في الحب

ومن حرّم الكلام في الحب؟ والله الذي أمال على الزهرة حتى تكون الثمرة، وعطف الحمامة على الحمامة حتى تنشأ البيضة، وأدنى الجبل من الجبل حتى يولد الوادي، ولوى الأرض في مسراها على الشمس حتى يتعاقب الليل والنهار، هو الذي ربط بالحب القلب بالقلب حتى يأتي الولد.

ولولا الحب ما التف الغصن على الغصن في الغابة النائية، ولا عطف الظبي على الظبية في الكناس البعيد، ولا حنى الجبل على الرابية الوادعة، ولا أمدّ الينبوع الجدول الساعي نحو البحر.

ولولا الحب ما بكى الغمام لجدب الأرض، ولا ضحكت الأرض بزهر الربيع، ولا كانت الحياة.

ما في الحب شيء، ولا على المحبين سبيل، إنما السبيل على من ينسى في الحب دينه، أو يضيع خلقه، أو يهدم رجولته أو يشتري بلذة لحظة في الدنيا عذاب ألف سنة في جهنم، أو لم يؤلف ثلاثة من أعلام الإسلام، ثلاثة كتب في الحب، وهم صاحب الأعلام، ومصنف المحليّ والإمام ابن الإمان؟

ويا ليت الشبان يعودون إلى الحب، فتقل هذه الشرور، ويخف هذا الفساد، ولكن أنىّ يكون الحب، مع هذه الشهوات المتسعرّة؟

إنها إذ لم تطمر الفحمة في بطن الأرض دهراً، لا تصير ألماساً، وإذا لم تدفن الشهوة في جوف القلب عمراً، لا تكون حباً.

ولكن كيف أكتب عن الحب؟

وهل تسع هذه المقالة حديث الحب؟

هل يوضع القمر في كف غلام؟ هل يصب البحر في كأس مدام؟ وأين لعمري الألفاظ التي أحمّلها معاني الحب؟ أين التعبير الذي يترجم عن العاطفة؟ إن البشر لا يزالون أطفالاً ما تعلموا الكلام، إنهم خرس يتكلمون بالإشارات وما هذه اللغات البشرية إلا إشارات الخرسان، وإلا فأين الألفاظ التي تصف ألوان الغروب، ورجفات الأنغام، وهواجس القلوب؟

نقول للون أحمر، وفي صفحة الأفق عند المساء عشرات الألوان كلها أحمر، وما يشبه لون منها لوناً، وما عندنا لهذه العشرات إلا هذا اللفظ الواحد، ونقول للحن رصد، ولكن رجفة في صوت المغني، أو مدة أو غنة، تجعل من الرصد مئة رصد، وما عندنا لهذه المئة إلا اللفظ الواحد.

ونقول، قصة جميلة، ونغمة جميلة، ومنظر جميل، وطفل جميل، ما عندنا إلا هذا اللفظ الواحد، نكرره كالببغاوات نعبر به عن ألف جمال، ما منها جمال يشبه جمالاً، وأين جمال القصة، من جمال الوادي، جمال العمارة من جمال المرأة؟

وجمال المرأة؟ أهو لون واحد، حتى نطلق عليه الوصف الواحد؟ لو حشدت مئة من أجمل الجميلات في مكان، لرأيت مئة لون من ألوان الجمال تشعر بها، ولكن لا تملك وصفها.

إن في الأرض اليوم أربعة مليارات من العيون البشرية نصفها في أوجه الأنثيات، ونصف النصف تحت حواجب الغيد الفاتنات، وما فيها عينان هما في شكلهما ووحيهما، وأثرهما في النفس، كعينين أُخريين. ثم إن لكل عين حالات مختلفات لا يحصيها العد، ولغات لو كان يدركها البشر، لكان لكل عين قاموس، يترجم عنها، كالقاموس المحيط. وما عندنا لهذا كله، إلا هذا اللفظ الواحد، جميل جميل، نكرره ونعيده.

وكذلك الحب.

الحب عالم من العواطف، ودنيا من الشعور، فيها كل عجيب وغريب وليس لنا إليه إلا هذه الكوّة الضيقة، الكلمة القصيرة ذات الحرفين: الحاء والباء، والحاء التي تمثل الحنان، والباء التي تجعل الفم وهو ينطق بها، كأنه متهيء لقبلة، كلمة الحب، ولكن كم بين حب وحب؟

بين حب التلميذ مدرسته. وحب الوالد ولده، حب الصديق صديقه، وحب المتشائم الوحدة، وحب أكلة من الأكلات وحب منظر من مناظر الطبيعة، وحب كتاب من الكتاب، وبين حب المجنون ليلاه؟

وحب العاشقين أنواع وأنواع.

ففي أي الحب أتحدث؟ وكيف أجمع أطراف الكلام حتى أحشره في هذه الصفحات ولو لبثت شهراً أكتب كل يوم فصلاً ما أتيت على ما في نفسي ولما وفيت حقه الموضوع؟

ولكني مع ذلك سأحاول.

أحاول أن أكتب في الحب، وقد تقضّى الصبا، وتولى الشباب، وما كان يوماً، يملأ القلب، صار ذكرى لا تكاد تخطر على البال؟

لقد كنت إذ أكتب في الحب، أغرف من معين في نفسي يتدفق، فجف النبع حتى ما يبض بقطرة، وخلا الفؤاد من ألم الهجر، وأمل الوصال، وبطل سحر الغيد، وطمست شمس الحقيقة، سُرُجَ الأباطيل؟

ولو أني بليت بحب جديد، لأعاد لي الحب أيامي التي مضت. والحب يصنع المعجزة التي تتقطع دونها آمال البشر: يعيد للمحب ماضيات الأيام، ويرجع له خوالي الليالي، ويرد الكهل فتى، والفتى طفلاً، وأين مني الحب؟ لم يعد ينقصني بعد السن والتجربة إلا أن يتعبدني الحب، وأن أعود إلى تلك الحماقات.

أعوذ بالله، من الجنون بعد العقل.

كلا، ما أنا من ددٍ ولا ددٌ مني، فاتركوني أيها العشاق، اتركوني فقد أنستني الأيام كيف يكون الغرام.

وماذا يبتغي العشاق مني      وقد جاوزت حد الأربعين؟

ولكن هل تركني العشاق؟ هذه كتبهم بين يدي، يستنجزون بها الوعد، ويطلبون مني أكتب لهم في الحب، كأننا لسنا في حرب مع اليهود، وليس في الدنيا غلاء ولا بلاء، ولا مفاسد ولا عيوب، ما بقي علينا إلا الكلام في الحب؟

ومتى كان المحبون يحفلون في الدنيا، بغير المحبوب؟ لا يعرف المحب إلا ليلاه، يحيا لها، ويموت فيها، أكبر همّه من العيش أن تعطف عليه بنظرة، أو تجود له ببسمة، أو أن تمس بيدها يده فتمشي في أعصابه مثل هزّة الكهرباء، ويسكر منها بلا دنّ ولا قدح، ويطرب بلا حنجرة ولا وتر، وغاية أمانيه من الدنيا أن يلقي برأسه على صدرها، أو يجمع فاه إلى فيها، في ذهلة لذة عميقة، تحمله إلى عالم مسحور، يجتمع فيه الزمان كله، وتختصر فيه الأمكنة جميعاً، فتكون هذه اللحظة هي الأزل وهي الأبد، وهي الماضي وهي المستقبل، ويكون المحبّان هما وحدهما الناس.

أولئك هم العاشقون.

وأولئك هم عند أنفسهم أرباب القلوب، وهل يكون ذا قلب من لم يلامس قلبه الحب؟

وأولئك هم أولو الأبصار، وهل تبصر عين جمال الوجود إن لم تفتحها يد الهوى؟

وأولئك هم المعذبون الصابرون. يعيشون فلا يدري بآلامهم أحد، ويموتون فلا يقام لشهيدهم قبر، لا يهدأون ولا يهنأون. إن اشتهى الناس المسرّة استمتعوا هم بالآلام. وإن اطمأن الناس إلى الحقائق طاروا هم وراء الأهوام، وإن أنسوا بالضحك استراحوا هم إلى البكاء، يبكون في الفراق من لوعة الاشتياق، ويبكون في الوصال من خوف الفراق، يريدون أن يطفئوا بالدمع حُرق القلب، وما يزيدها الدمع إلا شرّة وضراماً.

يبكون لأنهم يطلبون ما لا يكون فلا يصلون إليه أبداً.

يترك العاشق النساء جميعاً، ويهتم بها وحدها، فهو يريد أن تترك الرجال وتنظر إليه وحده، وأن تدع لأجله الدنيا وما فيها، وتغمض عينيها فلا ترى فيها غيره، وتوصد أذنيها فلا تصغي إلى سواه، فهو يغار عليها من القريب والبعيد، ومن أمها ومن أبيها، ومن الشمس أن تبصرها عين الشمس، ومن الكأس أن تُقبِّل ثغرها شفة الكأس.

وماذا يريد العاشقون؟

سلوا الشعراء يحلفوا لكم، إنهم لا يطلبون إلا نظرة تروي الغليل، وبسمة تطفي الجوى، وأن يندمج بها، ويفنى فيها، فهو يعانقها، والنفس بعد مشوقة، إليها، ويضمها وهو يحس أنه لا يزال بعيداً عنها، وهو لو استطاع لعصرها مصاً، ولأكلها عضاً.

يمضي عمره بعيداً عنها، خالياً قلبه من حبّها، لا يدري بوجودها، ثم يراها مرة واحدة، ينظر إليها نظرة، فيحسب أنه قد عرفها من الأزل، وأنه لم يفارقه ساعة، ويقسم أنها ما خلقت إلا له، ولم يخلق إلا لها، ولا يعيش إلا لها وبها، فهما روح في جسدين هي وهو، وهو هي، ينظر بعينيها، ويسمع بأذنيها، ويجوع ببطنها، فإن أكلت شبع، وإن شربت روىَ، وإن سُرَّت ضحك، وإن تألمت بكى، وإن أصابها الصداع وجعه رأسه، يطرب وهو بعيد عنها إن سمعت نغماً عذباً، ويبتسم وهو في أعماق منامه إن رأت في منامها حلماً حلواً.

يتبع هواها على القرب والبعد، ويؤثر رضاها في الغيبة والحضور، ويطيعها إطاعة لو أن العباد أطاعوا ربهم مثلها لأقفرت من أهلها جهنم، يسهر الليل كله يتقلب على فراش السهد من الشوق إليها، والخوف منها، والطمع فيها، ويعد الكلام الطويل ليقوله لها، فإذا لقيها نسي ما كان أعدّه من هيبتها.

إن تكلم لم ينطق بغير حديثها، وإن سكت لم يفكر إلا فيها، قد جهل كل طريق كان يعرفه إلا طريقها، فما يمشي إلا توجه إليها، يحوّم حولها علّه يرى البيت الذي تسكنه، أو ينشق الهواء الذي تنشقه، ينام الناس ويسهر ليله، يساير النجوم في مسالكها، ويعد الدقائق في مجراها، لا يرى حيثما نظر غيرها، ولا يبصر سواها، يراها بين سطور الكتاب إن نظر في صفحات الكتاب، وفي وجه البدر إن رنا إلى طلعة البدر، وبين النجوم إن قلب نظره في النجوم، يراها في كل شيء تفتح عليه العيون، فإن أغمضها رأى طيفها في ثنايا الأحلام.

يذكره بها وميض الزهر في الروض، وحديث الساقية للسفح، والحمامة تسجع على الغصن، والمغني يصدح في هدأة الليل، بـ ياليل، فيصغي طرباً إليه الليل، ولفتة الجدول عند الرابية، وفتنة الوادي عند الجزع، والدرب الحالم تحت فروع الدلب والصفصاف على كتف النهر، والشلال الهادر في الليل الداجي، والتلال الخضراء اللابسة جلابيب الصنوبر، والجبل الأجرد المتوّج بعمامة من الصخر.

إن هب النسيم من نحو أرضها شجته النسائم، أو جرى السيل من جهتها أجرت دموعه السيول، أو طلع الكوكب من أفقها أهاجت أشواقه الكواكب، أو رأى طيراً تمنى لو استعار ليزورها أجنحة الطير.

يحب لأجلها كل ما كان منها وما اتصل بها، الرضاب الذي تنفر منه النفوس إن كان رضابها فهو خمر، وريح العرق التي تأنف منها الطباع إن كانت ريحا فهي عطر، والألم  إن جاء منها كان لذة، والذّم إن جرى على لسانها كان ثناء، والظلم إن وقع منها أشهى إلى قلبه من نيل الحقوق من أيدي الغاصبين، والأهل أهلها أحباؤه وأصدقاؤه، ولو عدوا عليه، وأساؤوا إليه.

يرضى منها بالقليل الذي لا يرضي، إن بسمت له بسمة فكأن قد بسم له الدهر، وواتته الأماني، وإن كلمته كلمة، فكأن قد صبَّت في روحه الحياة، وإن وعدته بقبلة، عاش دهره يذكر الوعد ويتعلّل بذكراه.

يعاف لحبها طعامه وشرابه، ويهجر راحته ومنامه، والمجد يزهد فيه ولا يباليه، والدين يتركه والمال لا يفكر فيه، وإن هو ابتغى المعالي يوماً فإنما يبتغيها ليسرها ويرضيها، وإن نظم أو كتب فلها وحدها، ويقرؤها عليها وإن كانت لا تدركه ولا تفهمه، ولا تستطيع أن ترقى إلى سمائه، وإن أغار في الحرب فلينال إعجابها، وإن طلب العظائم فليعظم في عينها، إن سعد الناس بالغنى والجاه لم يسعده إلا لقاؤها، وإن حرص العقلاء على رضا الله لم يحرص إلا على رضاها، وإن افتخروا بالصحة والقوة، فخر بالمرض والضعف والهزال، يرى القصر إن خلا منها سجناًن والسجن إن كان معها قصراً، والقفر إن كانت فيه روضة، والروضة إن فارقتها قفراً، واليوم إن واصلته لحظة، واللحظة إن هجرته دهراً، يرى الشمس من هجرها سوداء مظلمة، والليل البهيم من وصالها شمساً مشرقة.

تؤرقة ويرجو لها طيب المنام، وتسقمه ويسأل لها البعد عن الأسقام، يعتذر من ذنبها وهي المذنبة، ويبكي من حبها وهو القتيل، فهو شفاؤه وهي داؤه، وهي نعيمه وهي شقاؤه. وهي جنته وهي ناره، يطلب أن تلتقي الروحان، ويتوحد الاثنان، وهذا ما لا يكون أبداً، لذلك يترك حاضره ويحن إلى الماضي، يعود بالذكرى إليه يفتش في زواياه عن هذه الأمنية، أو يتطلع إلى المستقبل، يستشف بالخيال ما فيه، فلا يرجع له ماض، ولا ينجلي له آتٍ، ولا يثبت له حاضر.

وهذا أبداً دأب العاشقين، إنهم يئسوا من أن يساعدهم الناس على بلواهم، فتركوا دنيا الناس وعاشوا وحدهم في دنياهم، هاموا على وجوههم يبحثون عن قطع قلوبهم التي خلفوها في مدارج الهوى، وملاعب الصبا، وتحت الأطلال، ويسائلون الحفر والحجارة، ويناجون الأحلام والأوهام.

يقول العاذلون، انس ليلاك، ففي الأرض ليليات كثر، واستبدل بها.

وما يدري العاذلون، ماذا يلاقي، لا ولا نظروا إلى ليلى بعينيه، ولا شعروا بها بقلبه.

فيا رحمتا للعاشقين، مما تقول العواذل.

****

هذا هو الحب عند الأدباء، فما الحب عند النفسيين؟

أنا أقول لكم ما الحب عند النفسيين.

لا يرى النفسي في الحب، إلا رغبة في متاع الجسد، قابلها امتناع وإباء فاشتدت وامتدت، وكانت بين الرغبة والامتناع شرارة، كالتي تكون بين سلكي الكهرباء، وهذه الشرارة هي الحبّ، ما الحب إلا شهوة لم تقضي ورغبة لم تتحقق، وكل ما يقول المحبون العذريون وهْم وضلال، يقولون أنهم لا يطالبون إلا المجالسة والكلام، ولو كانت مجالسة وكلام، لطلبوا لمسة اليد، وقبلة الخد، ولو كانتا لطلبوا العناق والضم، ورشفة الفم، كصاعد الجبل، يرى الذروة أمامه فيحسبها القمّة التي لا شيء فوقها، فإذا بلغها تكلف له ذروة أعلى، إنها سلسلة لها حلقات متصلات، ما أمسكت بواحدة منها إلا جرّت معها التي بعدها، حتى تصل إلى آخر حلقة فيها:

نظرة فابتسامة فسلام         فكلام فموعد فلقاء.

فالمحكمة الشرعية لعقد العقد، أو محكمة الجنايات لتلقي العقوبة، هذه هي سنة الله، ما جعل الله طريقاً للصداقة بين الشاب القوي والصبية الحسناء لا ولا بين الكهر والشوهاء، لا صداقة قط بين رجل وامرأة، ما بينهما إلا الحب المفضي إلى الاجتماع، إن الصداقة صلة بين متشابهين، بين الرجل والرجل، وبين المرأة والمرأة، والحب صلة بين مختلفين ليتكاملا به فيغدوا بالحب كالكائن الواحد.

فإن لم تكن رغبة يقابلها امتناع لم يكن حب، والمرأة التي تمنح جسدها كل طالب، تكون مطلوبة وتكون مرغوباً فيها، للذة العابرة والمتعة السائرة ولكنها لا تكون محبوبة أبداً!

والحب إن حلّلته إلى عناصره، كما يفعل الكيميائيون بالجسم المركب وجدته يرجع إلى غريزة الاستطلاع، وإلى غريزة التغلب، وهما من أصول الغرائز الإنسانية، وقد تعرف عشرات من النساء، ثم تلمح في الترام فتاة تجلس أمامك يلوح بياض فخذيها، من تحت ذيلها. فتحاول أن تعرف ماذا هناك، وترى الممثلة في الفيلم بلباس البحر، وتُبّانه المشدود على فخذيها، فلا يثيرك تبّانها، ما يثيرك خرقة مهدلة ممزقّة، وقد لفتها عليها تهتز مع الريح، ولو لم تظهر منها أكثر مما يظهره التبان، والفتاة التي تصعد المسرح عارية لا تصنع بأحد مثلما صنعت ريتا هوارث، لما صعدت بثيابها كلها، ثم مازالت تلقيها عنها قطعة فقطعة، وتكوّمها عند قدميها، حتى بدت كالعارية، ومن هنا كانت الثياب، من أسباب الأنوثة، ودواعي الإغراء، ولو أن الناس كانوا كالحمير عراة دائماً، لما بقي من هذه الرغبة الجنسية واحد من كل مئة، ولقد قرأت مرة نكتة في مجلة، ولكنها كانت حقاً وصدقاً، إن تلميذاً في مدرسة الفنون الجميلة في مصر، يوم كانت لا تخشى الله، ولا ترعى الخلق، ولا تحكم العقل، فتأتي بالصبايا العاريات تماماً، ليصورَّهن التلاميذ، إن هذا التلميذ قال لرفيقه: أما ترى جمال هذا الفتاة؟ قال: فكيف لو رأيتها لابسة ثيابها؟

أما كون الحب غريزة تغلّب، فظاهر من أحوال الناس، والنفس تكون متعتها باللقاء الجنسي أكبر، كلما كانت العوائق أكثر، والطريق أبعد وأصعب، ومن أجل هذا ترون أناساً يتركون زوجات لهم كالبدور، ويتبعون نساء كالقردة، ما يستمتعون بالجمال وحده، بل بالوصول بعد العناء والظفر بعد النضال، وأنتم تعرفون قصة النوار مع زوجها الفاسق: الفرزدق الشاعر، وقوله لها: أنت أجمل ولكّن الحرام ألذّ من الحلال!

ويسخر النفسيون من رجل يتوسل إلى المرأة التي يحبها بالأرض والسهاد والضعف والنحول، والهزال المميت، والسلّ الرئوي، وبأنه شبح يمشي وخيال يتحرك، فماذا تصنع المحبوبة، بهذا البلاء؟

إن المرأة تريد في العاشق رجلاً، متين البناء، قوي الجسد، مفتول العضل، يسند ضعفها بقوّته، ويتم أنوثتها برجولته، لا تريد ميتاً، إن توكأت عليه انهدم.

فإن كان شعراء النحول هؤلاء، صادقين بهذا الهذر الذي ملأوا به نسيبهم، وحشوا به أشعارهم، فليفتشوا لهم عن ممرضات، لا عن حبيبات.

ولا يصدق النفسيون أوصاف الشعراء المحبين، إن المحب عندهم لا يرى الفتاة على حقيقتها، ولكنه يلبسها من حبّه ثوباً يراها فيه أجمل الناس، ولا يصدقون دعوى الحبّ من النظرة الأولى، إن النظرة الأولى تنشئ الحس بالجمال لا الحب، وقد وصل وليم جيمس، هذا الحسّ بأنه هزّة في الأعصاب يعقبها خدر سريع، فإذا أحسست جمال فتاة قد طلعت عليك من الطريق فصبرت عنها نفسك، وغضضت بصرك، وثبتّ لحظة واحدة حتى تمرّ بك وتمضي عنك، واشتغلت عنها بغيرها، نسيتها، وإن كررت النظر إليها، أو تبعتها لتعرف مقرّها، ولد حبّك إياها أي رغبتك في الاجتماع بها.

والحب عاطفة عابرة، تدوم ما دامت الرغبة والامتناع، فإن زال أحدهما زالت، فإن كان اللقاء لم يبق حب، لأنه يختنق تحت اللحاف، ومن هنا يستبين لك أن الزواج إن بنى على الحب وحده، لم يكن فيه خير ولو أن المجنون تزوج ليلى، زواج عاطفة فقط بلا مراعاة مصلحة، ولا نظر في كفاءة لكان بينهما بعد ثلاث سنين دعوة تفريق.

فإذا جئت علماء الحياة، وجدت للحب عندهم، منزلة أدنى، ورتبة أخسّ، الحب عندهم غريزة جعلها الله في نفس الإنسان لئلا ينقرض ويمّحي، فالجوع منبّه له  ليأكل فيبقى شخصه، والحب أو الرغبة، منبّه له ليعمل على ما يبقى نوعه، أو هو شيء، أبسط من ذلك وأحقر؛ تمتلئ المثانة فيذهب المرء ليبول، وتمتلئ الحويصلة بالسائل الآخر، فيذهب ليعمل! لا فرق في ذلك بين المجنون وليلى، وبول وفرجيني، وبين الحمار والأتان، والديك والدجاجة، وبين تلاقح الزهر والورد، وسواء بعد ذلك، كل إناء يلقى فيه هذا الماء.

عملية غير جراحية، ولكنها عملية قذرة بشعة، ولا بدّ في العمليات من بنج، والبنج هنا، البنج الذي يذهب الحسّ، ويضيع العقل، هو هذا الحب أو هذه الرغبة، لولا ذلك ما قبل عاقل أن يعمل ذلك العمل! هل يقبل عاقل أن يدخل إصبعه في أنف المحبوبة؟ إن ذلك الفعل أبشع وأشنع، ولكننا نفرك فيه ونحن تحت البنج، فلا ندرك بشاعته.

والمقصود هو بقاء النسل، وكلما علا الحيّ منزلة، قل اللقاء، وطال الحمل، الديك والدجاجة يجتمعان كل يوم، لأن مدة الحمل بالبيضة ليلة، أم الهرّ والهرّة فيجتمعان مرة في السنة أو مرتين، لأن الهرّة تلد مرة في السنة أو مرتين ولولا المغريات في الناس، لكفى بين نوعي البشر اجتماع مرة في العام.

والحب العذري، أي الحب الشريف الذي ليس فيه مطلب جنسي هو في نظر العلم كذبة حمراء، وفرية ليس له أصل، وإنما هما غريزتان حفظ الذات بالطعام، وحفظ الجنس بالاتصال، فهل تصدّق الجائع إذا حلف لك، إنه لا يريد من المائدة الملوكية، إلا أن ينظر إليها، ويشمّ على البعد ريحها؟

كلا. كل حبّ مصيره على النكاح أو السفاح.

****

هذا هو الحب، فصدّق ما يقوله فيه المحبّون، أو صدّق ما يقوله المفكرون العالمون.

هو عند الأدباء والشعراء، وعند المحبين والعشاق، سلطان عنت له القلوب، وذلّت له الملوك، فباعوا في سبيله التيجان، من لدن أنطونيوس وكليوباترة، إلى إدوار وسمبسون.

والمحبوبة عندهم هي الدنيا، دينهم التوحيد في الحب، لكل شاعر عاشق واحدةٌ وقف عليها قلبه، وأدار عليها شعره، وقرن نفسه حياته بها، فقرن التاريخ اسمه بعد موته باسمها، فلا تعرف إلا به ولا يعرف إلا بها قيس وليلى، وقيس ولبنى، وجميل وبثينة، وكثّير وعزّة، وعروة وعفراء وذو الرّمة وميّ، وتوبة والأخيلية، والعباس وفوز، وبول وفرجيني، فكان رباطاً لم تقدر على حله يد الزمان.

وهو عند النفسيين والطبيعيين، ما قد رأيت وسمعت، وهو الحق، لا ما يقول العاشقون. والحبّ بعد ذلك كله سرّ الحياة، وروح الوجود.

Advertisements

2 responses to “في الحب

  1. كتب في كتابه (فصول إسلامية) كلاماً رائعاً :)
    أحبو ولكن إبقو مسلمين :)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s