نحن المذنبون

نشرت سنة 1955

 كنت أمس عند قريب لي شاب، لا يدع شيئاً في هذه الكتب التافهة التي يحملها بائعو الجرائد إلا اشتراه، حتى اجتمع له منها ما لو أنفق ثمنه في كتب العلم النافع، والأدب القيِّم، وقرأه لصار به من علماء الأدباء أو من أدباء العلماء، وجعلت أنظر فيها، فسألني: ألا تقرأ هذه الكتب؟

قلت: أقرأها إن وقعت لي بالمجان، لأستعين بها على النوم، أم شراؤها فلست أستحله، لأن أكثر مؤلفيها مفسدون، وحرام أن أعينهم على إفسادهم ولو بثمن نسخة واحدة.

فقال: خذ ما تشاء منها لتقرأه.

فأخذت طائفة من كتب التراجم، ومنها كتاب في ترجمة اللورد بيرون للصاوي، وقرأته في الفراش أجتلب به النوم، فإذا أنا أجد فيه من البلايا والطامات ما أطار النوم من عيني غضباً لله، وللفضيلة، ولأخلاق الشباب الذين يقرأونه.

كتاب مطبوع أجمل طبع، على أجود ورق، محلىَّ بالصور، وفيه الديناميت الذي ينسف أسس الحياة الاجتماعية بكل ما فيها من دين وخلق وفضائل.

وأنا لم أعرف من بيرون هذا، إلا أنه شاعر غزل إنجليزي، قرأت من شعره مترجماً إلى الفرنسية والعربية ما يطرق ويعجب، ولم أكن أدري قبل أن أقرأ هذه الكتاب أن هذا البيرون قد جاء م جدٍّ معتوه فاجر، وأب مجرم ساقط، وأم مجنونة حمقاء، وأن حياته، لا لن أصف لكم ما في هذا الكتاب النجس فأكون راوية للشر، وحاملاً للرجس، ولكن ألخص ما فيه بكلمة واحدة، هي أن هذه الحياة كانت سلسلة من الجرائم، بدأت بعشقه وهو في سن السابعة، ومحبته الصبيان الحسان الأماليد، وانتهت بأن أحب أخته، أخته ألا تصدقون؟ حباً أثمر حبلاً!

هذه الرذائل كلها، ومؤلف الكتاب يمجد الرجل ويبجله، ويلبسه أثواب العظمة والجلال، ولا ينكر عليه بكلمة واحدة؟

لماذا؟

لأنه استطاع أن يصنع كلاماً جميلاً
لأنه نظّم شعراً بليغاً.

لأنه كان أديباً، والأديب مغفور له كل ذنب، محتمل منه كل أذى.

وأنا أديب ولكن إن كان هذا هو الأدب فاشهدوا عليّ أني طلَّقت الأدب طلاقاً لا رجعة فيه، وسامحكم الله بالثلاثين سنة التي أنفقتها من عمري في الكتابة فيه، وبالعشرة آلاف من الصفحات التي كتبتها في هذه السنين الثلاثين.

إن كان هذا هو الأدب، فلعنة الله على الأدب.

لعنة الله على الشعر الجميل، والوصف العبقري، إذا كان لا يجيء إلا بذهاب الدين والفضيلة والعفاف.

لعنة الله على بيرون وبودلير، وعلى بشار وأبي نواس، وعلى من يفسد عليّ ديني، ويذهب بعرضي، ويحقر مقدساتي، ليقول كلاماً حلواً.

وهل تعوّض عليّ لذتي بحلاوة الكلام، الدين الذي فسد، والعرض الذي ذهب، والمقدسات الذي مرغت بالوحل؟

هل في الدنيا مؤمن أو كافر، شرقي أو غربي، يسمح بوضع هذا الكتاب بين أيدي أبنائه وبناته، ليتعلموا منه أن يحب الشاب أخته حباً ينتهي بالحمل؟

هل يسمح بذلك إلا أن يكون قد فقد عقله؟

فكيف يسكت الناس عن هذا الكتاب وهو يباع علناً، كيف يغضون عن هذا الماخور السيَّار؟ كيف قر الحكومة نشر كتاب، يلعن كل ما يباركه الشيخ والقسيس والحاخام، ويهدم كل ما يبنيه الوعاظ والمعلمون والمصلحون، ويبيح كل ما تحرمه الشرائع والقوانين والأعراف؟

آمنّا بحرية الرأي، ولكن هل معنى هذه الحرية أن كل من استطاع كتابة صفحات وطبعها يكون حراً أن يقول ما شاء، ولو دعا إلى الكفر والفسوق والعصيان؟

لماذا تمنع البلاد الملكية الطعن بالذات الشاهانية، وتبيح الطعن بالرسل والأنبياء بتسفيه أديانهم، وتقبيح شرائعهم؟

وهل الحرية أن يعمل كل إنسان ما يريد، ولو ضرب غيره، ولو عدا على ماله؟ ولو مشى في الطريق عارياً؟ ولو كتب مثل هذا الكتاب؟

ولماذا نقيم القيامة على من يسرق عشرة قروش، ونبعث وراءه الشرطة والدرك والنيابة والمحكمة والسجن، ونترك سارق الأعراض والعقائد؟

إن في الأسواق كتباً نجسة مدمرة، ألِّفت لتمجيد أناس كانوا في سيرهم وفي أخلاقهم، شر نموذج يعرض على أنظار الناشئين والناشئات. ولا يكون لهم منها إلا دليل يأخذ بأيديهم ليسلكهم هذه المسالك، منها كتاب جبران خليل جبران لنعيمة، جبران الذي يصفه صديقه وهو يقرظه بأنه حمل نفسه إلى المجد على عاتق امرأة، ثم لم يكفه هذا الصغار حتى جعل مكافأتها إن خان عهدها، جبران الذي يمدحه صفيُّه وخليله نعيمة، بأنه كان يحاول أن يأتي كل فتاة كانت تأتي إليه معجبة به. ومنها كتاب بلزاك، وكتاب اسكندردوماس، وأشباههم من أدباء الإفرنج، من كانوا يعبثون بعرض الفتاة، ويفجعونها فيه، ويجعلون منها بغيّا لينظموا قصية غزل، أو يكتبوا قصة حب، كما أحرق نيرون روما، ليؤلف لحنه الموسيقى على لهيب نارها.

وشر من هذه الكتب كلها، كتاب الرباط المقدس، لتوفيق الحكيم، لأنه دعوة صريحة للعبث بالأمانة الزوجية، وأن تشرك المرأة حبيبها مع زوجها في جسدها.

كتاب لم أجد في كل ما رأيت من كتب دعاة الرذيلة أوقح من مؤلفه الفاجر ولا أقل حياء منه!

أو تدرون كيف قرأت هذا الكتاب؟

كنت في مصر سنة 1945، جئتها بعد غيبة عنها امتدت سبع عشرة سنة، وأقام لي المصريون الكرام حفلات كثيرة، قام في واحدة منها الشاب العالم الصالح عبد الرحمن الباني، مفتش الدين في وزارة المعارف السورية اليوم، وكان طالباً في الأزهر، فألقى خطبة عاب فيها على الأدباء المسلمين سكوتهم عن إنكار منكرات النشر، وضرب المثل بهذا الكتاب، وبلغت به الحماسة أن طوَّح به فألقاه عليَّ من فوق المنبر، وقال: خذ انظر، ماذا يكتبون وأنتم نائمون.

وأصابني الكتاب بضربة على وجهي، ولكني لم أغضب، ولم أردد عليه مثلها، بل احتملتها صابراً، لأن الحق كان معه!

لأننا نحن المذنبون.

نحن المذنبون، ونحن نستحق هذه الضربة وأشد منها.

إن الكثرة الكاثرة من الناس في كل بلاد المسلمين منا، وفينا الأموال، وفينا الكفايات، وفينا الأقلام، والحكم في عرف الديموقراطية للأكثر، ومع ذلك، ومع ذلك نجد الصحافة في أيدي الآخرين، والنشر في أيديهم والمدارس والجامعات في أيديهم، وكل شيء ، في أيديهم.

ونحن الذين ندفع تكاليف هذه الصحف، نحن الذين نشتريها ونقرؤها ونحن ندفع أثمان هذه الكتب، ونحن الذين يرسلون أبناءهم وبناتهم لهذه المدارس والجامعات، ونحن الذين يؤدون الضرائب لهذه الحكومات، التي تهجر كتاب ربنا وسنّة بنيِّنا، وتحكم فينا بقوانين فرنسا وإيطاليا وسويسرا والتي تبيح فينا الزنا والربا والفجور والعصيان، وكل ما يحرّمه علينا ديننا رغماً عن أنوفنا.

ويا ليتنا ننكر بألسنتنا وأقلامنا، إن عجزنا، ولسنا عاجزين، عن أن ننكر بأفعالنا، ويا ليتنا إذ لم نستطع منع هذه الكتب وهذه المجلات، لم نمدها بأموالنا، ويا ليتنا إذ لم نقدر على إصلاح هذه المدارس والمعاهد لم نبعث إليها بأبنائنا وبناتنا، ويا ليتنا إذ بعثناهم إليهم ألزمناهم بالصلاة والصيام وتقوى الله وغض البصر، وستر العورات، والبعد عن المحرمات، وسلحناهم لذلك بسلاح مع معرفة حقيقة الإسلام، والوقوف على أحكامه، ويا ليتنا إذ لم نفعل ذلك كلنا، فعله علماؤنا على الأقل، فلم يكن أبناؤهم وبناتهم من السابقين الأولين في طريق الاستهتار والفسوق!

أفلا نستحق أن نصفع بهذه الكتب كل يوم على وجوهنا؟

****

إن أكثر هؤلاء الأشرار من أمثال توفيق الحكيم، عزّاب غير متزوجين، ليسهم لهم ولد يخافون عليه الفساد، ولا بنت يخشون على عفافها الضياع، فهم لذلك يفتحون علينا، في صحفهم ومجلاتهم وكتبهم، باباً بعد باب للاختلاط والفجور والبغاء المقنَّع، يخترعون كل يوم اسماً جديداً، فمن الحرية الفكرية، إلى الحرية الفنية، إلى الروح الرياضية، إلى النهضة النسائية والمسمّى واحد والغاية واحدة، وهي أن يستمتعوا المتعة المحرمة ببناتنا، بالنظر إلى محاسنهن في الطريق، والاختلاط بهن في المعهد، ورؤية المستور من أعضائهن في الملعب، وتقصِّي العيون الفاجرة كل موضع من أجسامهن على الشاطئ، وما يتبع النظرة من الابتسام، وما بعد الابتسام من الكلام، ثم الموعد واللقاء، ثم، ما نعرف وتعرفون! غاية طبيعية لا بد من بلوغها، ومن أنكر ذلك لم يكن إلا أحمقاً مجنوناً، أو كذاباً ملعوناً، يظهر غير ما يبطن، ويقول غير ما يعتقد.

وهل تدحرج الصخرة من فوق الجبل، ليس أمامها شيء، وتنتظر أن تقف على الطريق؟ هل تضع النار والبارود، وترقب ألا يكون انفجار، بل يكون برد وسلام؟

هذه حقيقة من أظهر الحقائق، من كان لا يبصرها فهو أعمى، ومن أنكرها فهو شيطان، فلم لا نعترف بالحقائق؟

لماذا ننكر بألسنتنا، ما تنطق بصحته قلوبنا وجوارحنا؟

لماذا نكون مثل هؤلاء التقدميين! يفعلون كل شيء، ولكن يستحيون من التصريح باسمه؟

وكيف يجوز لهم في شرع هذه المدنية أن يهجموا علينا ولا يجوز لنا أن ندافع عن أنفسنا؟

أتبلغ الوقاحة باللص أن يأتي ليسرق عرض ابنتي جهاراً نهاراً، ولا يحق لي أن أحصِّنها منه بالحجاب الشرعي، وبالتربية الإسلامية، وأن أدافع عن نفسي بالفكر والقلم واللسان؟

إننا في أنظارهم رجعيون، وجامدون، ومتعصبون، لأننا لم نقل لهم، تفضلوا انتقوا من تشاؤون من بناتنا، لتصاحبوها في السينمات، وتراقصوها في السهرات، وتأخذوها إلى البلاجات.

لقد بلغنا من المذلة والضعف أن صرنا نخشى اللص، ونهرب منه، لئلا نشاهد متلبسين بهذه الجريمة الهمجية، المخالفة للمدنية والتقدمية، جريمة منع اللص من أن يسرقنا، لقد تبدّلت المقاييس، وتغيرت الإفهام، فصار الناس يُجلِّون البغايا من الممثلات والراقصات، أكثر مما يُجلّون الفاضلات الصالحات ويحترمون المغنين والمغنيات، أكثر من احتارم المدرسات والمعلمات.

هذه كله ثمر الغرسة الخبيثة التي غرسها فينا الاستعمار، وإنه لن يكون الجلاء حقاً، حتى تجلو قوانين المستعمر عن محاكمنا، وشبهه عن رؤوسنا وعاداته عن بيوتنا، كما جلت جنوده عن ارضنا.

وذلك في أيدينا، نحن الكثرة الكاثرة، نحن الذين نملك الأموال والعقول والألسنة والأقلام، ونملك هذه المنابر التي تستطيع أن تهز الأرض، إذ علاها رجال، لا أشباه الرجال.

فإذا بقينا على هذا الصمت، وهذا الضعف، وهذه العبودية، كنا مستحقين أن نصفع على وجوهنا كل يوم، لا بالكتب بل بالنعال!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s