زورق الأحلام

 زرت صديقاً لي، من رفاق الصغر، فرأيت ولده منكباً على أوراق له، يفكر ويكتب. ثم يمزق ما كتب، ثم يعود إلى التفكر. فقلت لأبيه: ما له؟

قال: إنه مستغرق في الإنشاء.

قلت: فيم يكتب؟

قال: في الموضوع الأزلي الذي لا يمل منه مدرسو الإنشاء، ولا يسأمون من ترديده.

قلت: ما هو؟

فضحك وقال: السؤال الذي يلقي في كل بلد، وفي كل وقت، لا يتبدل بتبدل الأمكنة ولا الزمان. وهو ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟ وسكت لحظة. كأنه يتذكر. ثم قال لي: تذكر كم مرة سئلنا هذا السؤال في المدرسة؟

قلت: أذكر، لقد كتبت فيه مرات لست أحصيها، عشرين مرة؟ ثلاثين، أكثر من ذلك! وكنت في كل مرة أنطلق مع أحلامي أتخيل دروب الحياة وقد فرشت لي بالسجاد الذي تغوص فيه من لينه الأقدام. ثم رشت عليها العطور، ونثرت فوقها الورود والزهور.

لقد طالما تخيلت نفسي هائماً في رياض هذا المستقبل، أنشق ريّاً عطره، وأجتلي جمال زهره، وأرتع في خيره المرجّى وبره.

تصورت نفسي طبيباً له العيادة الكبيرة، والزبائن الكثر، وعشت في هذا الحلم حتى تخيلت نفسي أرى اللوحة على بابي، وأمد يدي لألمس السماعة في عنقي.

وتصورت نفسي ضابطاً كبيراً، قد هبطت النجوم من سمائها حتى استقرت على كتفيه، ونزل البرق حتى صار يخرج من قرع مهمازيه.

وتصورت نفسي صاحب المزارع الواسعة الشاسعة. والحقول الممرعة المزهرة، أفيق فيها مع العصافير لأتطلع إليها، أكحل العين في الإصباح بمرآها.

وتصورت وتصورت، فأين مني الآن تلك التصورات؟

لقد أردت لنفسي، وأراد الله لي، فكان ما أراد الله لي، لا ما أردت لنفسي.

كنت من شهور أقلب أوراقاً لي قديمة، أفتش فيها عن وثيقة أطلبها، فوجدت إيصالاً هذا نص ما فيه:

المملكة المصرية

دار العلوم العليا

نادي التمثيل والموسيقى.

نمرة متسلسلة 70

وصل من حضرة العضو محمد علي الطنطاوي الطالب في دار العلوم العليا مبلغ 10 فقط، عشرة قروش صاغ، قيمة اشتراكه عن شهر أكتوبر سنة 1929.

تحريراً في 15 أكتوبر 1929

الخاتم الرسمي

أمين الصندوق

الإمضاء محمد علي الضبع.

علي الطنطاوي عضو نادي التمثيل والموسيقى!

وتصورت ماذا تكون خاتمة القصة التي بدأت بهذا الإيصال لو قدر لها أن تكتمل فصولها.

إلى أين كان يصل بي ذلك الطريق الذي وضعت قدمي عليه، يوم صرت عضواً في هذا النادي لو أني تابعت السير فيه حتى بلغت آخره؟

كنت أبدأ ممثلاً في الكلية، ثم أعتلي خشبة المسرح، ثم أدخل فرقة من الفرق ثم يسجل اسمي في القائمة التي تبدأ باسم يوسف وهبي وتنتهي باسم إسماعيل ياسين.

فيكون علي الطنطاوي اليوم ممثلاً عجوزاً متقاعداً، يتسكع على أبواب الحانات، ويعاشر القينات، ويسهر الليالي، وينام الأيام، ويعود بلا صحة ولا مال، وربما عاد بلا دنيا ولا دين.

ولم يكن يحول بيني وبين هذه الغاية شيء. فالاستعداد لذلك في نفسي كبير والرغبة فيه شديدة، وكان يزين لي فأراه يومئذ حسناً، ولكن الله صرفني عنه.

وما كان ذلك بعمل مني. ولكن بصنع الله لي.

وفي أوراقي التي وجدت فيها هذا الإيصال شهادة مكتوبة بالخط الديواني ولها إطار مذهب الحواشي، وفي رأسها اسم وزارة الأوقاف، فيها قرار تعييني إماماً في جامع رستم في حي العقيبة في دمشق.

أي والله، وتاريخها سنة 1924، أي من اثنتين وأربعين سنة شمسية.

إني لأنظر إلى هذه الشهادة، وأرجع البصر إلى ذلك الإيصال الذي اصفر لونه، وبلى ورقه، وتمزقت طياته، فأرى عجباً، دونه والله ما يشطح إليه خيال القصاص.

من إمام جامع، إلى ممثل في التياترو.

و لكن كيف دخلت نادي التمثيل والموسيقى؟

إني لأتأمل هذا الإيصال، فأعود إلى أيامي الماضيات إلى سنة 1347، وقد نلت شهادة البكالوريا كما كنا نسميها يومئذ، أو التوجيهية كما تسمى اليوم وكان الفرنسيون قد أنشأوها تلك السنة فحملتها وسافرت إلى مصر، فدخلت دار العلوم العليا، وانتسبت إلى الجامعة المصرية، وكنت أول سوري يؤم مصر للدراسة العالية في غير الأزهر، وكنت أحرر في مجلتي خالي وأستاذي محب الدين الخطيب، المجلة الأدبية الأولى في العالم العربي، وهي الزهراء والمجلة الدينية الأولى في العالم الإسلامي. وهي الفتح.

وأعلنت عمادة الكلية، أو مديرية المدرسة كما كانت تسمى، عن تأليف ناد_ للتمثيل والموسيقى، ودعوا من يريد الاشتراك فيه إلى طلب الانتساب، فكنت فيمن أراد.

وجاؤونا برجل ممثل يعلمنا التمثيل قصير متحذلق لا أدري ما صنع الله به بعد هذه السنين التي قاربت الأربعين، ولا أزال أذكر اسمه، حفظته لغرابته، وإن كان مكان الأسماء من ذاكرتي قد كثرت فيه الخروق التي لا ترقع.

واختبرنا بجمل نلقيها إلقاء مسرحياً على أن نعبّر عن معانيها بخلجات وجوهنا، ولهجات حروفنا وإشارات أيدينا، فلما جاءت النوبة إليّ، وألقيت تلك الجمل دهش هو ومن كان معنا من الطلاب ورأوا شيئاً ما كانوا يتوقعونه وشهدوا بأن هذا الشامي، ممثل جامد أي ماهر، ونعوذ بالله من الجمود.

وما كانوا يتوقعونه مني، أما أنا فكنت أتوقعه من نفسي، لأني كنت قد ألفت من تلاميذي في المدرسة الابتدائية التي كنت أعمل فيها في دمشق فرقة للتمثيل، وكنت أكتب لهم القصة، وأعلمهم تمثيلها، وكنت بارعاً في التمثيل.

وما أريد أن أفيض في سرد القصة، فلذلك كتاب عنوانه، ذكريات نصف قرن، كتبت منه كثيراً. وبقي عليّ منه كثير.

ولكن أريد بيان العبرة من هذه القصة.

لقد اشتغلت بالتمثيل، واحترفت الصحافة، وغصت في السياسة، ولكن الله كان يوجه طريق سيري، فلم يختر لي من ذلك كله شيئاً.

لا، لا أقول أن الإنسان مسيّر، فإنها أضل مقالها قالها الإنسان، والإنسان مخيّر، أعطاه الله اليدين، فهو يستطيع أن يحركهما ليتصدق على السائل، وأن يحركهما ليضرب البرئ، ومنحه الرجلين فهو يقدر أن يمشي بهما إلى المسجد ليصلي أو إلى الماخور ليفسق.

جول سيمون، يرد على من يدعي أنه مسيّر. فيقول له: سأرفع يدي بعد ثلاث دقائق. فهل تراهنني على أنني لا أستطيع أن أرفع يدي؟

ولكن ليس معنى هذا أن الإنسان يستطيع أن يتحكم في الكون، ولا أن يقرر لنفسه المصير.

الصخرة لا تتحرك، والسيارة تتحرك، فنحن لا ننكر حركة السيارة، ولا حرية سائقها في التوجه بها، ولكن ليس معنى هذا أن يخترق بها الجبل، ولا أن يمشي بها على وجه الماء، إن السيارة تمشي بحرية سائقها واختياره، ولكنها لا تمشي إلا على الطريق، وتسرع ولكنها لا تجاوز في سرعتها الحد الأقصى الذي حدده مصنعها لسيرها.

وكذلك الإنسان، إن له حرية واختياراً، ولكنه لا يستطيع أن يسلك إلا الطريق الذي تشقه له الأقدار. وله مقدرة ولكنها في حدود المقدرة التي أعطاها الله للإنسان.

إنه كراكب الزورق في البحر، يوجهه حيث شاء، ولكن قد تضربه موجة عاتية فتحول وجهته من اليمين إلى الشمال وكذلك تصنع الأيام، بزوارق الأحلام.

كنت في مصر، وقد رسمت طريقي، وحدّدت وجهي: أن أكمل الدراسة في دار العلوم، وأعمل في الصحافة، وإذا بموجة تلطم صدر زورقي، فتعيدني إلى دمشق، فأدخل فيها كلية الحقوق وأغامر في السياسة، وأقود الطلاب جميعاً إلى ساح النضال، وأحترف الصحافة، فأكتب في فتى العرب عند مؤلف سيد قريش، وفي ألف باء، عند باقعة الصحافة في الشام. ثم أتولى التحرير الداخلي في الجريدة الوطنية الكبرى، التي أصدرتها الكتلة الوطنية رافعة لواء النضال للاستقلال.

وكان آخر ما أفكر أن أكون موظفاً.

أنا أكون موظفاً في ظل الانتداب؟ وإذا فرض ما لا يكون وقبلت التوظيف فلن أكون معلماً محترفاً حسبي أنني أعلم في المدارس الأهلية في دمشق، الأمينية والكاملية، والجوهرية، والتجارية، من سنة 1345 هـ إي والله!

ولكن هذا الذي كان:

فقد كانت في سنة 1931 نكسة وطنية، بعد انتخابات 20 كانون أي ديسمبر، التي قاطعناها، وسيطر الفرنسيون، وعطلوا الجريدة التي كنت أعمل فيها، فقبلت أن أكون معلماً، لئلا أدع أخوتي بلا طعام.

وضربت موجة أخرى زورقي، حين آذاني الحاكمون فنقلوني في أقل من ثلاث سنوات، بين خمس من القرى، وآذيتهم بقلمي ولساني، فتركت الشام وسافرت إلى العراق.

وكان لي في العراق إخوان، وكان لي تلاميذ، منهم من صار رئيس جمهورية رحمه الله وأبقى في الرئاسة أخاه، ومنهم من لست أحصي من صاروا وزراء، وصار منهم كبار القضاة، والقادة والضباط ما كان أحلى أيامي في العراق، وسلام مني لا ينقضي على إخواني وتلاميذي في العراق.

وصرفتني موجة إلى لبنان، فعملت في بيروت سنة 1937 وصار من تلاميذي فيها أساتذة في الجامعة، وناس من كبار الناشرين وأصحاب المجلات وصار منهم رئيس القضاء الشرعي، ومنهم الشاب العالم الصالح الذي سرني وفرح قلبي، إن سمعت من أيام نبأ انتخابه بالإجماع مفتياً للبنان.

وموجة أخرى، حولتني إلى القضاء، وما كنت أظن يوماً أن سألي القضاء، ثم عدت بعد أكثر من ربع قرن في القضاء، أمضيت نصفها في محكمة النقض، عدت بعد التقاعد، مدرساً في مكة المكرمة بجوار حرم الله.

جرني إلى هذا الكلام كله، موضوع الإنشاء.

فليفكر إخواننا المعلمون، حين يلقون هذا السؤال، فيما كانوا يجيبون عليه وهم طلاب.

هل كانوا يريدون أن يكونوا معلمين، أم كانت لهم غايات، طالما تطلعوا إليها. وحاولوا بلوغها؟

وأحلام كبار طالما كانوا يناجونها في خلواتهم، ويسامرونها في لياليهم ويحلمون بها في يقظاتهم.

وجهوا إليها زوارق حياتهم، وكل همهم أن يصلوا إليها، فجاءت موجة فضربت الزورق فحولت طريقه؟

أما أنا فقد رث زورقي وبلي من طول ما توجه يميناً وتوجه شمالاً، فمرّ بي على كل بلد فرأيته، وأطال بي الرحلة فذقت الحلو والمر، وعرفت المتع واللذاذات، والمتاعب والآلام، عرفت لذة المال، ومتعة الشهرة وحلاوة المنصب، وإعجاب الجماهير، ولو عدت تلميذاً الآن وسُئلت هذا السؤال، لقلت أنه لم يبق لي من الآمال إلا أمل واحد، هو أن يرزقني الله حسن الخاتمة وأن يخلفني في أهلي وبناتي، وأن يريني قبل موتي بياض يوم النصر للإسلام وأهله، بعد هذا الليل الذي امتد سواده وعمّ، اللهم آمين.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s