون منا أن نصبح ملائكة في الأرض يمشون؟!

قولهم نشر الإحباط بين الناس.
وإنهم يبالغون في القول، ويطلبون منا ما لا نحسنه؛ فهل نسوا أن البشر يخطئ ويصيب؟ وأن الدنيا دار شقاء وأن البلاء فيها حتم؟
وإن التقوى تزيد احتمالات النصر وتؤدي للتمكين بالأرض لا شك في هذا. على أني استعرضت القرآن كله فما وجدت آية تشترط الإقلاع عن كافة الذنوب والمعاصي لكي ينصرنا؛ بل وجدت الله رحيماً يعفو عن كثير؛ نصر المؤمنين وهم أذلة، ومكنهم وهم قلة، وسودهم على العالمين وفيهم الكافرون والمنحرفون والفاسقون الضالون.

وإن قولهم يخالف تاريخنا المجيد؛ إذ يقول جدي الشيخ “علي الطنطاوي” رحمه الله، قرأت في التاريخ آلاف الصفحات، وقرأت التاريخ الإسلامي من أوله إلى آخره، وأحصيت ما قرأته عن الحروب بدقة وأناة فوجدت المؤمنين قلة في المعارك الحاسمة التي خاضوها، وانتصروا رغم قلتهم وسادوا وملكوا”.

وفي استقراء سريع لسنن من قبلنا وجدت أن النصر يتم بأمرين أساسيين:
1- الإيمان بالقضية والعزم عليها.
2- الصبر؛ وإنما النصر صبر ساعة.
وإن الثوار لا يفتقدون أياً منهما، فلماذا لم ننتصر؟
والحقيقة أن الثورة انتصرت وتقدمت على أرض الواقع ، وسيطرت على بعض المدن المهمة واستقلت ببعض المساحات، وإن الغرب بجبروته وقوته وتفوقه العسكري ما استطاع وقفها، ولا تمكن من تحجيمها، واستمرت وكبرت، وثبت بما لا يقبل الشك أن الفئة القليلة الصامدة تغلب الفئة الكثيرة.
ولم يستطع الغرب النيل منا وتأخير نصرنا إلا عندما اختَرَقَنا واشترى ذمم بعضنا شراء كاملاً. ولولا رجال يغدرون، وآخرون يخونون لتحررت سوريا في شهور قليلة.

وإن محور الشر لا يستطيع الوصول إلينا ولا كشف أسرارنا ولا الاطلاع على خططنا مهما تقدم علمه وأبدع وتفنن في استعمال التقنية الجديدة، وليست لديه إلا الوسائل القديمة “الجواسيس والعيون” و”الخدعة”، ومن أجل هذا ما زالوا يستعينون بأساليب “الحرب الخفية” التي تتلخص بالتفريق بين الناس والتحريش بين الكتائب المقاتلة.

فاستعملوا كافة الوسائل والأساليب الظاهرة والخفية، واستعملوا الدهاء واستخدموا القوة، ومنذ بداية الثورة بدؤوا بإدخال حزب الله وشيعة إيران، واستعانوا بالخبرات المتطورة الروسية. ودعموا النظام بالمال الوفير وكافة الوسائل الممكنة.
ثم اخترقوا الجيش الحر؛ فامتلأ بالمرتزقة والحرامية والجواسيس والمجرمين الذين أفرج النظام عنهن خصيصاً ليشاركوا في القتل ويحرفوا كفة النصر لجانب النظام.

وعلمنا -منذ بداية الثورة- محاولتهم شراء الكتائب واستمالة الرؤوس، وعرفنا -ومن مصادر موثوقة ومباشرة- كيف ساوموا القادة في حمص ومنوهم بالأماني ووعدوهم بالمناصب فانحاز بعضهم إلى الفئة الباغية، ودب الخلاف بين بقية الألوية، واستقلت بعض الفصائل بجنودها وامتنعت عن التعاون فيما بينها فضاعت بعض أحياء حمص بسبب هذا.

ولقد أجازوا دخول المتشددين والغرباء للقتال في سوريا، وحملوهم بما يستطيعون من المذاهب والأفكار الهدامة ليوقعوا بين الناس، ومن آثارهم “داعش” التي تشوه الدين وتحرف العقل وتغير الواقع الجميل، وتمهد لسوريا “المستكينة” التي يريدون.
ولكن أفظع ما فعلوه تمكنهم من شراء ضمائر بالكامل وسرقة الأسرار العسكرية الدقيقة، والسر له قداسته، وفي الحروب تزداد هذه القداسة، وتزداد خطورة إفشائه لأنه يؤثر بشكل مباشر على سير المعركة، حتى ليعتبر هذا من الخيانة.

وإن أكثر ما يدمر هذه الثورة ويؤخر نصرها هو الخيانة، الخيانة قلبت الموازين وهي التي أخرت النصر في سوريا وفي غيرها؛ وهي السر في هزيمة المسلمين على مدار التاريخ، ولقد سيطر اليهود على فلسطين بخيانة الرؤساء العرب، والدولة العثمانية سقطت بخيانة الشريف حسين… والتاريخ حافل بالخيانات.
ولولا شراء الذمم وتدخل الطوائف المختلفة والدول الكبيرة لاختلف الواقع، ولقد ثبت بالدليل وبشهادات موثقة من المطلعين والعارفين أن “القصير” و”تل كلخ” سقطتا عن طريق صفقة كبيرة بُيتت بليل، وفوجئ المجاهدون بها واضطرت الكتائب للانسحاب… ولعل “السفيرة” و”تل عرن” و”تل حاصل” و”خناصر” وغيرها من المدن قد سقطت بمثلها.

ولذلك كانت الخيانة جريمة دولية كبيرة يعاقب عليها القانون الأرضي فكيف بالقانون السماوي؟ وإن الخيانة تخالف الأخلاق الأصيلة وتنافي النخوة والمروءة، وليست من الإنسانية.
الخيانة سلوك مرفوض ممقوت ومن أكبر الكبائر وإن لم تكن كبيرة من باب الدين فمن باب الولاء والوطنية، ولا عجب أن دول العالم -كلها بلا استثناء على اختلاف دياناتها وولائها ومذاهبها ومشاربها- تتفق جميعاً على تجريم مرتكب مثل هذا الفعل، ويسمونها “الخيانة العظمى”.
وتعني “الخيانة العظمى” عدم الولاء للدولة والعمل ضد مصالحها.

وتُوَجّه تهمة الخيانة عادة لمن يعارض الحاكم أو أعماله، وتكتمل أركانها عند الاتصال بدولة أجنبية بهدف المس من الاستقرار في البلاد. وهي جريمة يحاكم عليها القانون، وتكون العقوبة شديدة مثل السجن المؤبد وقد تصل حتى الإعدام.

وفي الإسلام خيانة شخص (أو مجموعة) لجماعة المسلمين جريمة تستدعي الحد، لأنها تسبب بما نراه من قتل لقادة الجيش الحر الأوفياء، ولكن الخيانة درجات، والخيانة الصغيرة في الحرب لا تقل ضرراً عن الخيانة الكبيرة، وهذه أمثلة واقعية لما يُعتبر خيانة ويساهم في تأخر النصر:
1- الإرشاد لأماكن الأفراد المطلوبين والجنود المحاربين، بقصد وقف نشاطهم، أو تسليمهم للظلمة.
2- كشف خطط المجاهدين، وأماكن تواجدهم.
3- العمل مع العدو بالتجسس وتصوير المظاهرات لإثبات تورط المدنيين، والتشبيح والاعتقال، والتعدي على الممتلكات التي تستعمل لخدمة الثورة، مثل الأجهزة المتطورة ووسائل الاتصالات.
4- رمي الشرائح التي تدل الطائرات وترشد القذائف على الأهداف الحيوية، مثل مشفى ميداني أو مخبأ للثوار أو ملجأ للأهالي… وكم من امرء تواطأ مع النظام من أجل حفنة من المال، فتسبب بهلاك العشرات.
5- والخيانة في الترويج للمخدرات، ونشر الإدمان، وإلهاء الناس عن الثورة.
يقول الغزالي: “وفي الشريعة إذا ساند الرجل الكفار يُقتل،ْ وإذا قُبض عليه وأقر بخيانته أو شهد عليه مجموعة مزكاة من المسلمين يُعدم. لأن الخائنين -دروا أو لم يدروا- يساعــدون الصهيونية والاستعمار على ضياع بلداننا، وهويتنا في يومنا وغدنا”.
وإني أنصح الجميع بالحذر والانتباه، وأقترح بعض الحلول (وعليكم بالباقي):
1- السرّية المطلقة في التحرك، والرسول عليه السلام كان إذا خرج لغزوة ورى بغيرها.
2- تسليم المناصب الحساسة للموثوقين والمعروفين.
3- مراقبة المنافذ الحدودية والحواجز والاهتمام بمن يمر عليها.
4- الاستعانة بالخبراء النفسيين، وأصحاب الفراسة لكشف حقيقة الناس والدخلاء.
5- تقديم الشك وسوء الظن (في ظل هذه الظروف) حتى يثبت العكس! وفي حالة الشك بشخص ضرورة السؤال عنه والتأكد من هويته.
6- أن يعمل أصحاب كل منطقة معاً لأنهم الأقدر على التأكد من هويات بعضهم بعضاً، والتواصل مع الكتائب الأخرى لحصر المقاتلين، ولا يُقبل الغريب إلا بتزكية من الجهة التي جاء منها، أو حتى يتم التحقق من وضعه.
هذا ما حضرني، وإني أرجو من الجميع إعطاء الأمر أهميته والتعاون عليه؛ فالخيانة أمر كبير لا يمكن تجاوزها، وآثارها مُرّة فهي تهدد النصر وترفع عدد القتلى وتزيد الخسائر وتحبط المدنيين، فاحترزوا منها وتحسبوا لها، وحاربوها بكل قوة.

(نشرت في عدة مواقع ثورية)

عابدة المؤيد العظم

الوضع بسوريا ودمشق وريفها.. في أحدث تقرير

في سوريا تشعر بطعم الموت في كل لحظة وفي كل ثانية، الحياة والوفاة يترافقان فلا يدري المرء أيهما سيقابله في الطريق، وأيهما سيسبق إليه ويقترب منه ويستأثر به ولا ينجيك البقاء في بيتك، ولا تأمن من المشي في الشارع، ولا يحميك من الأذى المكوث في مكان تظنه آمناً، فالمناطق كلها سواء، والانفجارات لا تميز بين حي وآخر، وشظية صغيرة قادرة على الانتقال مسافات طويلة، ويمكنها قتل الرجل الكبير وهو جالس في داره. وفي بعض مناطق سوريا يموت الفرد فلا يستطيع أهله استخراج شهادة تثبت وفاته، ولا يحظى -أحياناً- بقبر يؤويه إلا زاوية في بستان أو في حديقة الدار، وقد لا يجد عيناً تبكيه، فجميع الناس في المحنة سواء والخطب كبير. في سوريا استوى الموت مع الحياة، وحين يستويان يتجرأ الناس على مجابهة الصعاب ويذوب خوفهم فتراهم يمارسون حياتهم الطبيعية! تسقط القذيفة في ساحة العباسيين إحدى الساحات الرئيسية في مدينة دمشق، فيموت بعض الناس ويصاب بعضهم الآخر، ويسحب الإسعاف المصابين… وبعد دقائق قليلة تعود الحياة لما كانت عليه.

دمشق تعيش في تناقض غريب، شوارع خالية ومدن خاوية في طرف وعلى طرف الأوستراد شوارع مزدحمة ومدن مسكونة فيها الرائح والغادي، وفي المدينة ذاتها أحياء مدمرة بالكامل وأحياء عامرة، حيٌ طبيعي يبيع الناس فيه ويشترون ويتنزهون، وفي الحي المجاور له يُحاصرون ويجُوعون ويُقتلون. أكثر الرجال باتوا بلا عمل ولا مورد، والأسعار في غلاء، حتى المنتجات المحلية أسعارها خيالية. وأصبح بعض الطعام من الكماليات، الكهرباء تنقطع 12 ساعة متواصلة، والغاز أصبح ذكرى جميلة، فصاروا يخترعون ويبدعون وسائل جديدة لتجاوز الأزمات وتأمين الضرورات، وعادت الحياة في سوريا إلى بساطتها القديمة، وابتعد الناس عن التفاخر بالمظاهر والماركات. الناس معكتفة في دورها لا تخرج إلا لضرورة ملحة، وأكثر ما يخرج الناس من أجله هو الدفن والعزاء، كل يوم يُودعون شهيداً أو أكثر. وبعد المغرب تفرغ أكثر الطرقات، واقتصرت أحاديث الناس عن المآسي والحرمان، فهذه بيتها تهدم وسُرق، وهذه دخلت قذيفة من شباك البيت فقطعت أصابع ابنتها الصغيرة وجربوا وَصْلَها في المشفى ولم تستعاد.. شوارع كثيرة أغلقت، والانتقال من حي إلى حي يستغرق ساعتين، والمشي أصبح أسرع وأسهل. الحواجز التي تملأ الشوارع، والقائمون عليها يختلفون؛ وفي المناطق الراقية يُعاملون المارة بشيء من الاحترام، وفي المناطق الشعبية يعاملونهم بكل ازدراء. وقد يقف المرء ساعة ونصف الساعة ليمر على حاجز واحد، ويضعون بين كل حارة وحارة لجان من الطائفة العلوية ومن الإيرانيين وحزب الله ويتسلحون بالسواطير.

في بعض الأحياء المستهدفة هَبّطوا بيوتا على أهلها وهم في داخلها بلا إنذار ولا تهديد مسبق وكأنه زلزال، فملأت رائحة الموت المكان، وانتشر الذعر، وسال الدم في الطرقات كما سال أيام المغول والتتار، وكان أهل الشام يستدلون على بيوت بعضهم بعضاً بأسماء الشوارع والدكانين، وباتوا اليوم يستدلون بأسماء الفروع الأمنية وأماكن التفجيرات. أتباع النظام يدقون على بعض البيوت الفارغة يوماً أو يومين فإن لم يجدوا أهلها فيها أسكنوها الشبيحة، بل أخرج النظام بعض أهل حي الميدان والزاهرة من بيوتهم قسراً وعلى حين غرة وأسكن فيها أعوانه، واستأجر بعض البيوت الفاخرة المشرفة على الفروع الأمنية غصباً عن أهلها. أصبح الناس يعيشون بالبركة وإذا خرجوا لا يدرون إن كانوا سيعودون سالمين، أصبح التخطيط خارج قدراتهم وطاقتهم، ولا يدرون ماذا يحدث بعد ساعة، فالخطف مألوف والفدية غالية. والاعتقالات والمداهمات لم تتوقف.
ثانياً- “ريف دمشق” في آخر تقرير وفي “قدسيا” هدموا المحلات التجارية الرئيسية في مدخل البلدة ودمروا بيوتها القريبة وشردوا سكانها، وما زال بعض الأهالي مصرين على البقاء في البلدة وعدم مغادرتها مهما ضاق بهم الحال. وفي “دوما” شرق دمشق دُمرت البنية التحية، وخلت بعض المناطق من الماء والكهرباء والاتصالات وهجرها الناس، ثم رجعوا للحياة هناك… وأين يذهبون وأكثر المدن محاصرة؟ والخروج من سوريا مكلف وصعب، وأحياناً يكون من المحال؟ فأكثر البلاد العربية والأجنية أقفلت أبوابها أمام الشعب السوري، وأكثر الذين خرجوا ذاقوا الويلات، فرجعوا، وبدأت الهجرة العكسية لسوريا رغم اشتداد الصراع. وأما في برزة على الطرف الشرقي من دمشق فالحواجز خطيرة للغاية والمرء معرض للموت الحقيقي إذا مر عليها، وأخطرها تلك الحواجز الطيارة التي تظهر فجأة في وجهك فلا تعرف هل هو حاجز رسمي للنظام فتقف له وتمتثل؟ أم هو من حواجز زبانيته وأعوانه المنتفعين فتفر منه فرارك من المجزوم؟! الحواجز الطيارة في برزة يقوم عليها فتية من منطقة “عش الورور” المجاورة، وهم من الذين يستغلون تدهور الوضع الأمني في العاصمة فيسطون فجأة على السيارات ويختطفون راكبيها ويطالبون أهلهم بفدية عالية، وسواء أدفعوها أم رفضوها، لا يعود المخطوف إلى ذويه في نصف الحالات، ويصبح في خبر كان.

رغم الظروف القاسية والمذابح والأهوال تَعّود الناس على الحال، وقد أثبت الإنسان أنه أقدر المخلوقات على التحمل والتأقلم مع الأوضاع، فترى الناس يدخلون ويخرجون ويعملون ويتزوجون وينتشرون في الشوارع والأسوق، ومنهم من يأخذ طريقه للأماكن المحاصرة رغم المخاطر والصعوبات. ويغتنم بعض الداعمين والناشطين الفرصة ويدخلون في معيتهم، وهؤلاء يأتون من كل مكان بسياراتهم، فإذا اقتربوا كيلاً من الأمكان المنكوبة صفوها ومشوا على أقدامهم لأن دخول الحافلات ممنوع.

444

مروة فتاة جريئة دخلت مع الداخلين إلى “مخيم اليرموك” حاملة بعض الطعام والشراب، وهمها تفقد الوضع والاطمئنان على الناس، دخلت فأذهلتها مناظر البؤس والشقاء وحكايا المآسي والآلام فتأخرت وهي تمسح الجراح وتتابع أخبار الجوعى والثكالى واليتامى… وانتصف النهار فانتبهت وأرادت الخروج فاستحال عليها ذلك وقد تسلق القناصة فوق الدور والبنايات. الخروج من الأماكن المحاصرة بعد اصطفاف القناصة هو أشبه شيء بمحاولة النجاة داخل قارب مطاطي مثقوب في بحر لجي من فوقه موج هائج، ولكن الفتاة كانت مضطرة إليه وموتها كان أهون عليها من البقاء، فأهلها لا يعلمون أي شيء عن نشاطها، ونار القناصة أخف على رأسها من سياطهم ولومهم! رحلة الخروج استغرقت ساعات في مسافة لا تتعدى ثلاثة كيلو مترات، وبدأت الفتاة رحلتها بصلاة ركعتين والشهادة والاستغفار، وكتابة وصيتها، وتزويد الشباب بياناتها ورقم أهلها… فكل خارج مهدد حقاً بالموت، ورصاص القناصة يصيب الذبابة الطائرة، والخروج يحتاج للحذر والتخطيط ولخبرة بعض الشباب الذين مضوا بها في طريق صنعه الجيش الحر بتكسير الحوائط بين الأبنية، فيمرون من بناء لبناء آخر، وبعض الأبنية متباعدة، فيضطرون للانبطاح على الأرض والتدحرج إلى الجهة الأخرى. مضت الفتاة خلف الشاب وهو يكرر نفس الكلمات كلما مر على مفترق طريق: “تشهدي فنحن في خطر محقق وتوقعي الموت”، يحذرها فتنحني وتزحف خلفه والرصاص يؤز أزاً، يمر من فوقها وعن يمينها وشمالها، ويخرق صوته سمعها، وتتابع المسير، ويسألها دليلها كل قليل: “هل ندمت فنرجع؟”، فتتابع إصرارها على متابعة المسير. مشوا ساعات، بين الحطام والهدم، وتحت الأصوات، والقناصة فوق البيوت يضربون والموتى يسقطون والمصابون يئنون… حتى قالت الفتاة: “كدت أصاب بانهيار، وليس من رأى كمن سمع، كانت مغامرة مخيفة بلغت فيها القلوب الحناجر”. وأضافت: “في تلك اللحظات يتقين الإنسان أنه لم يبق له إلا حقيقة واحدة، هي الموت، وصدق من قال: أصبح رغيف الخبز مقابل الحياة”. خرجت الفتاة بسلام. ولكنها كانت المرة الأخيرة، فالنظام أحكم الحصار على الغوطة الشرقية وجنوب العاصمة، وبنى سواتر ترابية لعزلها جيداً ومنع الدخول والخروج نهائياً، وحين تشتد الأوضاع يشفق المحسنون على المحاصرين فيشترون الحاجز بمليون ليرة لثلاث ساعات فقط، ثم يُدخلون الشاحنات المحملة بالإغاثة، وقالوا: “تدخل ولا يمكنها الخروج من بعد، فتحتاج كل شاحنة لسائق فدائي يرضى بالعلوق في الداخل مع المنكوبين”. المناطق المحاصرة في دمشق واسعة، وفيها أعداد كبيرة من الجائعين والمهددين بالموت، قَدَّرتها الفتاة عددهم بمئة ألف يزيدون أو ينقصون في المناطق الجنوبية وحدها (كمخيم اليرموك والحجر الأسود)، وفي الغوطة الشرقية ما يقارب هذا العدد وهي محاصرة بشكل محكم تماماً، والنظام يطبق عليها بشكل قوي.

هذه قصة مروة، أما عليا فكانت مضطرة للخروج إلى “الزبداني” غرب دمشق لإيصال المال، أخذت رفيقتها ومضت معها، الطريق إلى الزبداني بدا لهما طويلاً وشاقاً وممتلئاً برائحة الموت وصمت القبور، الشوارع فارغة، والمصايف مهجورة وشكلها مخيف ومرعب، قطعت مع رفيقتها أربعة عشر حاجزاً في طريق سفري خال من السيارات والحافلات، مظاهر الرهبة تحيط بالمكان، وعلى كل حاجز رجال غلاظ، لا يعصون النظام ما أمرهم، ويُتوقع منهم كل شيء. امتلأ قلبها بالخوف، ولكن أمورها تيسرت حتى وصلت إلى الحاجز الأخير، مد الضابط يده وطلب منها النزول، فتش كل شيء وفتح كل شيء، وفتش حقيبتها تفتيشاً دقيقاً، وغفل عن حقيبة رفيقتها الممتلئة بالمال والمرمية خلف المقعد بإهمال. وصلت الفتاتان إلى الزبداني بأمان، ولكن بدأ مع قدومها القصف العنيف، لا يمر يوم إلا وتقصف فيه البلدة والقصف كل يوم هو في شأن وكان يومها فظيعاً حارقاً، ولكنها أخذت قرارها بإنجاز مهمتها والعودة قبل المساء، وحين انتهت وضعت رجلها على دواسة البنزين وانطلقت بسرعة هائلة باتجاه الشام.

أما ياسر ورفاقه فقرروا الهروب إلى بيروت بعد اعتقال زميل لهم، فلما وصلوا إلى الحدود اعتقل النظام واحداً آخر منهم، سحبوه من بينهم فجأة فظن أنه الفراق ونظر إليهم مستجيراً مستنجداً، فتقدم أحد الرفاق وحاول استعطاف الضباط ورشوته بالمال والمجوهرات، فعموا وصموا عن قبولها وتعففوا عن قبضها، وكانت النزاهة غريبة على أمثالهم وعلى الوضع الذي تعود عليه الناس. واضطر الرفاق للمغادرة ولم يستطيعوا فعل أي شيء سوى النحيب والبكاء، فنظرات زميلهم المعتقل لم تغب عن بالهم أبداً بقية الطريق. وقطع الرفاق الحدود ودخلوا بلداً جديداً آمنا وما زالت رهبة الموت والقنص والاعتقال تطاردهم، فما يحدث في سوريا ليس بقليل وقصص المعاناة كثيرة، وإن للأمان طعماً رائعاً لا يعرفه إلا من حُرم منه

بنتي صادقت شابًّا، وأنا في حيرة؟

 

كتبت لي:

اكتشفْتُ أن بنتي الجامعية على علاقة مع شاب على الفيس بوك والوتس، فماذا أفعل؟

فهل الخطأ مني؟ وكيف أُخَلِّصها من التعلق بهذا الشاب؟

والحل:

ليس الخطأ منكِ، إنه وضع المجتمع؛ فلا تحزني ولا تقلقي، ولسْتِ بِدْعًا، وهذه الأشياء أصبحَتْ شائعة جدًّا، وتأتيني رسائل واستشارات بخصوصها، ولها أسباب:

1- تأخير الزواج.

2- سهولة التواصل بين الجنسين، والتي تخرج عن حدود المكان والزمان، فلا يستطيع أحد مراقبتها، أو الحد منها.

وإن هذه المشكلات تفاقمت كثيرًا؛ لأن الميل للجنس الآخر حاجة طبيعية مركوزة في نفوسنا، وحاجتنا لها كحاجتنا للطعام والشراب، ونحن نكبتها، ونَحُد منها.

وإذا أردتِ رأيي، فإنها نزوة وسوف تمضي، ولكن الموضوع يحتاج لِرَوِيَّة وصبر رَيْثَمَا يحدث ذلك، والزمان كفيل به.

وإذا كانت بنتك تعلم أنك تعلمين بأمرها، فالأفضل ألا تغضبي ولا تصرخي؛ وإنما اجلسي معها، واطَّلِعي على محادثاتها مع الشاب، وتفهَّمِي المُلابسات، ولعلها تعاني من الوَحْدة؛ فلجأَتْ إلى هذا الطريق، وأنها في سن الزواج، فزَوِّجيها؛ فهذا أفضل لها، وأهدأ لبالها، إن الحاجة للجنس الآخر تزداد في هذا العمر، والحل الحاسم في الزواج، فإن لم يكن، ففي شَغْل الفتاة بأشياء مفيدة، والاهتمام بها وبحاجاتها النفسية؛ لكي تتصبَّر على هذا الحرمان.

وإن رغبة البنت في الزواج سببها الأساسي الحاجة لرفيق (بعكس الشاب الذي يبحث عن إشباع للغريزة)، فيكون شأن البنت أخف وأهون فيما لو تأخر زواجها، وتكون أكثر قدرة على ضبط نفسها، والتصبُّر على الحرمان العاطفي، فاطمَئِنِّي.

وأما إذا كانت بنتك لا تعلم أنك تعرفين، فاستمرِّي في التظاهر بعدم معرفتك، وتحدَّثي أمامها عن الشباب الذين يضحكون على البنات، وكيف تكون النهاية، والقصص كثيرة في هذه الموضوعات، ولِجَدِّي “علي الطنطاوي” كتاب اسمه “قصص من الحياة”، وله كُتَيب صغير اسمه “يا بنتي”.

وأنا لم أقتنع من كلام جدي أن الرجل ذئب، ويرى المرأة نعجة، ولكني مقتنعة باختلاف طبيعة الرجل عن المرأة، ويجب أن تعرف كل فتاة اختلاف طبيعة الذكر عن طبيعة الأنثى، فالبنت تُصَدق أسطورة الحب، والرومانسية، والكلام المعسول، والشاب لا يفهم إلا الغريزة، ولكنه يتجمل للفتاة في البداية، فتُصَدِّق كلامه، وهنا مكمن الخطر.

وأكثر القصص التي اطَّلَعْتُ عليها بدأت هكذا، وانتهت هكذا: تتعلق البنت بالشاب، وتظنها خِطبة، ومقدِّمة للزواج، وتحبه وتَبُثُّه أسرارها، ومكنونات نفسها، وتظنه مُخلِّصَها، فيتركها فجأة وينصرف، وهذا ما عليك توضيحه لها:

من السهل أن تتعلق به، وهو من السهل عليه تركُها، ولن يبالي، فيما ستبكي هي على الأطلال.

نسيانه صعب جدًّا عليها، وعودته مستحيلة.

وصحيحٌ أني لا أوافق جدي أن الرجل ذئب، ولكني أرى أكثر الرجال بلا عواطف! وأقصد: من السهل عليهم ترك الفتاة، والانصراف لغيرها، بينما تهتم النساء بالوفاء لرجل واحد، وترى الانصراف عنه خيانة، ومن الكبائر، فالمرأة تُقَدِّس العلاقة الزوجية.

وإني أنصحها بقراءة كتاب “الرجال من المريخ” – وإن كانت فيه مبالغة – فربما يساعدها على فهم الاختلافات بين الرجال والنساء، ولو فهِمَت كلُّ فتاة طبيعة الرجال الحقيقية، لانصرفت عن كلامهم، وحَذِرَت منهم، فأكثر الشباب الذين يتواصلون مع الفتيات نيتهم غير سليمة، فيجب أن تبتعد الفتاة عنهم، ولا تقبل التواصل معهم مهما حاولوا، وإن أقل ما يسبِّبونه لها هو الأذى النفسي، وذلك حين تتعلق بهم، وتُصَدق كلامهم، ثم ينصرفون عنها فجأة.

ورغم ذلك أقول لكِ: بعض الشباب يكون قصدهم شريفًا، فيلجؤون لهذه الطريقة بسبب صعوبة الزواج، أو فَقْد الأهل، فيحاول الشاب الحصول على زوجة بنفسه، فادرسي الوضع تمامًا، وتأكَّدي من جميع الملابسات.

والخلاصة:

1- افهمي من هو هذا الشاب الذي تُكَلِّمه بنتك؟ واعرفي لماذا أعجبها؟ وكلِّمِيه أنتِ بنفسك، لو استدعى الأمر، وانظري جِدِّيًّا في أمره؛ فلعله يريد الحلال، أو أعطيه النصيحة لِيَكُف عن البنات.

2- افتحي باب الزواج، واستقبلي الخُطَّاب؛ فتطمئِنَّ هي، ولعل الله يُيَسر لها أمرًا.

3- وفِّرِي لها صحبة طيبة مباركة.

4- حاولي أنتِ بنفسك التقرب منها ومصادقتها.

5- استمِرِّي في الدعاء لها.