(8) رسالة من أخت فلسطينية

أرسلت أخت فلسطينية على بريدي الخاص ما يلي:

تعقيباً على فيديو فترة مسائل اجتماعية … المنشور على الرابط الأتي:
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ابتداء أستاذتي الفاضلة عابدة اسمحي لي أن أعتبركِ في مقام والدتي الغالية فأناديك بيا أماه؛ ثم تقبلي مني الشكر الجزيل على ما تفضلتِ بهِ من إمتاعنا بشيءٍ من أريجِ وعبير ذكرى الشيخ الطنطاوي – رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح الجنات ورزقه عاليَ الدرجات – …

ثمَّ بالفعل كان لحديثكِ جميلُ الأثر، … ولكن….

إن ألفي قذيفةٍ من كلامٍ ******* لا تساوي قذيفةً من حديدِ.

كانت تطرق أسماعي هذه الكلمات والنصائح التي قدمتها، يوم كنتُ أعيش في الإمارات ثم انتقلتُ للعيش في السعودية، ولما انتقلتُ للعيش في غزة الأبية – التي لا تفارق سوريا بكثيرٍ في أحداثها – منذ سنةٍ ونصفِ السنة، وشهدتُ فيها الحرب التي أطلق عليها المجاهدون اسم (حجارة السجيل) وأطلق عليها العدو اسم (عامود السحاب) والتي استمرت لمدة ثمانية أيام كانت فيها القذائف والصواريخ (صواريخ الإف ستة عشر) تنهمر علينا ومن حولنا، بأصواتٍ مرعبة، لم نعهدها، وكانت تصيب الأطفال بالفزع، وربما الكبار، وأنا شخصياً كنتُ أصاب بالفزع؛ غير أن أمي وأبي وعدداً من الإخوة الذكور كانوا قد اعتادوا، أو انهم باعوا أنفسهم لله – جل وعلا – وقد قضوا مآربهم من الدنيا، بخلاف من كانت ترفل في زينة الشباب، وتحمل همَّ المستقبل، ولها أطفال تتمنى أن تراهم ملء السمع والبصر، فكان الأمر شديداً عليها، وأدركتُ يومها قيمة النعمة التي كنتُ فيها في الخليج حيث الأمن والأمان، وأدركتُ بالفعل قول القائل: (ما أسهل الحرب على النظارة، وما أقساها على الذين يستعرون بنارها، ويذوقون لظاها)….

آه يا أماه! أصيبتْ زوجة خالي في الحرب وهي شابة لا أحسبها تجاوزت الخامسة والثلاثين من العمر، فأقعدتها الإصابة، وطُلِبَ لها العلاج، فقال الأطباء: أن علاجها هو الانتظار وربما يكون على الأمد الطويل لأن الحبل لم ينقطع رغم انكسار بعض فقرات العمود الفقري التي يوشك أن تلتحم وتلتئم، وأغرب ما في الأمر هو ثبات زوجة خالي وصمودها وارتفاع معنوياتها، وأنا التي بكيتُ لها وتألمتُ، وهي تعمل في حقل التدريس، ومع ذلك طلبت أن تعود إلى العمل رغم أن راتبها يصلها حتى وإن تغيب لعذرها كمصابة حرب؛ إلا أنها أصرت على العودة، وهي الآن تعمل في المدرسة القريبة من منزلها وهي على الكرسي المتحرك، ولكن المدرسة حولتها إلى العمل الإداري، وهي تكاد تمارس حياتها بتلقائية رغم ما هي فيه من عذاب شديد، وأي عذابٍ أشد من أن يحبس الإنسان في الكرسي المتحرك – أسأل الله العافية – لو كنتُ مكانها لقتلتُ نفسي – عياذا بالله -…. أتظنين كل كلمات الدنيا تستطيع مواساتها في محنتها، (اللهم لا تبتلينا فإن عافيتك هي أوسع لنا)..

أماه…. إني لأستحي أن أخبرك

 أماه…. إني لأستحي أن أخبرك بكون تأثير كلامك أعظم وقعاً لو كان واقعاً حياً مُعاشاً مطبقاً في الديار الشامية، وإلا فيستطيع المتربصون والمشككون و محبوا السلامة – من أمثالي – أن يقولوا ما أسهل الحرب على النظارة، ولو كانت الكلمة تحت وقع القذائف، وأصوات الرصاص، فنرى ثبات الأبطال والجبال!!! لا أقصد الإساءة – والله – ولكني أحبُّ السلامة والهدوء والقراءة والأدب والشعر، والهوى، وأن أبادل زوجي الغرام، وأقبل وجه صبيي وأنا أشعر بالأمن والأمان، وأن أكمل دراستي الجامعية والعليا، وأن تسير سفينتي هانئةً وادعةً تمخر عباب بحر الحياة، دون أن أفجع بفقد أحدْ، أو ذهاب ما أحبُّ ومَنْ أحبُّ!! فهل هذا كثير…

تذكرين يا أماه أن الحياة إنما هي المصائب والكوارث، فأخبريني لماذا حياة من يعيش في الخليج غاية في الهناءة والوداعة، ويعيش الإنسان ويمشي في طريقٍ لاحبٍ واضحٍ بينٍ لا يذعره شيءٌ ولا يقطعه عن الوصول إليه شيءٌ إلا كسلهُ وقلةُ سعيهِ فقط!! فلا يعاني الأهل هناك من حروبٍ وأهوال، وهم يحتارون في المال كيف ينفقونه ويتخلصون منه، البيتُ يحوي سيارة لكل (ولد) [وقصدتُ التعبير بفظ ولد] والوقود بسعر التراب، وفي عدد من البلدان الناس لاتقوى على أثمان السيارات، ومن قوي عليها لم يقوَ على سعر الوقود!!

يا أماه … قد تتحدثين من بلدٍ وربما لم تشعري في حياتكِ بشعورِ أمٍ وهي تغطي صغيرها على فراش النوم، ويحدثها عن رغبته في سيارة أو سلعة أو غير ذلك من أمور هذه الدنيا ، ويتساءل لماذا لم يشتر لنا أبي شيئاً  من ذلك، فلا تجد الأم إلا أن تخادعه وتمنيه بمستقبل الأيام، التي لا ترجو منها إلا الآلام، وتشفق على ما سيلقاه صغيرها إن عاش، وتشفق على نفسها من موت صغيرها، وأما إن أصيب بعاهة فذلك حريق القلب، ودمار النفس، وأسى الروح الذي لا سلوان له!!!!

أماه … أقولها صريحةً … ما يفعله الكثيرون ممن يحدثوننا ويطالبون الناس بالصبر؛ ما هم إلا مخادعون كما تخادع الأم صغيرها.!!!

أماه .. (باللهِ لا تخادعونا!!!)

أودُّ الاسترسال و(الفضفضة) ولكني أخشى بقوة أن تنقطع الكهرباء، فيضيع جهدي هباءً منثوراً ولا تصلُ إليكِ رسالتي التي سأفرح لو علمتُ أنكِ قرأتها – حفظك الله وبارك فيكِ وأمتع بحديثك ونفع بك – …

أماه … (أقسمُ أني لا أقصد أي إساءةٍ  أبداً، وإن حصل فأنا أعتذر عن ذلك ابتداءً وانتهاءً )

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أميمة –

فلسطين الأسى

بجوار سوريا الجريحة

بنيتي الغالية
يسعدني أن تناديني أمك، رضي الله عنك وأرضاك
ورسالتك أثارت شجوني وأسالت دموعي
ولكن هل تظنين من يعيش في غربة ينام ويصحو آمنا مطمئناً؟
وهل تظنين من يتهمونه بأنه يُفقر أهل البلد ويأكل رزقهم سوف يهنأ باله ويسعد؟
لقد ولد أولادي بالغربة وعاشوا في الغربة ولم يعترف بهم الشعب ولا الحكومة، نبذوهم واتهموهم بأنهم أجانب غرباء وآذوهم بالتعيير والضرب والكلام الجارح في المدرسة وبضع مرات في الطريق. ومنعونا من التسجيل في مدارس الحكومة وأثقلونا بمصاريف الإقامة، وأشياء كثيرة حرام علينا وحلال على أبناء البلد. وعشت هنا وأنا مهددة بأني أجنبية سوف يُلغى عقدي يوما وأجبر على المغادرة. ويزداد هذا التهديد يوماً بعد يوم.
عشت حياة الحرمان والشوق إلى الأهل والأوطان، وفقدت أجمل البقاع إلى قلبي دمشق،
فالغربة قدر صعب يابنيتي كما  البقاء في البلد المهدد والمحتل صعب أيضاً
نحن لا نحصل على العمل الجيد ونقيد في كل كل حركة، ونحن نعيش في سجن كبير فلا تخرجين إلا بإذن ولا تجلسين فيه إلا بإجرة…
ستقولين وما الذي دفعك لهذا فأقول لك: رماني على المر الذي هو أمر منه:
فماذا عساني أن أفعل؟ وقد هاجرت من دمشق منذ 32 سنة؟ كنت صغيرة واختار جدي عني الرأي وتصرف بلا مشورتي، وجاء بي إلى المملكة،كما جاء هو من قبل، (فلا تنسي أن جدي نفسه آثر الهجرة وترك سوريا واستقر هنا).
ولما جئت أحببت صحبة وتمنيت رفقته والاستفادة منه فاستسلمت وبقيت في الغربة، فلما مات كنت قد تآلفت مع البلد وتعودت عليها، وبقيت العائلة بالغربة فبقيت معها، ولم يعد في بلدي لي مكان، فأين أذهب؟!
وهذا قدر الله أن يجعلني بالخارج يوم قامت الثورة ويجعل غيري في الداخل، قدر لا نملك له دفعاً. وفي كلا الحالين لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، وكم من ناس هربوا خارج البلاد فماتوا أو فقدوا أطرافهم أو خطفوا، وإن قدر الله واقع بنا لا محالة، فأين المفر منه؟
وسأقول لك شيئا مهما:
لا يجوز أن نقيس من عاش في الغربة دهراً وغادر بلده مبكرا بمن ترك البلد من سنوات قليلة، وتركها بعد الثورة المباركة المستمرة، فأيام الثورة الأولى في الثمانيات لما هاجرنا كان الوضع مختلفاً وكان استمرار الثورة مستحيلا، أما اليوم فالاتصالات وحماس الناس والعمل الدؤوب أنتج شيئاً مثيراً وتحررت البلدات والمدن وتقدم الثوار وتزلزل النظام.
ولو كنت هناك في الداخل لما خرجت، ولبقيت في دمشق ولم أغادر، ولكني كنت من الأصل مهاجرة، فبقيت في الخارج. فكيف تصفينني بأني من القاعدين المتقاعسين؟!
وأصبحتُ بعد الثورة بين خيارين:
1-الصمت ليكلا أسمع ما سمعته منك الآن؟
2- أو الكلام والنصح وتثبيت المؤمنين في الداخل. والقيام بجهد المقل؟
فاخترت الثانية
وإن الجهاد فرضه الله على الرجال، ونحن النساء نداوي الجرحى ونعمل في الصفوف الخلفية، وهذا ما نفعله ونحن في الغربة، إننا نعمل بقدر طاقتنا، ولولا دعمنا الخارجي، وما نجمعه من الطعام والمال واللباس لسقطت الثورة أو تعثرت، فلا تشكي بنوايانا ولا تستهيني بجهدنا، ولا تستقلي عذاباتنا. وكل ميسر لما خلق له.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s