طفلان

حدثني صديق لي أديب قال: رأيت البارحة موهناً (أي في نصف الليل.) وراء ديوان المحاسبات، وقهوة الشارع، وهاتيك القصور الشم، والمنازل العوالي، رأيت مشهداً أقر بأني عاجز عن وصفه لكم، فإن كان باقياً لا يزال، وكانت رحمة الإنسان باقية، لا تزال، فيكم، فاذهبوا لتروه بعيونكم.
اذهبوا، وخذوا معكم قلوبكم، فإنكم ستحتاجون إليها، واحملوا دموعكم لتريقوها أمام هذا المشهد الذي يرقق قلب الصخر، ويفجر بالدمع عيون الجلمود، ويملأ بالشفقة والحنان أقسى القلوب: قلوب الشياطين والجلادين والمحتكرين.
مشهد طفلين، أحدهما في نحو التاسعة، والآخر في الرابعة، ما عليهما إلا خرق ومزق وأسمال، نائمين على الأرض عند باب القهوة، متداخلين متعانقين، قد التصق الصغير بأخيه، وألقى برأسه على صدره العاري من اللحم، يحتمي به من البرد والخوف، وقسوة الحياة، وظلم الناس، ولفه الآخر بذراعه، يريد أن يدفع عنه بهذه الذراع الهزيلة، شر هذا البشر، ويكون له أماً، ويكون له أباً، وكان وجه الصغير واضحاً في شعاع القمر الشاحب، فيه الطهر، وفيه الألم، وعلى شفتيه المزمومتين بقايا كلام حسبتها من بعيد، بقايا لعنة حامية، رمى بها هذا المجتمع، فلما دنوت، لم أجد إلا آثار شكاة خافتة مبهمة، رفعها هذا الفم الصغير الذي ما تعلم البيان، إلى الله المنتقم الجبار!
طفلان ينامان في الطريق كالكلاب، ما تحتهما إلا الأرض العارية، وما فوقهما إلا السماء العالية، والناس الخارجون من القهوة بعد السهرة الممتعة، والعائدون من الوليمة بعد الأكلة المتخمة، والرائحون إلى بيوتهم من التجار بعد خلوة طويلة، أعدوا فيها العدة لجناية جديدة قذرة على هذا الشعب المسكين، والغادون إلى النوادي والملاهي ليبدؤوا سهرة أخرى، يصبون فيها ما لهم على الموائد الخضر، ويذوبون صحتهم في كؤوس الخمر، ويضيعون دينهم في تلك الليالي الحمر، في الفسق والعهر، كل أولئك كانوا يمرون بالطفلين، ولكن لا يلتفتون إليهما، ولا يحفلون بهما، وهل يحفل أحد بالكلاب النائمة في الطريق؟
من أين جاء هذان الطفلان؟ أين أبوهما؟ أين أمهما؟ كيف يعيشان؟ هل ابتسم لهما الحظ فوجدا تنكة زبالة لأحد الأكابر لينبشاها، فيستخرجا منها عشاءهما، أم باتا على الطوى؟
لم يسأل أحد ولم يعلم أحد؟
ولا أنا، وهل أنا إلا واحد من هؤلاء الناس؟
قال الراوي: وأسرعت إلى أولادي، أحمل إليهم السكاكر الغالية، أعدها لهم بجنب السرير، حتى إذا أصبحوا وجدوها، وأغطيهم كيلا تصيبهم لفحة هواء في هذه الليلة العاصفة، حتى إذا أمنت عليهم، وأرحت ضميري، قعدت أكتب مقالة في محاربة الشيوعية، ومكافحة الإجرام، وتمجيد النظام الديمقراطي، الذي يملأ الأرض حرية ومساواة وعدلاً وأمناً.
***
وخلا شارع بغداد إلا من الرياح العاتية، والكلاب الشاردة، وهذين الطفلين اللذين ينامان على الأرض، بلا وطاء ولا غطاء. ليس معهما إلا أشباح الظلام، وتهاويل الرعب، وآلام الجوع والبرد والحرمان!
(المقالة كاملة. لم أستطع حذف أي كلمة ولا اقتطاع أي جزء، فالقصة إنسانية ومعبرة جداً عن الواقع “عابدة المؤيد العظم”)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s