Monthly Archives: نوفمبر 2013

(10) يكبرني بخمسة عشر عاماً، فهل أتزوجه؟

استشارة:

ما رأيك بزواج الفتاة بمن يكبرها بخمسة عشر عاماً؟

والجواب:

كنت أستهجن جداً زواج البنت بمن يصغرها بيوم، أو بمن يكبرها بأكثر من عشر سنوات، وأراها كبيرة من الكبائر. وكنت أرى الفرق المثالي بين الزوجين من خمسة أعوام إلى عشرة.

ولكن الأحكام تتغير بتغير الأزمان، فلما رأيت مشقة الحياة، وتعذر الحصول على زوج جيد في الزمن الصعب، لنت في الموضوع. ورأيت فرق العمر تابعاً للظروف والملابسات وتابعاً لذوق ورأي كل فتاة فتحدده هي حسب رغبتها، ورأيها. فهو راجع لها.

ولكن الحقيقة أن فرق العمر يحدده الواقع فإذا جاء للفتاة شاب جيد وعلى دين وخلق، فهل توقف الزواج من أجل فرق العمر؟

بالطبع: لا.

ومما عزز قناعتي الجديدة تجارب الناس حولي، فخالتي الشهيدة بنان الطنطاوي -التي تزوجت رجلاً يكبرها بستة عشر عاماً- لم تشعر بهذا الفرق الكبير بالسن، فكانت قريبة منه بفكرها وآرائها، وكانت سعيدة في حياتها، وكذلك خالتي الصغرى تزوجت رجلاً يكبرها بستة عشر عاماً واستطاع أن يتفهمها ويكرمها ويتفاعل معها .

وحولنا تجارب كثيرة ناحجة؛ ولكن الناس يخافون من تزويج الكبير لكيلا تصبح بنتهن ممرضة لزوجها أو تترمل باكراً، فالأنثى تعيش مدة أطول وتكون صحتها أقوى وأفضل، فكيف إذا كان زوجها أكبر؟ هذا يعني أنها ستعيش من دونه مدة أطول. ولكن الغريب أن خالتيّ الاثنتين توفيتا من قبل وتركتا من خلفهما أزواجهما، وبقي زوج خالتي بنان وحيداً ثلاثاً وثلاثين سنة، وبقي زوجي خالتي الأخرى خمس سنوات وحيداً، وما زالا (أطال الله في أعمارهما). وسمعت عن طبيب مشهور ومعروف تزوج فتاة بعمر حفيدته، وحزن الناس عليها، فعاشت معه سنة وماتت من سنوات وما زال هو على قيد الحياة. فسبحان الله

هذا الواقع الحي غيرني فحدثت نفسي! وأصبحت لا أرى مانعاً من فرق العمر.

وصارت نصيحتي الجديدة: إذا وجدت الإيجابيات الكافية في الشاب فلا تترددي ولا تتوقفي، ولا تجعلي فرق العمر ذريعة لرفض الشاب الكفؤ والمناسب بكل الصفات الأخرى.

إلا تفعلي تكن فتنة بالأرض وفساد كبير.

Advertisements

(8) رسالة من أخت فلسطينية

أرسلت أخت فلسطينية على بريدي الخاص ما يلي:

تعقيباً على فيديو فترة مسائل اجتماعية … المنشور على الرابط الأتي:
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ابتداء أستاذتي الفاضلة عابدة اسمحي لي أن أعتبركِ في مقام والدتي الغالية فأناديك بيا أماه؛ ثم تقبلي مني الشكر الجزيل على ما تفضلتِ بهِ من إمتاعنا بشيءٍ من أريجِ وعبير ذكرى الشيخ الطنطاوي – رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح الجنات ورزقه عاليَ الدرجات – …

ثمَّ بالفعل كان لحديثكِ جميلُ الأثر، … ولكن….

إن ألفي قذيفةٍ من كلامٍ ******* لا تساوي قذيفةً من حديدِ.

كانت تطرق أسماعي هذه الكلمات والنصائح التي قدمتها، يوم كنتُ أعيش في الإمارات ثم انتقلتُ للعيش في السعودية، ولما انتقلتُ للعيش في غزة الأبية – التي لا تفارق سوريا بكثيرٍ في أحداثها – منذ سنةٍ ونصفِ السنة، وشهدتُ فيها الحرب التي أطلق عليها المجاهدون اسم (حجارة السجيل) وأطلق عليها العدو اسم (عامود السحاب) والتي استمرت لمدة ثمانية أيام كانت فيها القذائف والصواريخ (صواريخ الإف ستة عشر) تنهمر علينا ومن حولنا، بأصواتٍ مرعبة، لم نعهدها، وكانت تصيب الأطفال بالفزع، وربما الكبار، وأنا شخصياً كنتُ أصاب بالفزع؛ غير أن أمي وأبي وعدداً من الإخوة الذكور كانوا قد اعتادوا، أو انهم باعوا أنفسهم لله – جل وعلا – وقد قضوا مآربهم من الدنيا، بخلاف من كانت ترفل في زينة الشباب، وتحمل همَّ المستقبل، ولها أطفال تتمنى أن تراهم ملء السمع والبصر، فكان الأمر شديداً عليها، وأدركتُ يومها قيمة النعمة التي كنتُ فيها في الخليج حيث الأمن والأمان، وأدركتُ بالفعل قول القائل: (ما أسهل الحرب على النظارة، وما أقساها على الذين يستعرون بنارها، ويذوقون لظاها)….

آه يا أماه! أصيبتْ زوجة خالي في الحرب وهي شابة لا أحسبها تجاوزت الخامسة والثلاثين من العمر، فأقعدتها الإصابة، وطُلِبَ لها العلاج، فقال الأطباء: أن علاجها هو الانتظار وربما يكون على الأمد الطويل لأن الحبل لم ينقطع رغم انكسار بعض فقرات العمود الفقري التي يوشك أن تلتحم وتلتئم، وأغرب ما في الأمر هو ثبات زوجة خالي وصمودها وارتفاع معنوياتها، وأنا التي بكيتُ لها وتألمتُ، وهي تعمل في حقل التدريس، ومع ذلك طلبت أن تعود إلى العمل رغم أن راتبها يصلها حتى وإن تغيب لعذرها كمصابة حرب؛ إلا أنها أصرت على العودة، وهي الآن تعمل في المدرسة القريبة من منزلها وهي على الكرسي المتحرك، ولكن المدرسة حولتها إلى العمل الإداري، وهي تكاد تمارس حياتها بتلقائية رغم ما هي فيه من عذاب شديد، وأي عذابٍ أشد من أن يحبس الإنسان في الكرسي المتحرك – أسأل الله العافية – لو كنتُ مكانها لقتلتُ نفسي – عياذا بالله -…. أتظنين كل كلمات الدنيا تستطيع مواساتها في محنتها، (اللهم لا تبتلينا فإن عافيتك هي أوسع لنا)..

أماه…. إني لأستحي أن أخبرك

 أماه…. إني لأستحي أن أخبرك بكون تأثير كلامك أعظم وقعاً لو كان واقعاً حياً مُعاشاً مطبقاً في الديار الشامية، وإلا فيستطيع المتربصون والمشككون و محبوا السلامة – من أمثالي – أن يقولوا ما أسهل الحرب على النظارة، ولو كانت الكلمة تحت وقع القذائف، وأصوات الرصاص، فنرى ثبات الأبطال والجبال!!! لا أقصد الإساءة – والله – ولكني أحبُّ السلامة والهدوء والقراءة والأدب والشعر، والهوى، وأن أبادل زوجي الغرام، وأقبل وجه صبيي وأنا أشعر بالأمن والأمان، وأن أكمل دراستي الجامعية والعليا، وأن تسير سفينتي هانئةً وادعةً تمخر عباب بحر الحياة، دون أن أفجع بفقد أحدْ، أو ذهاب ما أحبُّ ومَنْ أحبُّ!! فهل هذا كثير…

تذكرين يا أماه أن الحياة إنما هي المصائب والكوارث، فأخبريني لماذا حياة من يعيش في الخليج غاية في الهناءة والوداعة، ويعيش الإنسان ويمشي في طريقٍ لاحبٍ واضحٍ بينٍ لا يذعره شيءٌ ولا يقطعه عن الوصول إليه شيءٌ إلا كسلهُ وقلةُ سعيهِ فقط!! فلا يعاني الأهل هناك من حروبٍ وأهوال، وهم يحتارون في المال كيف ينفقونه ويتخلصون منه، البيتُ يحوي سيارة لكل (ولد) [وقصدتُ التعبير بفظ ولد] والوقود بسعر التراب، وفي عدد من البلدان الناس لاتقوى على أثمان السيارات، ومن قوي عليها لم يقوَ على سعر الوقود!!

يا أماه … قد تتحدثين من بلدٍ وربما لم تشعري في حياتكِ بشعورِ أمٍ وهي تغطي صغيرها على فراش النوم، ويحدثها عن رغبته في سيارة أو سلعة أو غير ذلك من أمور هذه الدنيا ، ويتساءل لماذا لم يشتر لنا أبي شيئاً  من ذلك، فلا تجد الأم إلا أن تخادعه وتمنيه بمستقبل الأيام، التي لا ترجو منها إلا الآلام، وتشفق على ما سيلقاه صغيرها إن عاش، وتشفق على نفسها من موت صغيرها، وأما إن أصيب بعاهة فذلك حريق القلب، ودمار النفس، وأسى الروح الذي لا سلوان له!!!!

أماه … أقولها صريحةً … ما يفعله الكثيرون ممن يحدثوننا ويطالبون الناس بالصبر؛ ما هم إلا مخادعون كما تخادع الأم صغيرها.!!!

أماه .. (باللهِ لا تخادعونا!!!)

أودُّ الاسترسال و(الفضفضة) ولكني أخشى بقوة أن تنقطع الكهرباء، فيضيع جهدي هباءً منثوراً ولا تصلُ إليكِ رسالتي التي سأفرح لو علمتُ أنكِ قرأتها – حفظك الله وبارك فيكِ وأمتع بحديثك ونفع بك – …

أماه … (أقسمُ أني لا أقصد أي إساءةٍ  أبداً، وإن حصل فأنا أعتذر عن ذلك ابتداءً وانتهاءً )

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أميمة –

فلسطين الأسى

بجوار سوريا الجريحة

بنيتي الغالية
يسعدني أن تناديني أمك، رضي الله عنك وأرضاك
ورسالتك أثارت شجوني وأسالت دموعي
ولكن هل تظنين من يعيش في غربة ينام ويصحو آمنا مطمئناً؟
وهل تظنين من يتهمونه بأنه يُفقر أهل البلد ويأكل رزقهم سوف يهنأ باله ويسعد؟
لقد ولد أولادي بالغربة وعاشوا في الغربة ولم يعترف بهم الشعب ولا الحكومة، نبذوهم واتهموهم بأنهم أجانب غرباء وآذوهم بالتعيير والضرب والكلام الجارح في المدرسة وبضع مرات في الطريق. ومنعونا من التسجيل في مدارس الحكومة وأثقلونا بمصاريف الإقامة، وأشياء كثيرة حرام علينا وحلال على أبناء البلد. وعشت هنا وأنا مهددة بأني أجنبية سوف يُلغى عقدي يوما وأجبر على المغادرة. ويزداد هذا التهديد يوماً بعد يوم.
عشت حياة الحرمان والشوق إلى الأهل والأوطان، وفقدت أجمل البقاع إلى قلبي دمشق،
فالغربة قدر صعب يابنيتي كما  البقاء في البلد المهدد والمحتل صعب أيضاً
نحن لا نحصل على العمل الجيد ونقيد في كل كل حركة، ونحن نعيش في سجن كبير فلا تخرجين إلا بإذن ولا تجلسين فيه إلا بإجرة…
ستقولين وما الذي دفعك لهذا فأقول لك: رماني على المر الذي هو أمر منه:
فماذا عساني أن أفعل؟ وقد هاجرت من دمشق منذ 32 سنة؟ كنت صغيرة واختار جدي عني الرأي وتصرف بلا مشورتي، وجاء بي إلى المملكة،كما جاء هو من قبل، (فلا تنسي أن جدي نفسه آثر الهجرة وترك سوريا واستقر هنا).
ولما جئت أحببت صحبة وتمنيت رفقته والاستفادة منه فاستسلمت وبقيت في الغربة، فلما مات كنت قد تآلفت مع البلد وتعودت عليها، وبقيت العائلة بالغربة فبقيت معها، ولم يعد في بلدي لي مكان، فأين أذهب؟!
وهذا قدر الله أن يجعلني بالخارج يوم قامت الثورة ويجعل غيري في الداخل، قدر لا نملك له دفعاً. وفي كلا الحالين لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، وكم من ناس هربوا خارج البلاد فماتوا أو فقدوا أطرافهم أو خطفوا، وإن قدر الله واقع بنا لا محالة، فأين المفر منه؟
وسأقول لك شيئا مهما:
لا يجوز أن نقيس من عاش في الغربة دهراً وغادر بلده مبكرا بمن ترك البلد من سنوات قليلة، وتركها بعد الثورة المباركة المستمرة، فأيام الثورة الأولى في الثمانيات لما هاجرنا كان الوضع مختلفاً وكان استمرار الثورة مستحيلا، أما اليوم فالاتصالات وحماس الناس والعمل الدؤوب أنتج شيئاً مثيراً وتحررت البلدات والمدن وتقدم الثوار وتزلزل النظام.
ولو كنت هناك في الداخل لما خرجت، ولبقيت في دمشق ولم أغادر، ولكني كنت من الأصل مهاجرة، فبقيت في الخارج. فكيف تصفينني بأني من القاعدين المتقاعسين؟!
وأصبحتُ بعد الثورة بين خيارين:
1-الصمت ليكلا أسمع ما سمعته منك الآن؟
2- أو الكلام والنصح وتثبيت المؤمنين في الداخل. والقيام بجهد المقل؟
فاخترت الثانية
وإن الجهاد فرضه الله على الرجال، ونحن النساء نداوي الجرحى ونعمل في الصفوف الخلفية، وهذا ما نفعله ونحن في الغربة، إننا نعمل بقدر طاقتنا، ولولا دعمنا الخارجي، وما نجمعه من الطعام والمال واللباس لسقطت الثورة أو تعثرت، فلا تشكي بنوايانا ولا تستهيني بجهدنا، ولا تستقلي عذاباتنا. وكل ميسر لما خلق له.

هل يحق لأهل زوجي توجيه طفلي؟

السؤال:

السلام عليكم سيدتي الفاضلة

أرجو منك النصيحة:

عندما أزور أهل زوجي يتصرف ابني ذو الأربع سنوات بطريقة غير جيدة، فتوجه له جدته أو جده ملاحظة؛ فأبرر لهم -أحياناً- سلوكه (لأنني أفهم ماذا يقصد ابني)، وأحياناً أسكت، فأيهما الأفضل؟

أريد حلاً ينفع ابني ويخفف من المشاكل. ولك كل الشكر…333

 

والجواب:

الطرف الثالث مهم جداً في التربية، وهو يعوض نقص توجيه الآباء والأمهات، ويعزز القيم التي يزرعانها، فيكون من الحكمة ألا تقولي أي شيء، وتتركي الحفيد لجدته وجده ليتصرفا معه، فلهما عليه بعض الحق، خاصة وهو في بيتهما.

 ومع الأيام سوف يفهمانه ويعرفان الأسلوب الجيد للتصرف معه، وابنك سوف يكبر ويتعلم طريقتها وقوانينهما، وسيتقبل بعضها،  وسوف يدرك الصغير إن كانا يوجهانه حقا أم فقط يضيقان عليه.
هذا الأصل وهو التصرف الصحيح.
ولكن بعض الأجداد والجدات يفتقدون العدل والتوازن ويظلمون الصغير، لأسباب:
1- بعض الحموات ينتقمن من كنتهن في هذا الصغير، إذا كانا لا يحبانها.
2- يتضايقون من أحد الأحفاد لنشاطه الزائد فيضيقون عليه أكثر من غيره ويظلمونه زيادة عما يستحقه (من عقوبة أو توجيه).

ومن هنا تبرز المشكلة الكبيرة؛ وعلى كل أم حماية ابنها لكيلا يتعقد نفسياً، وأنصح بالتالي:

1- قللي من ذهابك إليهم وتذرعي بأي سبب. مثل حرصك على راحة حماتك، وخوفك من إزعاج الصغير لها… وابقي في بيتك.

2- وحين تذهبين إليهما اقضي الوقت بمراقبة ابنك، واحرصي ألا يؤذي أو يزعج.

3- وكما ذكرت؛ أنصحك بالسكوت إلا إذا تسبب سلوكهما بظلم لصغيرك أو هضم له، أو سبب له الحزن والألم فساعتها تدخلي، واحمي صغيرك:

أ- تدخلي بحسم وحزم، ولا تسمحي بأن يتعقد ابنك، والتدخل يكون بأن تقولي لحماتك مباشرة: “أشعر بأن صغيري أزعجك، فاسمحي لي أن أتصرف أنا وأعاقبه”، ثم خذيه للغرفة الأخرى وغيبي به مدة وكلميه، ثم ارجعي.

ب- وإذا صدف وحدث موقف، وسبقت حماتك ولامت الصغير، فتغاضي عن الموضوع حين يكون الأمر بسيطاً، وكلميها بوضوح مرة أخرى حين يكون الموقف متحاملاً، فقولي لها بينك وبينها: هذا العلاج لا يناسب الصغير ويجعله يتمادى  في البيت، وليتك تغيرين هذا الأسلوب بالتعامل معه… وأعربي عن مشاعرك وبقوة.

ج- واطلبي من زوجك مساعدتك مع أهله، وكلامه هو معهم أقرب لقلوبهم، وأجدى.

 د- وكوني بشكل عام لطيفة مع حماتك وأهل زوجك، وزيارتك لهم مهما طالت قصيرة وهي ساعات وتنقضي.
 وإن المرأة تملك البيت، وإذا استطعت إرضاء حماتك فقط، رضيت وأرضت عنك جميع أهل بيتها (عمك وسلافك وسلفاتك وأولادهم). وإن كنت لا أخفيك: أن إرضاء الحماية هو أصعب شيء من أهل الزوج!
هذه نصائح عامة وسوف تعينك إن شاء الله.

الوضع في دمشق

دمشق تعيش في تناقض مريب، شوارع خالية ومدن خاوية وبجوارها تماما على طرف الأوستراد شوارع مزدحمة ومدن مسكونة فيها الرائح والغادي، وفي المدينة نفسها أحياء مدمرة بالكامل وأحياء عامرة، حيٌ طبيعي يبيع الناس فيه ويشترون ويتنزهون (ولا أدري كيف يفعلون وإخوانهم يموتون!؟)، وفي الحي المجاور له يُحاصرون ويجُوعون ويُقتلون
أكثر الرجال بلا عمل، والأسعار في غلاء، حتى المنتجات المحلية أسعارها خيالية. وأصبح بعض الطعام من الكماليات، الكهرباء تنقطع 12 ساعة متواصلة، والغاز أصبح ذكرى جميلة.
الناس معكتفة في دورها لا تخرج إلا لضرورة ملحة، وبعد المغرب تفرغ أكثر الطرقات، واقتصرت أحاديث الناس عن المآسي والحرمان، فهذه بيتها تهدم وسُرق، وهذه وصلتها قذيفة ودخلت البيت فقطعت أصابع ابنتها الصغيرة ولم تستعاد…
شوارع كثيرة أغلقت، والانتقال من حي إلى حي يستغرق ساعتين، والمشي أصبح أسرع وأسهل. الحواجز التي تملأ الشوارع، والقائمون عليها يختلفون؛ وفي المناطق الراقية يعاملون المارة بشيء من الاحترام، وفي المناطق الأخرى بكل الازدراء. والإيرانيون يقفون عليها بوقاحة، وقد يقف المرء ساعة ونصف الساعة ليمر على حاجز واحد، العلويون يضعون بين كل حارة وحارة لجان شعبية منهم ومن حزب الله ومعهم سواطير، الخطف مألوف والفدية غالية، ويوقفك الحاجز الطيار فلا تدري هل هو النظام أم الشبيحة. وقد يخطف المرء أكثر من مرة. والاعتقالات والمداهمات لم تتوقف.
يدقون على البيوت الفارغة يوما أو يومين فإن لم يجدوا أهلها فيها أسكنوها الشبيحة، بل أخرج النظام أهل حي الميدان والزاهرة من بيوتهم قسرا وعلى حين غرة وأسكن فيها أعوانه، واستأجر البيوت الفاخرة المشرفة على الفروع الأمنية غصباً عن أهلها.
في بعض الأحياء المستهدفة هَبّطوا بيوتا على أهلها وهم في داخلها بلا إنذار ولا تهديد مسبق، وكأنه زلزال، رائحة الدم ملأت المكان، وسال الدم في الطرقات كما سال أيام المغول والتتار..
وكان أهل الشام يستدلون على بيوت بعضهم بعضا بأسماء الشوارع والدكانين، وباتوا اليوم يستدلون بأسماء الفروع الأمنية وأماكن التفجيرات…
كل هذا ومازال بعض الناس يؤيدون النظام.
واستخلصت من كلام رفيقتي أشياء مهمة:
1- أصبحنا نعيش بالبركة وإذا خرجنا لا ندري سنعود أم سنموت، أصبح التخطيط خارج قدراتنا وطاقتنا، ولا ندري ماذا يحدث بعد ساعة، الآن أدركنا معنى التوكل الحقيقي.
2- اكتشفت قوة الإنسان وقدرته الهائلة على التكيف، فبعد القتل والحرق والهدم والتخويف والتجويع… يعيش الناس ويتأقلمون ويبيعون ويشترون ويتزوجون، ويخترعون ويبدعون وسائل جديدة لتجاوز الأزمات
3- عادت الحياة في سوريا لبساطتها القديمة، وابتعد الناس عن التفاخر بالمظاهر والماركات (الذي غزاهم من قريب فأفسد حياتهم وقسم المجتمع نصفين).

وهل تعلمون أن النظام السوري يشن حملة شرسة على نساء الغوطة؟

يفتش كل امرأة تمر على الحاجز، ويفتش كل شيء بما تحمله هذه الكلمة من معاني خفية ومخجلة ومسيئة.
ومن اكتشفوا معها المال أو الخبز مصيرها الاعتقال، ومثلها من كان في جوالها صورة شهيد أو خبر ثوري… أمسكوها هي ومن يرافقها، وسيقت هي ومن معها إلى المعتقلات، وفي السجن أطفال صغار وعائلات كاملة.

يسوقونهن إلى المعتقلات، وهي أشكال وفروع ومسميات:
(1) فرع أمن الدولة الذي أصبح أخفها وطأة
(2) والجوية التي بدأت تتراجع عن شدتها
(3) والمهام الخاصة التي أصبحت أكثرها بأساً وتنكيلاً، ومن يدخلها ليس بخارج منها، إلا أن يشاء الله ربنا

في السجن الضرب المبرح، والتعذيب الشديد، و”الشبح” وهو أشدها ألماً وقسوة، حيث تترك المعتقلة معلقة من يديها أو من رجليها لساعات أو أيام، وقد تُضرب وهي على هذه الحال. ثم تنقل للمنفردة لأيام، ثم يفرج عنها، وقد لا يُفرج عنها وتبقى عندهم سنوات.

الاغتصاب غير موجود في دمشق، والكاميرات تملأ المكان للتأكد من ذلك الأمر!
قالت الفتاة المفرج عنها: أمن الدولة بالمقارنة مع المهام الخاصة يعامل الفتيات بطريقة جيدة! يحقق باحترام ويضرب باحترام ويعذب باحترام… من باب “بعض الشر أهون من بعض”!

وليس من أجل الفتيات وإنما حرصاً على البقية الباقية من سمعة النظام. وذكرت إحدى المعتقلات أنها صرخت على سجانها تثأر لكرامتها فلكمها على أنفها، وبدأ يدوس عليها في محاولة لإيذائها، فلما تذكر الكاميرا أقلع عن هذا. وخاف!

ويقولون: أن الخطر الحقيقي والسوء الأكبر من اللجان الشعبية؛ الذين يسرحون في البلاد بلا ضابط ولا قانون ويكثرون فيها الفساد، (وأكثرهم من العلويين والإيرانيين وبعض الخائنين)، وهم الذين يخطفون الناس ويطلبون الفدية، ويؤذون على الحواجز، وقد يغتصبون ويسرقون ويضربون

وكان في السجن فتاة تهمتها خطيرة إغاثة المحاصرين، رموها في الزنزانة وقالوا لها: “ستموتين هنا لا محالة، وليس إلى خروجك من سبيل، وسوف تودي بك إلى المؤبد وربما حبل المشنقة”. ركنت الفتاة لمصيرها، وأصبحت تكتفي بمراقبة الإفراج عن زميلاتها وهي جالسة تنظر إليهن وهن يتبادلن أرقام الهواتف ويهنئن بعضهن بعضا بالإفراج، ولا يعرنها التفاتاً أو يجاملنها هي الأخرى بسؤالها عن رقم هاتفها، وما فائدة المجاملات إذا كان مصيرها محتماً؟! أساؤوا معاملتها كثيراً فاشتكت للمسؤول المباشر عنها، فطلب منها كتابة تقرير عن الوضع في السجن! فأخرجوها! وهذا من الكرامات وعجائب السجون.

وتقول الفتاة: “الإفراج الأخير قام عليه رجل مشكوك في أمره، ويميل المقربون منه لأنه عميل للنظام السوري. هو اختار أسماء الفتيات المفرج عنهم أخيراً ويرجح أن وراء اختياره سر كبير، تساءل الجميع عنه ولم يتفطن إليه أحد بعد. الناس قالوا: منفعة، وقالوا مبادلة، وقالوا بسبب الطائفية، وقالوا لتلطيف الجو… ولكنه: لأمر آخر أخاه الرجل ولم يبده لأحد.

ما الرأي بتسبيق الطالب صفاً؟

السؤال:

السلام عليكم..

مارأيك بتسبيق الصغير صفاً أو أكثر بالمدرسة؟ خاصة إن أبدى نبوغاً أو تفوقاً؟

وهل تترتب على ذلك الآثار السلبية؟

والجواب:

سأجيبك أولا بشكل عام:

أنا من الذين يؤمنون بأن المناهج المدرسية مدروسة بتعمق ودراية، وكتبها متخصصون فاهمون، وخبراء واعون فهي مفصلة على عقل الطالب وفهمه، ولا يجوز إرهاق الصغير بتسبيقه سنة أو أكثر. ومن مدة قريبة قرأت تقريراً يبين خطر ذلك على عقل الطفل وعلى نفسيته، وقد يؤدي للشعور بالنقص أو الإرهاق والمعاناة… وأقله إلى كره المدرسة.

ومن تجارب شخصية داخل العائلة ومع الأصدقاء، وجدت صدق هذا، فمن سَبَّقت أولادها عانت معهم في تدريسهم وفي حفظهم… وتعب صغارها كي يحافظوا على المستوى المطلوب من الدرجات. أما الأطفال الذين دخلوا المدرسة في عمرهم الطبيعي فكانوا أكثر استرخاء وانتاجاً، وأسرع فهماً وأقدر على متابعة الأستاذ، وكانوا يتفوقون ويأتون بالدرجات العالية دون أن يرهقوا أنفسهم.

كانت هذه المقدمة.

على أني لا أنكر أن لهذه القاعدة بعض الشواذ، فبعض الصغار سبقوا صفاً ونبغوا وتفوقوا ولم يعانوا أبداً من صعوبات في الدراسة؛ ولكن ما جدوى هذه العملية؟ ومن أجل ماذا العجلة؟

فأكثر الطلاب يتعثرون فيما بعد بالجامعات ويعانون من صعوبة القبول في الفروع التي يحبونها، ويخسرون سنة أو سنتين من عمرهم، فليخسروها في البداية أفضل من النهاية!

لأنهم حين يسبقون صفاً يخسرون مقابله الاستمتاع بالطفولة واللهو واللعب، ويكونون في ضغط دائم، ومحاصرة من الواجبات والدروس المتراكة. فلا أقل من أن نؤمن لهم الاستقرار النفسي.

ونأتي الآن للحالات الخاصة:

فبعض الأطفال “حالة متفردة”، وسألوني مرة عن طفل متفوق عن جدارة، وكان يستحق الترفع حقاً. فسألتهم: وهل هو كذلك في كل الأمور؟ أم فقط في التحصيل الدراسي؟ أقصد هل تلاحظون عليه في البيت أسئلة متميزة وسلوكا أكبر من عمره؟ وعمقا في التفكير؟ إذا كان كذلك فالموضوع يستحق الدراسة الجدية. وسؤال المختصين عن حقيقة قدراته، وعن الآثار المستقبلية لترفيعه صفاً.

وأنصح أهالي النوابغ بنصيحتين: نصيحة عامة، ونصيحة خاصة:

1- أما نصيحتي العامة: ألآ يُرفّع الأهل ابنهم صفاً إلا إذا ثبت نبوغه حقاً، ويرفعونه صفاً واحداً فقط، لكيلا يُرهق نفسيا حين يرى نفسه أصغر طالب في الصف، ولكيلا يناله الإيذاء من زملائه سواء بالكلام أو الأفعال. هذا عدا عن معاناته الشخصية؛ فالدراسة تبدأ سهلة ويتأقلم معها بسرعة، ثم تصعب كل فصل، وقد يعاني مستقبلاً حين تصعب المواد وتتعقد.

وإني أرى أن يستثمر الأهل نبوغ أولادهم  في شيء آخر، فيوضع الصغير في دورات تنمي مواهبه وتستخرج أفضل ما لديه، وميزة الدورة أنها شهر وينقضي، وأنها تعنى بالاختصاصات، فتكون أقدر وأجدى في تغذية الموهبة والمحافظة عليها. ومن فوائد الدورات أنه يمكن إيقافها، أما قرار كبير “كتسبيق التلميذ” فمن الصعب التراجع عنه لو أثبت فشله، وقد يسبب الإحباط للصغير.

وأما النصيحة الخاصة: إذا ثبت حقاً تفوق أي صغير ورفعه أهله صفاً، فعليهم ألا يرهقوه أبداً بأي تنبيه أو تحذير، وليتركوه على راحته تماماً في الدراسة وكتابة الوظائف وكل المتعلقات، لكيلا يتعقد من المدرسة ويكره الدراسة والتحصيل.

هل للأخت دور في التربية؟

المشكلة:

لدي أخ أصغر مني بـ 6 سنين؛ أي إن عمره 10 سنوات، ويدرس في الصف الخامس، وأخت تكبَرُه بثلاثة أعوام، وهي في الصف التاسع.

أريد منكِ لو تكرَّمتِ أن تذكري لنا دورَ الأخت الكبرى مع إخوتها، خصوصًا في حال تغيُّب دور الأم اللازم، سواء لسبب مرضيٍّ، أو لتقصير، أو لعمل.

والمشكلة أن أختي ليست متفوِّقة في دراستها، وأبي يغضب ويصرخ ويعاتبها، فخافت منه واهتمت بدراستها، ولكنها أصبحت عصبيَّة، وصارت تصدر منها بعض ألفاظ السباب والتذمُّر.

وأخي لم يهتمَّ بضيق أبي من كسله وما زال مهملاً، ولكني لاحظت أن ثقته بنفسه بدأت تضعف، خاصة وأن والدي يقول له: “لن تُفلِح أبدًا”، و”أنت غبي”، ويكررها.

فكيف لي أن أقوم بشيء يساهم في مساعدة والديَّ بالتوجيه، وترغيب إخوتي في الانصياع، وحمايتهم من العُقَد، وإبعادهم عن السب والشتم؟

والجواب:

أعجبَني حرصُك – بنتي الغالية – على إخوتك، واهتمامُك بتوجيههما، وأنت ما تزالين صغيرة، ولا أُخفِيك أن الأخت الكبيرة لها دور كبير في التربية، شاءت أم أبَت، بل لها دوران:

1- دور صامت: بالقدوة، فالصغار يقلدون الكبار بالفطرة.

2- دور فعلي: بالتوجيه والكلام.

فانتبهي لسلوكِك وتصرُّفاتك، وحاولي أن تتجنَّبي الأخطاء الكبيرة، وإذا رأيتِ سلوكًا غير جيد في إخوتك، راجعي نفسك، فلعلهما قد اقتبسا شيئًا منه منك أنت.

أختك سوف تصبح صديقتَك بعد بضع سنوات، وما أجمل الأختَ، وما أحلى دورَها في الحياة!

وهل قرأتِ قصة الأعرابية التي خيَّرها الحجاج بين زوجها وابنها وأخيها؟

فصمتَت المرأة هُنَيْهة، ثم قالت: أختار أخي!

وفوجئ الحجاج من جوابها، سألها عن سر اختيارها، فأجابت:

أما الزوج، فهو موجود (أي: يمكن أن تتزوج برجل غيره)

وأما الولد، فهو مولود (أي تستطيع بعد الزواج إنجاب غيره)

وأما الأخ، فهو مفقود (لتعذر وجود الأب والأم)، فأُعجب الحجاج بحكمتها وفطنتها، فقرَّر العفوَ عنهم جميعًا، وذهب قولها مثلاً.

والشاهد هنا: كيف اختارت أخاها؟

هذه القصة أثارت عجبي من قديم، فكيف تترك ابنها وزوجها؟! وهل الأخ أقرب منهما؟! فلما كبِرْتُ وجدتُ مكانة الأخت كبيرةً، ولا شيء يسدُّ مسدَّها، الأخت تعيش معك، وتواكب سجلَ حياتك، وتعاني ما تعانين منه أنت، وتفهم شخصيتك، وهي الأقدر على التعامل معك ومساعدتك؛ لِمَا يربِطُكما من رحم ومودة وعاطفة جميلة، وأنت الآن قد لا تشعرين بهذا، ولكنك سوف تشعرين به في وقت قريب.

ونصيحتي أن تصادقي أختك، إن لم يكن من أجلها، فمن أجلك أنت، فصداقتها سوف تسعدك، وتخفف عنك هموم الحياة ومتاعبها، وسوف تبعد عنك الاكتئاب والحزن، وتسلِّيك في ساعات الضيق.

فتقرَّبي منها وكوني رفيقتَها، واحكي لها، واسمعي منها، واضحكي معها، وافعلي الشيء نفسه مع أخيك، واقتربي منه وتحبَّبِي إليه.

فإذا فعلت، تمكَّنت من المساهمة في توجيههما نحو الأفضل، وإصلاحهما وتشكيل شخصياتهما، ودعمهما نفسيًّا وعمليًّا.

وأما التفوق والدراسة، فدعِيها جانبًا الآن، وركِّزي على الدعم النفسي، والاهتمام بهما وبآمالهما وآلامهما.

واهتمِّي بالأخلاق، وربِّي عندهما الفضائل، واضربي لهم الأمثلة مما درستِه بالمدرسة، واحكي لهما القصص الطريفة التي تسمعينَها من رفيقاتك، بقصد التربية والتوجيه، فإن فعلتِ ربَّيت نفسك أيضًا وشجعتِها على الخلق والفضائل.

بارك الله فيك، وقدرك على هذا العمل الكبير

جهنـــم الاعتقـــال.. تجربـــة معتقلـــة

نقلا من صحيفة العهد:

معتقـلات فـي سـجون النظـام, كلمـات كنـت
أسـمعها وتتـرك أثـرا فـي نفسـي, لكن وقعهـا علي
أصبـح مختلفـا حيـن أصبحـت واحـدة مـن أولئـك
المعتقـالت.
فجـأة وجدتهـم يحيطـون بـي مـن كل جانـب وأنـا
فـي بيتـي, حوالي عشـرة مـن رجال األمـن الضخام
يحملـون رشاشـات ويحملـون معهـا كل مالمـح
الحقـد والقسـوة, اقتحمـوا البيت وكأنهـم يداهمون
وكـرا لعصابـة مـا, ألسـاق بعدهـا إلـى إحـدى
المقـرات األمنيـة، ألبـدأ فصـال جديـدا مـن حياتـي،
لـم يكـن يومـا ليخطـر فـي بالـي.
كانـت رائحـة كريهة تفـوح من القبو الـذي أنزلوني
إليـه, لـم أسـتطع تمييـز الرائحـة لكننـي عرفـت
بعـد ذلـك أنهـا رائحـة الجـروح المتعفنـة والملتهبة
ورائحـة المـوت الـذي يفـوح مـن الجثث المتفسـخة
مـن شـدة التعذيـب, وأكثرهـا فوحـا كانـت رائحـة
الحقـد الـذي لـم يـر لـه مثيل.
وبعـد أن أخـذوا كل أغراضـي الشـخصية منـي,
أدخلـت إلـى الحمـام ألتعـرض إلـى تفتيـش دقيـق
ومهيـن مـن قبل امـرأة مقنعـة. سـحبت بعدها إلى
غرفـة التحقيـق وأنـا مغمضـة العينيـن بقطعـة من
القمـاش تفـوح منهـا روائـح الـدم والعـرق وأشـياء
كثيـرة أخـرى، وهنـاك تلقيـت الصفعـة األولـى فـي
حياتـي، صفعـة ألقتنـي أرضـا كـي أعتـرف بأننـي
معارضـة خائنـة للنظـام الـذي كان يحمينـي.
كان المحقـق غاضبـا حاقـدا علـي حتـى قبـل أن
يبـدأ التحقيـق, وكان يحمـل كبـال جلديـا عريضـا
بيـده شـعرت بلسـعاته الحـادة فـي التحقيـق األول
حيـن أصـررت علـى نفـي االتهـام وإنـكاري لـه,
ورأيتـه بالتحقيـق الثانـي حيـن سـمح لـي برفـع
الغطـاء عـن عينـي, وكان السـجان الضخـم الـذي
معـه يحمـل واحـدا آخـر يلـوح به مبتسـما وممسـكا
بـه بـكل قـوة كأنـه شمشـوم الجبـار المتمسـك
بشـعره سـر قوتـه، مسـتعرضا عضالتـه بـه
ببعـض الضربـات التـي كان ينهـال بهـا علـي بيـن
الحيـن واآلخـر حيـن أصـر علـى موقفـي وال أتكلـم
بمـا يرغبـون. لـم أشـعر باأللـم بقـدر مـا شـعرت
باإلهانـة، والسـيما مـن الـكالم الجـارح والبـذيء
الـذي كانـوا يوجهونـه لـي بـكل الحقـد والكراهيـة.
وبعـد كل تحقيـق كنـت أعـاد إلـى غرفـة الفتيـات
اللواتـي كـن يتلهفـن علـى أي خبـر مـن الخـارج,
فقـد كـن معـزوالت عـن العالـم الخارجـي تمامـا,
كلهـن كـن متهمات بأعمـال تخل بالنظـام وتخون
البلـد – علـى حـدّ قولهـم-, بعـض منهـن كان قـد
مضـى عليهـن أكثـر مـن سـتة أشـهر مـن دون أن
يعلـم أحـد فـي الخـارج عنهـن شـيئا, كـن قابعـات
فـي تلـك الغرفـة الصغيـرة التـي تحـوي أكثـر مـن
خمـس وعشـرين فتـاة، مـن طبيبـات ومهندسـات
وموظفـات ومعلمـات، وربـات بيـوت ومـن مختلـف
األماكـن, كانـت الغرفـة ال تتسـع لنـا لننـام جميعـا
فـي الوقـت نفسـه، فكنا نتناوب علـى النوم أو على
االضطجـاع فقـط.
كانـت أصـوات صرخات الشـباب الدائمـة والضربات
التـي تهـز األرض قبـل أجسـادهم وتعرضهـم
لمختلـف أنـواع التعذيـب الواضـح مـن خـالل
صرخاتهـم المختلفـة تمنعنـا مـن النـوم, لـم يكـن
ً بالحقـد والكراهيـة,
تعذيبـا عاديـا، كان ممزوجـا
حقـد مـن نـوع غريـب ال يمـت لإلنسـانية بصلـة،
بعـد هـذا التعذيـب كان بعض منهم يصـرخ قائال:
»سـأعترف وأوقـع لكـم بمـا تريـدون, تريـدون
أن أقـول أننـي إرهابـي.. قاتـل.. خائـن وأقبـض
األمـوال.. مغتصـب.. أي شـيء فقـط ارحمونـي«,
وفعـال كانـت السـياط تتوقـف ليملـوا عليهـم مـا
يكتبـون، وأحيانـا كثيـرة حيـن يرفضـون التعـاون،
كان التعذيـب يسـتمر بالتنـاوب بين السـجانين من
دون كلـل أو ملـل، وكنـا ومن خالل فتحـات التهوية
عبـر البـاب نـرى عـددا مـن جثـث الشـباب الذيـن
قضـوا تحـت سـياط حقدهـم األسـود، وقـد ألقيـت
جانبـا بـكل إهمـال وسـعادة للتخلـص منهـا.
أمـا الحيـاة داخـل تلـك الغرفـة الصغيـرة التـي ال
يدخلهـا ضـوء وال يعرف الوقت فيهـا إن كان نهارا أو
ليـال, فقـد كان لها إيقاع يغيـر حياة كل من يدخلها,
بدايـة هـذا التزاحـم علـى المـكان الصغيـر للنـوم,
والطعـام الـذي بالـكاد يسـمى طعامـا، والمؤلـف
أغلـب األحيـان مـن البرغـل أو الـرز المسـلوق قليال
مـع قطعـة مـن الباذنجـان المسـلوق أيضـا. وضـع
جعـل الفتيـات اللواتـي مضـت مـدة طويلـة علـى
وجودهـن فـي المـكان »وأغلبهـن مـن فئـة مثقفـة
» يتصارعـن علـى بعـض المكاسـب مـن بضعـة
سـنتيمترات قليلـة إضافيـة للنوم أو مقـدارا إضافيا
مـن حصتهـن فـي الطعـام, كنـت غالبـا أعطيهـن
مكانـي لينمـن، وأجلـس طـوال الوقت أبكـي وأدعو
ألولئـك الشـبان الذيـن ال يتوقـف صـوت صراخهـم
المحمـوم مـن أثـر التعذيـب الوحشـي.
لـم يحـدث يومـا أن نمـت أكثـر مـن بضعـة دقائـق
متواصلـة فـي لحظـات قليلـة نـادرة مـن توقـف
الصرخـات, كنت أخـاف إن طال بي المقـام أن أعتاد
هـذي األصـوات فـال أسـتطيع النـوم مثلمـا حصـل
مـع بعضهـن, أو أن أعتـاد رؤيـة جثث الشـباب وهي
تخـرج مـن الغرفـة المقابلـة لترمـى فـي الممـرات,
كنـت أخـاف أن أتصـارع فـي يـوم مـا مثلهـن علـى
مـكان للنـوم أو قطعـة الخبـز, هـذا مـا يريدوننـا
أن نتحـول إليـه, أن ننسـى مـن نحـن ولـم خرجنـا،
هـذا مـا كانـت الفتيـات يقلنه بعـد أن يهـدأن. كان
الصـراع علـى هـذي األشـياء يخرجهـن مـن حـال
انتظـار المجهـول, ويشـغل عقولهـن عـن التفكيـر
بمصيرهـن لـو قـرر سـجانهن أن يبقيهـن فـي هذا
المـكان, أو لـو حصـل هجـوم مـن الثـوار وقضيـن
هـن فـي االشـتباكات بيـن الطرفيـن, أو .. أو ..
احتمـاالت ال تنتهـي وسـط جـو ال يتوقـف ليـل نهار
عـن ترداد صرخـات وأنين المعتقليـن ورؤية الجثث
التـي تجـر خـارج مهاجـع الشـبان كل يـوم.
كان صـوت مـزالج وقفـل البـاب يبـث الرعـب فـي
قلوبنـا جميعـا, الكل يجلـس ليعرف علـى من الدور
فـي التحقيـق، لتخـرج المختـارة مرتجفـة تصاحبها
دعـوات الجميع.
وألقيـت بعـد إحـدى جـوالت التحقيـق بالسـجن
االنفـرادي تأديبـا لـي وعقوبـة علـى تغييـر بسـيط
لكلمـة من أقوالـي, لكنها كانـت التجربة األروع في
حياتـي, إذ كنـت فيهـا فـي خلـوة للصـالة والدعـاء
والمناجـاة بعيـدا عـن أعينهـم المتربصـة لـكل من
يجـرؤ علـى أداء الصـالة أو حتـى الدعـاء، فقويـت
عالقتـي مـع اهلل، وأعـادت لـي الصفـاء الذهنـي
ألعيـد ترتيـب حياتـي وأولوياتهـا.
لـم يكـن ينغـص علـي خلوتـي إال ذاك السـجان
صاحـب النظـرات المخيفـة الـذي كان يطـل مـن
نافـذة البـاب الصغيـرة، كنـت أرتجـف حيـن أسـمع
صوتـه أو أسـمع أصدقـاءه ينادونـه باسـمه،
فأتظاهـر بالنـوم وأغطـي وجهـي بـذاك الغطـاء
الملـيء بالحشـرات الصغيـرة التـي أكلت أجـزاء من
أجسـادنا، التـي كانـت بالنسـبة لنـا العـذاب األكبـر،
ومـع هـذا كانت تلـك الحشـرات أرحم بالنسـبة إلي
مـن نظـرات ذاك السـجان المخيفـة. وخرجـت بعـد
شـهر ألتنسـم رائحة دمشـق التـي ال تضاهيها أيّة
رائحـة عطـر فـي هـذا العالـم, لكنهـا كانـت تصرخ
مسـتغيثة، وهـي تتلـوث بروائـح الظلـم والحقـد
واالسـتبداد حتـى تـكاد تختنـق.
مـا يحـدث فـي غياهب سـجونهم هـو أكبـر وأعظم
مـن أي وصـف، ربمـا تمكنـوا مـن سـجن كل هـؤالء
خلـف القضبـان، لكنهـم لـم يتمكنـوا مـن إيقـاف
عزيمتهـم وإصرارهـم علـى النضـال والكفـاح مـن
أجـل محـو هـذا الظلـم واالسـتبداد المنبعـث مـن
نفـوس البشـرية وال تمـت لإلنسـانية بصلـة.
فتوقفـوا عـن عـد الشـهداء كل يـوم، ألنهـم قـد
رحلـوا إلـى خالـق كريـم رحيـم ال يظلـم, لكـن
أحصـوا عـدد المعتقليـن، فـأوالء قـد وقعـوا بيـد
عـدو جبـان مسـعور ال يرحـم، فالحريـة للمعتقليـن
والمعتقـلات كله.