جهنـــم الاعتقـــال.. تجربـــة معتقلـــة

نقلا من صحيفة العهد:

معتقـلات فـي سـجون النظـام, كلمـات كنـت
أسـمعها وتتـرك أثـرا فـي نفسـي, لكن وقعهـا علي
أصبـح مختلفـا حيـن أصبحـت واحـدة مـن أولئـك
المعتقـالت.
فجـأة وجدتهـم يحيطـون بـي مـن كل جانـب وأنـا
فـي بيتـي, حوالي عشـرة مـن رجال األمـن الضخام
يحملـون رشاشـات ويحملـون معهـا كل مالمـح
الحقـد والقسـوة, اقتحمـوا البيت وكأنهـم يداهمون
وكـرا لعصابـة مـا, ألسـاق بعدهـا إلـى إحـدى
المقـرات األمنيـة، ألبـدأ فصـال جديـدا مـن حياتـي،
لـم يكـن يومـا ليخطـر فـي بالـي.
كانـت رائحـة كريهة تفـوح من القبو الـذي أنزلوني
إليـه, لـم أسـتطع تمييـز الرائحـة لكننـي عرفـت
بعـد ذلـك أنهـا رائحـة الجـروح المتعفنـة والملتهبة
ورائحـة المـوت الـذي يفـوح مـن الجثث المتفسـخة
مـن شـدة التعذيـب, وأكثرهـا فوحـا كانـت رائحـة
الحقـد الـذي لـم يـر لـه مثيل.
وبعـد أن أخـذوا كل أغراضـي الشـخصية منـي,
أدخلـت إلـى الحمـام ألتعـرض إلـى تفتيـش دقيـق
ومهيـن مـن قبل امـرأة مقنعـة. سـحبت بعدها إلى
غرفـة التحقيـق وأنـا مغمضـة العينيـن بقطعـة من
القمـاش تفـوح منهـا روائـح الـدم والعـرق وأشـياء
كثيـرة أخـرى، وهنـاك تلقيـت الصفعـة األولـى فـي
حياتـي، صفعـة ألقتنـي أرضـا كـي أعتـرف بأننـي
معارضـة خائنـة للنظـام الـذي كان يحمينـي.
كان المحقـق غاضبـا حاقـدا علـي حتـى قبـل أن
يبـدأ التحقيـق, وكان يحمـل كبـال جلديـا عريضـا
بيـده شـعرت بلسـعاته الحـادة فـي التحقيـق األول
حيـن أصـررت علـى نفـي االتهـام وإنـكاري لـه,
ورأيتـه بالتحقيـق الثانـي حيـن سـمح لـي برفـع
الغطـاء عـن عينـي, وكان السـجان الضخـم الـذي
معـه يحمـل واحـدا آخـر يلـوح به مبتسـما وممسـكا
بـه بـكل قـوة كأنـه شمشـوم الجبـار المتمسـك
بشـعره سـر قوتـه، مسـتعرضا عضالتـه بـه
ببعـض الضربـات التـي كان ينهـال بهـا علـي بيـن
الحيـن واآلخـر حيـن أصـر علـى موقفـي وال أتكلـم
بمـا يرغبـون. لـم أشـعر باأللـم بقـدر مـا شـعرت
باإلهانـة، والسـيما مـن الـكالم الجـارح والبـذيء
الـذي كانـوا يوجهونـه لـي بـكل الحقـد والكراهيـة.
وبعـد كل تحقيـق كنـت أعـاد إلـى غرفـة الفتيـات
اللواتـي كـن يتلهفـن علـى أي خبـر مـن الخـارج,
فقـد كـن معـزوالت عـن العالـم الخارجـي تمامـا,
كلهـن كـن متهمات بأعمـال تخل بالنظـام وتخون
البلـد – علـى حـدّ قولهـم-, بعـض منهـن كان قـد
مضـى عليهـن أكثـر مـن سـتة أشـهر مـن دون أن
يعلـم أحـد فـي الخـارج عنهـن شـيئا, كـن قابعـات
فـي تلـك الغرفـة الصغيـرة التـي تحـوي أكثـر مـن
خمـس وعشـرين فتـاة، مـن طبيبـات ومهندسـات
وموظفـات ومعلمـات، وربـات بيـوت ومـن مختلـف
األماكـن, كانـت الغرفـة ال تتسـع لنـا لننـام جميعـا
فـي الوقـت نفسـه، فكنا نتناوب علـى النوم أو على
االضطجـاع فقـط.
كانـت أصـوات صرخات الشـباب الدائمـة والضربات
التـي تهـز األرض قبـل أجسـادهم وتعرضهـم
لمختلـف أنـواع التعذيـب الواضـح مـن خـالل
صرخاتهـم المختلفـة تمنعنـا مـن النـوم, لـم يكـن
ً بالحقـد والكراهيـة,
تعذيبـا عاديـا، كان ممزوجـا
حقـد مـن نـوع غريـب ال يمـت لإلنسـانية بصلـة،
بعـد هـذا التعذيـب كان بعض منهم يصـرخ قائال:
»سـأعترف وأوقـع لكـم بمـا تريـدون, تريـدون
أن أقـول أننـي إرهابـي.. قاتـل.. خائـن وأقبـض
األمـوال.. مغتصـب.. أي شـيء فقـط ارحمونـي«,
وفعـال كانـت السـياط تتوقـف ليملـوا عليهـم مـا
يكتبـون، وأحيانـا كثيـرة حيـن يرفضـون التعـاون،
كان التعذيـب يسـتمر بالتنـاوب بين السـجانين من
دون كلـل أو ملـل، وكنـا ومن خالل فتحـات التهوية
عبـر البـاب نـرى عـددا مـن جثـث الشـباب الذيـن
قضـوا تحـت سـياط حقدهـم األسـود، وقـد ألقيـت
جانبـا بـكل إهمـال وسـعادة للتخلـص منهـا.
أمـا الحيـاة داخـل تلـك الغرفـة الصغيـرة التـي ال
يدخلهـا ضـوء وال يعرف الوقت فيهـا إن كان نهارا أو
ليـال, فقـد كان لها إيقاع يغيـر حياة كل من يدخلها,
بدايـة هـذا التزاحـم علـى المـكان الصغيـر للنـوم,
والطعـام الـذي بالـكاد يسـمى طعامـا، والمؤلـف
أغلـب األحيـان مـن البرغـل أو الـرز المسـلوق قليال
مـع قطعـة مـن الباذنجـان المسـلوق أيضـا. وضـع
جعـل الفتيـات اللواتـي مضـت مـدة طويلـة علـى
وجودهـن فـي المـكان »وأغلبهـن مـن فئـة مثقفـة
» يتصارعـن علـى بعـض المكاسـب مـن بضعـة
سـنتيمترات قليلـة إضافيـة للنوم أو مقـدارا إضافيا
مـن حصتهـن فـي الطعـام, كنـت غالبـا أعطيهـن
مكانـي لينمـن، وأجلـس طـوال الوقت أبكـي وأدعو
ألولئـك الشـبان الذيـن ال يتوقـف صـوت صراخهـم
المحمـوم مـن أثـر التعذيـب الوحشـي.
لـم يحـدث يومـا أن نمـت أكثـر مـن بضعـة دقائـق
متواصلـة فـي لحظـات قليلـة نـادرة مـن توقـف
الصرخـات, كنت أخـاف إن طال بي المقـام أن أعتاد
هـذي األصـوات فـال أسـتطيع النـوم مثلمـا حصـل
مـع بعضهـن, أو أن أعتـاد رؤيـة جثث الشـباب وهي
تخـرج مـن الغرفـة المقابلـة لترمـى فـي الممـرات,
كنـت أخـاف أن أتصـارع فـي يـوم مـا مثلهـن علـى
مـكان للنـوم أو قطعـة الخبـز, هـذا مـا يريدوننـا
أن نتحـول إليـه, أن ننسـى مـن نحـن ولـم خرجنـا،
هـذا مـا كانـت الفتيـات يقلنه بعـد أن يهـدأن. كان
الصـراع علـى هـذي األشـياء يخرجهـن مـن حـال
انتظـار المجهـول, ويشـغل عقولهـن عـن التفكيـر
بمصيرهـن لـو قـرر سـجانهن أن يبقيهـن فـي هذا
المـكان, أو لـو حصـل هجـوم مـن الثـوار وقضيـن
هـن فـي االشـتباكات بيـن الطرفيـن, أو .. أو ..
احتمـاالت ال تنتهـي وسـط جـو ال يتوقـف ليـل نهار
عـن ترداد صرخـات وأنين المعتقليـن ورؤية الجثث
التـي تجـر خـارج مهاجـع الشـبان كل يـوم.
كان صـوت مـزالج وقفـل البـاب يبـث الرعـب فـي
قلوبنـا جميعـا, الكل يجلـس ليعرف علـى من الدور
فـي التحقيـق، لتخـرج المختـارة مرتجفـة تصاحبها
دعـوات الجميع.
وألقيـت بعـد إحـدى جـوالت التحقيـق بالسـجن
االنفـرادي تأديبـا لـي وعقوبـة علـى تغييـر بسـيط
لكلمـة من أقوالـي, لكنها كانـت التجربة األروع في
حياتـي, إذ كنـت فيهـا فـي خلـوة للصـالة والدعـاء
والمناجـاة بعيـدا عـن أعينهـم المتربصـة لـكل من
يجـرؤ علـى أداء الصـالة أو حتـى الدعـاء، فقويـت
عالقتـي مـع اهلل، وأعـادت لـي الصفـاء الذهنـي
ألعيـد ترتيـب حياتـي وأولوياتهـا.
لـم يكـن ينغـص علـي خلوتـي إال ذاك السـجان
صاحـب النظـرات المخيفـة الـذي كان يطـل مـن
نافـذة البـاب الصغيـرة، كنـت أرتجـف حيـن أسـمع
صوتـه أو أسـمع أصدقـاءه ينادونـه باسـمه،
فأتظاهـر بالنـوم وأغطـي وجهـي بـذاك الغطـاء
الملـيء بالحشـرات الصغيـرة التـي أكلت أجـزاء من
أجسـادنا، التـي كانـت بالنسـبة لنـا العـذاب األكبـر،
ومـع هـذا كانت تلـك الحشـرات أرحم بالنسـبة إلي
مـن نظـرات ذاك السـجان المخيفـة. وخرجـت بعـد
شـهر ألتنسـم رائحة دمشـق التـي ال تضاهيها أيّة
رائحـة عطـر فـي هـذا العالـم, لكنهـا كانـت تصرخ
مسـتغيثة، وهـي تتلـوث بروائـح الظلـم والحقـد
واالسـتبداد حتـى تـكاد تختنـق.
مـا يحـدث فـي غياهب سـجونهم هـو أكبـر وأعظم
مـن أي وصـف، ربمـا تمكنـوا مـن سـجن كل هـؤالء
خلـف القضبـان، لكنهـم لـم يتمكنـوا مـن إيقـاف
عزيمتهـم وإصرارهـم علـى النضـال والكفـاح مـن
أجـل محـو هـذا الظلـم واالسـتبداد المنبعـث مـن
نفـوس البشـرية وال تمـت لإلنسـانية بصلـة.
فتوقفـوا عـن عـد الشـهداء كل يـوم، ألنهـم قـد
رحلـوا إلـى خالـق كريـم رحيـم ال يظلـم, لكـن
أحصـوا عـدد المعتقليـن، فـأوالء قـد وقعـوا بيـد
عـدو جبـان مسـعور ال يرحـم، فالحريـة للمعتقليـن
والمعتقـلات كله.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s