(1) العائلات السورية المهاجرة في فراغ وضياع

هذه رسالة وصلتني من سيدة هربت من سوريا

هاجرنا من سوريا بسبب الأوضاع السيئة فيها، وأقمنا في بلد جميل وهواؤه عليل، وأحوالنا المادية جيدة، ولكن زادت أمورنا سوءاً على مر الأيام بسبب المعاناة النفسية، فالجميع ضائع في هذه الظروف، الجو متوتر، الشباب بلا عمل، والأولاد بلا مددرسة، كل واحد يتدخل بالآخر، نشعر جميعاً بالضيق والفراغ. ولا نجد ما نشارك به سواء خارج البيت.

علاقاتنا تزداد سوءاً والفراغ يقتلنا.

قرأت رسالتها فخطرت على بالي هذه الأفكار:

قصتك -يا أختي- ذكرتني بقصتي، لما هاجرنا في الثمانيات عندما بدأت الثورة الأولى (التي ماتت) وحسبناها ستكون الفاصلة والقاضية على النظام، وهاجرنا إلى المملكة على أساس أنها فترة مؤقتة.

وفي الغربة كانت الوحدة مشكلة كبيرة، فلا نعرف أحداً سوى خالاتنا ولا نستطيع الوصول إليهن بسبب منع المرأة من القيادة وعدم توفر وسائل المواصلات وقتها والحر الشديد، وكانت المرأة إذا مشت في الشارع استشرفها الجميع (لندرة ذلك وغرابته، وتتعرض للغمز واللمز).

وكنا في بيت للضيافة صغير بسيط ليس فيه هاتف ولا أي وسيلة من وسائل التسلية سوى التلفزيون، وما كانت فيه إلا قناة واحدة تعمل من النهار كله عشر ساعات في برامج لا تسمن ولا تغني ولا تسلي.

عشنا في سجن انفرادي لا نخرج من البيت ولا يزورنا أحد، ونبقى بلا خبز ولا ماء يوماً أو يومين… كانت أياماً قاسية، شكوت إلى أمي فقالت وعلى شفتها شبح ابتسامة: “سوف تحنين لهذه الأيام رغم قسوتها”، وكان كلامها حقاً.

التففنا على ذلك بأن جعلنا جلوسنا بالبيت فرصة لتوثيق علاقتنا نحن الأخوات معاً، فتحولت المعاناة إلى متعة، وامتلأ الفراغ بضحكاتنا وكلامنا وأصبحنا نستعمل المسجلة للاستفادة ونسمع الأشرطة الفراغ، الرايدو لم يستقبل القنوات المهمة فالتفت إلى قراءة الكتب المفيدة.

وهكذا مضت أيامنا وحملنا منها إلى اليوم ذكريات حلوة.

إن الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، وفيهما فرصة طيبة للاستثثمار، ما عادت تعوض في هذه الدنيا المتلاحقة الحواث والمسؤوليات، وإننا لا نجد وقتاً لكثرة الواجبات وسوف تعودين قريباً إلى هذا الحال، فاسعدي بما أنت فيه، وابذلي جهدك وطاقتك في القراءة والاطلاع.

وإن جلوسك  مع أولادك فرصة لا تعوض لمعرفة مكنونات أنفسهم والاطلاع على مشكلاتهم وعيوبهم، ومعرفة مواطن القوة فيهم.

وإذا رأيت عيباً قوميهم بسرد ذكرياتك، وعرض المشكلة عليهم جميعاً ليدلوا بآرائهم، وجربي لعبة عكس الأدوار فيتخيلوا أنهم الأم ويرشدونك لطريقة مثلى للتعامل معهم…

إنها فترة مؤقتة ولن تطول، وهكذا الدنيا تمضي سراعاً وهي من حال إلى حال، فلا تستسلموا للملل وافعلوا أي شيء مفيد، أي شيء يسليكم فكل يوم يمضي لا يرجع مثله أبدا، وكل يوم أسوأ مما قبله، هكذا تعلمت من الدنيا.

وأسأل الله أن يسعد أولادنا وتكون أيامهم هانئة سعيدة

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s