Monthly Archives: سبتمبر 2013

لماذا حَرَّموا سلاحاً دون سلاح وكله قاتل وفتاك؟

لي صديقة صدوقة ثقة قالت لي ذات يوم كلاماً أذهلني: “أمريكا هي السبب في مجاعة الصومال”. ضحكت يومها وقلت لها: “أنا أؤمن بنظرية المؤامرة، أما اتهام أمريكا بمجاعة في بلد أفريقي يعاني الجفاف والتصحر… فهذا شيء عُجاب، وكيف تكون أمريكا السبب والمطر والجفاف من الله؟”.

قالت: “لنا أراض زراعية واسعة غنية نزرع فيها القمح في سوريا ولبنان، وفيها خير كثير والحمد لله، تأتي أمريكا بُجباتها كل عام، فيفحصون المحصول ويتأكدون من حجم الغلة، ثم يأتون في موسم الحصاد فيأخذونه كله ونحن نراقبهم ويمنعوننا من استخلاص أي شيء منه لأنفسنا مهما كان بسيطاً!؟ يجمعونه كله ويشحنونه إلى بلادهم، ونحن أصحابه، ويعطوننا بدلاً منه قمحاً معدلاً وراثياً من الذي لم يثبت صلاحه صحياً، ويمضون، ولا نستطيع الاعتراض أو الرفض أو الكلام.

وهكذا كان الوضع في الصومال فلما سيطر الثوار المسلمون على بعض الأراضي الزراعية حالوا بين أمريكا وبين ما تفعله واحتفظوا بقمحهم الجيد الأصيل لأنفسهم، فحاربتهم وقطعت عنه المعونات وسَعَّرت الخلافات بينهم، وتسببت بما نراه من الحرب الدائرة والهجرة والتشرد وموت الناس جوعاً، وزيادة فقرهم ومرضهم”.

 هذه الواقعة الحقيقية “مقدمة” أردت منها الوصول لتحليل يناسب ما يجري في العالم من حولنا من أحداث وقوانين تبدو عجيبة وغير متجانسة، ويتناسب مع فكرة “المصلحة” التي تقوم عليها السياسة الغربية. ومن هنا جاءتني فكرة سأعرضها عليكم:

 كلنا نعلم أن الغرب اخترع ذريعة “الإرهاب” ليقضي على خصومه وعلى كل من يعاديه، وأولهم “الشعوب المسلمة” التي تهدده بصراع الحضارت المزعوم. وأصبح الموت هو النتيجة الحتمية لكل من يعارض المصالح الغربية، ولكل من يبحث عن الخلاص والحرية… والموت يكون بالجوع والقتل والفقر والجهل فيكون الفرد حياً ميتاً! (أي موتاً معنوياً بالتجويع والتعذيب…) أو موتاً حقيقياً (بالإجهاز عليه). ولا فرق عند الغرب بين الموتتين، المهم أن يُوقِف نشاط من يعاديه بأي سبيل، ويضمن الهيمنة الكاملة على العالم والسيطرة على خيراته .

وأمريكا إذا عزمت على الإبادة الجماعية فماذا سيضرها لو مات أعداؤها بالسيف أو الرصاصة أو الخنق بالغاز أو الهدم؟ فكلها طرق سريعة وسهلة وغير مكلفة، ولا يتعذب فيها المرء أكثر من خمس دقائق ثم يذهب إلى حيث لا يعود الناس ويرتاح من هذه الدنيا، وتتخلص أمريكا من خصومها ومنافسيها، والناس ماذا يهمهم من طريقة الموت إذا كان محتماً عليهم؟! بل كأن الوفاة السريعة تساوي “القتل الرحيم” وهي منحة تهبها الدول القوية -في بداية الصراعات- لمن تصطفيهم من القادة والزعماء والمدنيين؛ لأنه حين يشتد الصراع يتمنى الناس الموت لتعذر الحياة ولصعوبتها في ظل النزاعات (كما هي الحال في العراق، وكما أصبحت في سوريا وغيرهما من الدول.

إذن ما السر في تحريم الغرب أسلحة دون أسلحة؟

ولماذا جعلوا بعض الأسلحة خطيرة دولياً دون بعضها الآخر؟

المسألة أهمتني، فقرأت عن الأسلحة، فوجدت أنهم حرموا ما وصفوه بأسلحة الدمار الشامل، وعرفوها بأنها الأسلحة التي تؤدي إلى أضرار خطيرة، فحرموها دولياً واعتبروا من يستخدمها ضد المدنيين “مجرم حرب” وتشمل: 1-:

1- الأسلحة النووية

2- الأسلحة الجرثومية.

3- الأسلحة الكيماوية.

هذا ما قاله الغرب، ولكن ومن استقراء الواقع نلمس ما يلي:

1- الدول الصغيرة والمكتظة بالسكان قد تتدمر بغير أسلحة الدمار الشامل!؟ وصواريخ سكود والقنابل الفراغية كانت كافية لتدمير البنى التحتية في سوريا، وتسوية بعض المدن بالأرض وجعلها خاوية على عروشها.

2- هم الذين سموها “أسلحة الدمار الشامل” وهم الذين حرموها، ولكن ثبت أن أمريكا تستعمل هذه الأسلحة وقت تشاء، وقد رمت الأطنان من الفوسفور الأبيض على المناطق التي استعصت عليها، وما الفلوجة منا ببعيد؟!

3- إذا طالت مدة الحروب ارتفع أعداد الضحايا، وزاد الخراب، وانتشرت الكوارث والأوبئة، فتقتل الأسلحة الخفيفة في شهر أو أكثر ما تحصده أسلحة الدمار في ساعة، فلماذا يغضون الطرف عن هذا؟! أليس القتل جريمة في كل حال؟!

 والظاهر أنهم سموها “دمار شامل” من باب التغطية والتقية، ولتخويف العالمين منها فيكونون عوناً لهم في محاربتها. ولأنهم عرفوا أننا نأخذ كلامهم على إطلاقه لأننا لا زلنا نثق بهم، ونظن بهم الخير ونعتقد أنهم يعملون لصالح البشرية. والحقيقة أن أمريكا حرمت هذه الأسلحة لأنها تحتاج دقة شديدة في إعدادها، وتحتاج لمقادير دقيقة جداً في تركبيها، وقد لا يحسنها إلا الخبثاء الذين صنعوها، وإذا تركوها مشاعة في أيدي الدول قد يتسبب سوء استعمالها بكوارث كبيرة على أعوان الغرب وعلى الدول الصديقة التي يرعاها. فالمواد التي تتألف منها هذه الأسلحة تَرْسُب في المياه وتلوث الطعام، وتتغلغل في الجسم البشري وفي خلاياه، وتدخل في الجينات فتبقى آثارها لأجيال.  ومهما تنوعت وتباينت المواد الداخلة في تركيبها فإنها سواء في التسبب بالسرطان (وخاصة لوكيميا الدم ولقد تضاعفت الإصابة به بطريقة أُسية، وأكثر المصابين من الأطفال)، وفي زيادة تشوهات الأجنة، ولقد ارتفع موت المواليد -في الأماكن التي استعملت فيها- من 9 حالات من كل ألف حالة إلى 80 من كل ألف… فتأملوا . وتقول الإحصائيات أن الغبار المشع المتطاير ينتشر إلى دائرة قطرها يصل إلى 300 كيلو متر من مركز الانفجار. وقال أستاذ القانون الدولي في الجامعة الأردنية الدكتور غسان الجندي: “ذرة واحدة من اليورانيوم المنضب تحتاج الى 24 مليون سنة لكي تختفي… إذن لا يحتاج المرء لعقل أرسطو ليدرك مدى تغول وتوحش هذه الأسلحة المحرمة دولياً”.

وحول تأثير هذه المواد يقول د. أحمد حلمي المتخصص في أمراض القلب والصدر الذي عمل في مستشفى جنوبي غزة أنه رأى “حالات وجروحاً غير مفهومة”. ويروي أن فتى في الرابعة عشر من عمره كان يعاني ظاهرياً من ثقب صغير جداً في الرأس لكن تبين أن هناك تلفاً كبيراً جداً في الدماغ ما جعل من غير الممكن إنقاذ حياته. يقول د. حلمي: “لا أعرف نوع أو طبيعة هذه الأسلحة التي تسبب جرحاً صغيراً جداً في حين أنها تقوم بإتلاف كبير للأنسجة في الداخل.

وفي مقابلة مع قناة “الجزيرة” قال د. رائد العريني: “بعض الجرحى يصلون إلى المستشفى من دون أن تكون هناك أي عوارض خارجية ظاهرة عليهم وعندما نخضعهم للأشعة لا يرى الأطباء أي أثر لشظايا داخلية، لكن وخلال فترة قصيرة، يبدأ هؤلاء الضحايا بالنزف داخليا وتظهر أضرار على أعضائهم الداخلية ثم يتوفون قبل أن يتمكن الأطباء من عمل أي شيء لهم”.

والخلاصة:

هذه الأسلحة تخرج عن السيطرة وتنشر دمارها، ومن أجل هذا يريد الغرب قصر استعمالها على نفسه وعلى من يثق بهم؛ فنراه لا يهتم بالقتل ولا يهتم بمجرد استعمال السلاح. وإنما يصب جل اهتمامه على الجهة التي تملك هذا السلاح، وعلى قدرتها على حمايته من الوقوع في يد الآخرين، وعلى أنه سَيُوَجّه -فقط- لقتل أعدائها. وأعدائه هو أيضاً.

(4) هل أتزوجها لأنقذها؟!

أختي الفاضلة هذه رسالة طلب صاحبها أن أعرضها عليك، فأفيديه بالحل بارك الله بك
أنا طبيب ومتزوج ولدي ثلاثة أولاد.
وأعيش مع زوجتي حياة هادئة مستقرة بحمد الله، وفيها مودة ومرحمة.
من سنة تعرضت إحدى الأسر لحادث مروري، كانت حالتهم صعبة وإصاباتهم خطيرة. فبقوا تحت العلاج مدة طويلة وكنت أتردد عليهم كثيراً بصفتي الطبيب المشرف.
ولما خرجوا من المشفى تابعت علاجهم كاستشارات على الواتسآب.. واستمروا باستشارتي في أمورهم الصحية، وتطور اﻷمر إلى استشارتي في مشاكلهم النفسية والعائلية. العائلة مكونة من ستة أفرد (شباب وفتيات) وأمهم ووالدهم متوفي. إحدى البنات متزوجة وبسبب إصابتها بإعاقة عصبية في الحادث بدأت المشاكل بينها وبين زوجها ثم تطور اﻷمر إلى الضرب ثم الطلاق. عرضت اﻷم علي ابنتها للزواج، فاعتذرت ورفضت طلبها
..عرضت اﻷم علي ابنتها فاعتذرت ورفضت طلبها..تعالجت الفتاة من مشاكلها الصحية وتبقى مشاكل بسيطة إلا أنها صار لديها إشكالية في احتمالية رجوع مشاكل عصبية كبرى ان هي تعرضت لعنف أسري..أخبرتني والدتها أنها انخطبت عدة مرات بعد طلاقها ولكن لم يتم الأمر مع أي خاطب وأنهم خدعوهم أو أخفوا عنهم عددا من الحقائق الشخصية مما أدى إلى رفضهم جميعا وبسبب ذلك صار عند الفتاة عقدة نفسية من الرجال وعدم ثقة بأي رجل..أعادت اﻷم علي عرض ابنتها لكوني الشخص الوحيد الذي تثق بي وبينت لي أنني لو رفضت طلبها فإن الفتاة لن تفكر بالزواج أبدا كونها تخاف من الرجال ولا تثق بهم وأضافت اﻷم أن ذلك اﻷمر بلا شك لا يرضيني كمسلم حريص على مستقبل أخته المسلمة..ترددت كثيرا في عرضها كوني أعرف نفسية زوجتي وغيرتها الشديدة وعدم تقبلها لفكرة الزوجة الثانية بل وعدم تقبل أهلي وأهل زوجتي لهذا الأمروتخيلت المشاكل الكبيرة والسلبيات التي قد تحصل في حياتي عقب إقدامي على هذا الزواج..ولكن بالمقابل أشعر بالمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقي تجاه هذه الفتاة والتي هي مقتنعة تماما أنني المتقذ الوحيد لها من مشكلتها.. أفيدوني بما ترونه مناسبا مشكورين مأجورين..
الجواب

أهلا أختي الكريم، وأشكرك على ثقتك وأتمنى أن أكون أهلاً لها

وأنصح هذا الطبيب ألا يقدم على هذا الزواج مهما قدموا له من أعذار أو إغراءات:

1- فالطبيب وظيفته أن يقدم الاستشارات والعلاج من أدوية وتوجيهات، أما أن يعالج المرضى بالزواج وأن يدخلهم في صلب حياته، فهذا شيء بعيد جداً عن طبيعة عمله.

وتخيلي لو تزوج كل طبيب فتاة أو عدداً الفتيات لإنقاذهن!؟ ستصبح مهنة الطب مهنة “الزواج”.

 2- إن حمل هموم العمل إلى البيت يدمره تدميراً، فكيف إذا حمل الزوج إلى البيت ضرة لزوجته الوفية؟!

3- ولا أدري ما الضير لو بقيت الفتاة (صاحبة الحادث)  بلا زواج؟! ألم تتزوج قبل الآن وتجرب حظها؟

4- ويفيد الطب النفسي أن أمثال هذه العقد لا تستمر وسوف يأتي يوم تشعر فيه هذه الفتاة بالحاجة إلى الزواج وسوف تقبل بأي عريس، فلا ينبغي للطبيب أن يدمر حياته من أجل مشكلة عابرة.

5- إن هذا النوع من الزواج الذي بني على الإلحاح من جانب الفتاة وأهلها، وعلى الشفقة من جانب الطبيب. وقام -من جانب آخر-على الحاجة الصحية الآنية، إن هذا الزواج لن يستمر، لأنه قام على أسس خاطئة.

6- وهذا الزواج سوف يتسبب بإفساد الزواج الأول السعيد الهانئ، وتدميره بسبب غيرة الزوجة الأولى (والطبيب في غنى عن ذلك خاصة وأن الطبيب يعيش في سعادة، وقد رزقه الله المال والبنون)

7- سيفسد الزواج الأول ولن يهب السعادة أو الهناءة للزوجة الثانية لأنها مريضة نفسياً وقد تثور في وجه الطبيب إن رأت منه ما يذكرها بزوجها الأول. وقد تسبب غيرتها من الزوجة القديمة في عودة الحالة العصبية لها ، أو قد تلمس في زوجها شيئا لا يتوافق معها…

فهل هو على استعداد لقضاء حياته في مداراتها وملاطفتها والحرص على مشاعرها؟!

أختي الغالية:

أخبري الطبيب السائل، أنه لأول مرة تعرض علي مشكلة وأشعر أن الحل واضح كوضوح الشمس في رابعة النهار! وألخص نصيحيتي له: “إياه ثم إياه أن يقدم على هذا الزواج”.

ابني الشاب ترك الصلاة!

وصلتني هذه المشكلة وأنشرها كما هي:
مشكلتي كبيرة وفيها مخالفة شرعية
أنا ربيت ابني على الصلاة وربما لم تكن التربية السليمة 100% … (بسبب اختلاف وجهات النظر بيني وبين أبيه)؛ وأعاني الآن من مشكلة أنني أسأله في معظم الأوقات إن كان قد صلى فيقول نعم … وقلبي يشك لا لمجرد الشك بل لبعض الدلائل أنه لم يصل.
ابني بلغ 19 سنة، وأخاف عليه من ترك الصلاة، ولا أدري كيف أنصحه، وأحاول إقناعه بمتابعة الدروس فلا يتقبل، ولا يذهب.
عندما كان صغيراً كنت أنا آخذه للدروس وأجبره عليها، الآن كبر ولا أستطيع قسره عليها. فماذا أفعل؟
والجواب:
معك حق بالخوف عليه فالدنيا أصبحت خطيرة، وكل شيء في متناول الصغار فضلاً عن الشباب
وإذا أردت رأيي، لا تسأليه عن صلاته أبداً أبداً، ولا تأخذيه للدروس لأنه سيزداد بعداً ونفوراً.
وإنما اهتمي بمصداقيته، واعرفي أخباره وطريقة تفكيره.
وحاولي الحديث معه في همومه الداخلية، وحاولي ربطه بمراقبة الله بشكل غير مباشر ، عن طريق تعليقاتك على المواقف اليومية أو حديثك مع والده، أو من خلال سردك لواقعة حقيقية.
 قد يبدو ابنك لك كبيراً وبالغاً ولكنه يحتاج لتوجيهاتك وارشاداتك، اخرجي معه لمكان يحبه وتكلمي معه على الطريق ولا مانع حتى من أن تسأليه بصراحة بالغة : إن كان يصلي حقا فإذا قال : لا… فلا تغضبي ولا تثوري، بل تماسكي تماماً، اسأليه بمحبة وتفهم: لماذا وما الذي يمنعك؟!
وعندها سوف تعرفين:
هل هي ردة فعل لسلوك معين.
أم قلة إيمان
أم كسل…
وبعدها ابدئي بالعلاج واصبري ولو أخذ الموضوع شهوراً فإنه يستحق الصبر، لكيلا يخسر آخرته.
ولا تنسيه من الدعاء، والله خير حافظاً.

كيف ثار جيل الفيس وتويتر؟!

أكثر الأمهات معجبات بأولادهن، ويرون هذا الجيل متميز بذكائه وأدائه.

وكنت أخالفهن الرأي وأشرح لهم خطورة هذه العبارة على الناشئة وضرورة تلافيها في التربية لأن عواقبها وخيمة وقد أدت لتمرد الجيل وخروجه عن السيطرة. فكنت أبدو غريبة بينهن!

فلما قامت الثورات وجدت الأمهات نقطة جديدة يستعملنها ضدي ويثبتن بها خطئي وصدق رؤيتهن!

ولست من الذين يصرون على الخطأ وما أهون الاعتذار علي، ولكن للأمر خبايا وخفايا سوف أقصها عليكم، ثم أنظر ماذا ترون:

لي صديقة قديمة ومربية فاضلة تعمل في مدرسة مشهورة ومعروفة في جدة، وذات يوم -حين كبرت ابنتها ووصلت للمرحلة الثانوية- بدأت الفتاة تتمرد على والدتها وترفض الانصياع، وتعترض على أكثر القيم التي رُبيت عليها، وتنتقد البديهيات! دهشت أمها من تبدل سلوكها فجأة، وهي التي وجهتها بطريقة معتدلة وسليمة وعلى أسس صحيحة…

عمل الأم في سلك التعليم جعلها فطنة واعية؛ فتنبهت لأن الطالبات يتصرفن بنفس الطريقة، وفي غرفة الإدارة تكلمت الأم مع زميلاتها فعرفت أن المناهج الجديدة في مدرستهن النموذجية تشجع هذا المنحى بدعوى الانفتاح والحرية والخوف من الكبت، إنها موضة جديدة ما كانت موجودة في المدرسة وما كانت الطالبات هكذا في العوام الماضية… وخلال مدة قليلة تفاقم الوضع بين الطالبات وزادت الجرأة بينهن حتى وصلت أحيانا لدرجة الوقاحة… بل صار التمرد ظاهرة واضحة بين أفراد الجيل جميعا إناثا وذكورا.

الأم تصرفت على الفور ونقلت ابنتها إلى مدرسة حكومية، مضحية بالخصومات والحوافز والمكتسبات الكبيرة مقابل سلامة علاقتها بابنتها، وهكذا يتصرف العقلاء.

وفي المدرسة الأخرى رجعت البنت مهذبة لطيفة رقيقة، وانتهت معاناة الأم. ونجت الفتاة من التأثيرات السيئة للعولمة.

وقالت لي الأم أنها علمت من مصادر موثوقة عن الخطة الغربية لإفساد أولادنا، وتغيير هويتهم وثقافتهم، وقد بدأت حقا، وهي تسير بنا نحو الهاوية.

وقلت لنفسي: “معها حق”، فأولادنا يتربون على الموضة وعلى الثقافة الغربية. وأهلوهم في غمرة ساهون (بين ثقل العمل وكثرة الواجبات…) فأنى لهذا الجيل أن يتميز أو يفوق وهو على هذه الحال؟!

فجاءت شهادة الأم لتوضح ما خفي عن الناس، وتفسر لهم حقيقة الحال:

المربون تعجبوا من سلوك جيل الفيسبوك وتويتر و… في الثورات واندهشوا من أدائه وقد كان لاهيا وغافلا وضائعا ومنصرفا إلى اللهو؛ فكيف جاء بما لم يأت به الأوائل؟!

وكان أن ازادوا إعجابا بالجيل وتقديرا له.

والحقيقة:

لقد سعى الغرب لإخراج أولادنا من أيدنا بدعوى “الحرية الشخصية” فشجعهم على الثورة وشجعهم على التمرد وعلى العصيان، ليخرجهم من قيد الدين ومن ربقة القيم… وبدأ كيدهم يؤتي أكله وتغير هذا الجيل وتبدل وخرج عن السيطرة… فسعد الغرب وتمادى في كيده وخططه… حتى جاءهم كيد العلي القدير فتحولت رياح الثورة التي نفخوها نحوهم وانعكس اتجاهها، وثار الجيل على الحكام العرب أي على عملائهم وزبانيتهم في المنطقة العربية كلها.

والمدهش أن الثورات ساهمت في وعي الجيل وتفتحه، فبعد أن بدأت الثورات عشوائية وبطريقة بدائية واعتباطية…  تطورت وانتهت بطريقة محترفة أصبحت تهدد كل المنطقة، بل تهدد التمدد الغربي نفسه

(3) الزواج يقوم على المودة والمرحمة

سألتني فتاة مقبلة على الزواج:

ما حقوق الزوجة وواجباتها؟
فأجبتها:
أنصحك ألا تفكري بهذه الطريقة لكيلا تفسدي زواجك، فالعلاقات الزوجية تقوم على “الود والمرحمة” قبل “الحقوق والواجبات”.
والدليل أن الحقوق والواجبات في الشرع مفتوحة وغير مقننة، فمثلا من حق الزوجة “العشرة بالمعروف” وهذه العبارة لها تفسيرات كثيرة؛ وبعض الأزواج يضرب زوجته ويهينها ثم يشتري لها عقد ألماس ويعتبر أنه عاملها بالمعروف وترضى هي وتشكره !! إذن أنت تصيغين تفاصيل حياتك بينك وبين زوجك كما تتفقان أو كما تتقبلاها أنت وهو.

(3) أساليب الشيعة الخبيثة

كيف يتغلغل الشيعة في بلادنا؟
يختارون معاقل السنة بعناية ويتبنون أنشطة الجمعيات والمنظمات المشهورة. ويحاولون نشر أفكارهم في جرائد البلد وإعلامها ويسيطرون على القنوات الفضائية والمساجد الرئيسية. ويتملكون الأراضي المميزة ويبنون عليها المستشفيات والمعاهد والمدارس ومراكز البحوث، فتكثر أموالهم وتفيض.
ويقيمون الدورات لإعداد أئمة وخطباء، ويطبعون كتبهم ويوزعونها مجانا، ويقدمون المال والعلاج والمنح الدراسية والهدايا للفقراء والمنكوبين ليتشيعوا…
وهكذا يتحول أهلونا إلى مذهبهم وأموالنا إلى أيديهم (عن طيب نفس منا) ويغتنون ونفتقر! ويحكمون بلادنا بقوتهم الاقتصادية.
كل هذه وما تزال الشعوب الإسلامية استهلاكية غافلة، والأغنياء ينفقون أموالهم على الألماس والسياحة والسفر والموضة والماركات والحفلات ويتملكون القصور والسيارات الفارهة والمتاع الزائل… ولو أرادوا لأعدوا العدة ولغلبوا الشيعة وأحبطوا مخططاتهم كلها.

(نشرت على صفحتي على الفيس بوك)

الصغائر تفسد حياتنا

نستحقر الصغائر ونراها تافهة لا تستحق الضيق والانزعاج وهي أكثر ما يفسد الحياة ويذهب ببهجتها ! ولا ينجو من الحزن منها صغير ولا كبير، وإن الترفع التام عن الصغائر مستحيل وهراء!
توافه الحياة اليومية يتأثر منها الناضج والمثقف والحليم… وقرأت بالمختار: الصبر على التوافه الصغيرة أشد من الصبر على المصائب الكبيرة فكلنا نجيد الجلوس براحة على قمة الجبل ولكن القليل منا (كالفقير الهندي) يستحق الإعجاب لأنه يجيد الجلوس على الدبابيس الحادة الصغيرة
فلابأس ببعض الضيق والحزن والعتب… ولكن تذكروا أن المؤمن يصبر على أذى الناس ولا يغضب وليس بطعان ولا فاحش ولا يقاطع الناس

زورق الأحلام

 زرت صديقاً لي، من رفاق الصغر، فرأيت ولده منكباً على أوراق له، يفكر ويكتب. ثم يمزق ما كتب، ثم يعود إلى التفكر. فقلت لأبيه: ما له؟

قال: إنه مستغرق في الإنشاء.

قلت: فيم يكتب؟

قال: في الموضوع الأزلي الذي لا يمل منه مدرسو الإنشاء، ولا يسأمون من ترديده.

قلت: ما هو؟

فضحك وقال: السؤال الذي يلقي في كل بلد، وفي كل وقت، لا يتبدل بتبدل الأمكنة ولا الزمان. وهو ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟ وسكت لحظة. كأنه يتذكر. ثم قال لي: تذكر كم مرة سئلنا هذا السؤال في المدرسة؟

قلت: أذكر، لقد كتبت فيه مرات لست أحصيها، عشرين مرة؟ ثلاثين، أكثر من ذلك! وكنت في كل مرة أنطلق مع أحلامي أتخيل دروب الحياة وقد فرشت لي بالسجاد الذي تغوص فيه من لينه الأقدام. ثم رشت عليها العطور، ونثرت فوقها الورود والزهور.

لقد طالما تخيلت نفسي هائماً في رياض هذا المستقبل، أنشق ريّاً عطره، وأجتلي جمال زهره، وأرتع في خيره المرجّى وبره.

تصورت نفسي طبيباً له العيادة الكبيرة، والزبائن الكثر، وعشت في هذا الحلم حتى تخيلت نفسي أرى اللوحة على بابي، وأمد يدي لألمس السماعة في عنقي.

وتصورت نفسي ضابطاً كبيراً، قد هبطت النجوم من سمائها حتى استقرت على كتفيه، ونزل البرق حتى صار يخرج من قرع مهمازيه.

وتصورت نفسي صاحب المزارع الواسعة الشاسعة. والحقول الممرعة المزهرة، أفيق فيها مع العصافير لأتطلع إليها، أكحل العين في الإصباح بمرآها.

وتصورت وتصورت، فأين مني الآن تلك التصورات؟

لقد أردت لنفسي، وأراد الله لي، فكان ما أراد الله لي، لا ما أردت لنفسي.

كنت من شهور أقلب أوراقاً لي قديمة، أفتش فيها عن وثيقة أطلبها، فوجدت إيصالاً هذا نص ما فيه:

المملكة المصرية

دار العلوم العليا

نادي التمثيل والموسيقى.

نمرة متسلسلة 70

وصل من حضرة العضو محمد علي الطنطاوي الطالب في دار العلوم العليا مبلغ 10 فقط، عشرة قروش صاغ، قيمة اشتراكه عن شهر أكتوبر سنة 1929.

تحريراً في 15 أكتوبر 1929

الخاتم الرسمي

أمين الصندوق

الإمضاء محمد علي الضبع.

علي الطنطاوي عضو نادي التمثيل والموسيقى!

وتصورت ماذا تكون خاتمة القصة التي بدأت بهذا الإيصال لو قدر لها أن تكتمل فصولها.

إلى أين كان يصل بي ذلك الطريق الذي وضعت قدمي عليه، يوم صرت عضواً في هذا النادي لو أني تابعت السير فيه حتى بلغت آخره؟

كنت أبدأ ممثلاً في الكلية، ثم أعتلي خشبة المسرح، ثم أدخل فرقة من الفرق ثم يسجل اسمي في القائمة التي تبدأ باسم يوسف وهبي وتنتهي باسم إسماعيل ياسين.

فيكون علي الطنطاوي اليوم ممثلاً عجوزاً متقاعداً، يتسكع على أبواب الحانات، ويعاشر القينات، ويسهر الليالي، وينام الأيام، ويعود بلا صحة ولا مال، وربما عاد بلا دنيا ولا دين.

ولم يكن يحول بيني وبين هذه الغاية شيء. فالاستعداد لذلك في نفسي كبير والرغبة فيه شديدة، وكان يزين لي فأراه يومئذ حسناً، ولكن الله صرفني عنه.

وما كان ذلك بعمل مني. ولكن بصنع الله لي.

وفي أوراقي التي وجدت فيها هذا الإيصال شهادة مكتوبة بالخط الديواني ولها إطار مذهب الحواشي، وفي رأسها اسم وزارة الأوقاف، فيها قرار تعييني إماماً في جامع رستم في حي العقيبة في دمشق.

أي والله، وتاريخها سنة 1924، أي من اثنتين وأربعين سنة شمسية.

إني لأنظر إلى هذه الشهادة، وأرجع البصر إلى ذلك الإيصال الذي اصفر لونه، وبلى ورقه، وتمزقت طياته، فأرى عجباً، دونه والله ما يشطح إليه خيال القصاص.

من إمام جامع، إلى ممثل في التياترو.

و لكن كيف دخلت نادي التمثيل والموسيقى؟

إني لأتأمل هذا الإيصال، فأعود إلى أيامي الماضيات إلى سنة 1347، وقد نلت شهادة البكالوريا كما كنا نسميها يومئذ، أو التوجيهية كما تسمى اليوم وكان الفرنسيون قد أنشأوها تلك السنة فحملتها وسافرت إلى مصر، فدخلت دار العلوم العليا، وانتسبت إلى الجامعة المصرية، وكنت أول سوري يؤم مصر للدراسة العالية في غير الأزهر، وكنت أحرر في مجلتي خالي وأستاذي محب الدين الخطيب، المجلة الأدبية الأولى في العالم العربي، وهي الزهراء والمجلة الدينية الأولى في العالم الإسلامي. وهي الفتح.

وأعلنت عمادة الكلية، أو مديرية المدرسة كما كانت تسمى، عن تأليف ناد_ للتمثيل والموسيقى، ودعوا من يريد الاشتراك فيه إلى طلب الانتساب، فكنت فيمن أراد.

وجاؤونا برجل ممثل يعلمنا التمثيل قصير متحذلق لا أدري ما صنع الله به بعد هذه السنين التي قاربت الأربعين، ولا أزال أذكر اسمه، حفظته لغرابته، وإن كان مكان الأسماء من ذاكرتي قد كثرت فيه الخروق التي لا ترقع.

واختبرنا بجمل نلقيها إلقاء مسرحياً على أن نعبّر عن معانيها بخلجات وجوهنا، ولهجات حروفنا وإشارات أيدينا، فلما جاءت النوبة إليّ، وألقيت تلك الجمل دهش هو ومن كان معنا من الطلاب ورأوا شيئاً ما كانوا يتوقعونه وشهدوا بأن هذا الشامي، ممثل جامد أي ماهر، ونعوذ بالله من الجمود.

وما كانوا يتوقعونه مني، أما أنا فكنت أتوقعه من نفسي، لأني كنت قد ألفت من تلاميذي في المدرسة الابتدائية التي كنت أعمل فيها في دمشق فرقة للتمثيل، وكنت أكتب لهم القصة، وأعلمهم تمثيلها، وكنت بارعاً في التمثيل.

وما أريد أن أفيض في سرد القصة، فلذلك كتاب عنوانه، ذكريات نصف قرن، كتبت منه كثيراً. وبقي عليّ منه كثير.

ولكن أريد بيان العبرة من هذه القصة.

لقد اشتغلت بالتمثيل، واحترفت الصحافة، وغصت في السياسة، ولكن الله كان يوجه طريق سيري، فلم يختر لي من ذلك كله شيئاً.

لا، لا أقول أن الإنسان مسيّر، فإنها أضل مقالها قالها الإنسان، والإنسان مخيّر، أعطاه الله اليدين، فهو يستطيع أن يحركهما ليتصدق على السائل، وأن يحركهما ليضرب البرئ، ومنحه الرجلين فهو يقدر أن يمشي بهما إلى المسجد ليصلي أو إلى الماخور ليفسق.

جول سيمون، يرد على من يدعي أنه مسيّر. فيقول له: سأرفع يدي بعد ثلاث دقائق. فهل تراهنني على أنني لا أستطيع أن أرفع يدي؟

ولكن ليس معنى هذا أن الإنسان يستطيع أن يتحكم في الكون، ولا أن يقرر لنفسه المصير.

الصخرة لا تتحرك، والسيارة تتحرك، فنحن لا ننكر حركة السيارة، ولا حرية سائقها في التوجه بها، ولكن ليس معنى هذا أن يخترق بها الجبل، ولا أن يمشي بها على وجه الماء، إن السيارة تمشي بحرية سائقها واختياره، ولكنها لا تمشي إلا على الطريق، وتسرع ولكنها لا تجاوز في سرعتها الحد الأقصى الذي حدده مصنعها لسيرها.

وكذلك الإنسان، إن له حرية واختياراً، ولكنه لا يستطيع أن يسلك إلا الطريق الذي تشقه له الأقدار. وله مقدرة ولكنها في حدود المقدرة التي أعطاها الله للإنسان.

إنه كراكب الزورق في البحر، يوجهه حيث شاء، ولكن قد تضربه موجة عاتية فتحول وجهته من اليمين إلى الشمال وكذلك تصنع الأيام، بزوارق الأحلام.

كنت في مصر، وقد رسمت طريقي، وحدّدت وجهي: أن أكمل الدراسة في دار العلوم، وأعمل في الصحافة، وإذا بموجة تلطم صدر زورقي، فتعيدني إلى دمشق، فأدخل فيها كلية الحقوق وأغامر في السياسة، وأقود الطلاب جميعاً إلى ساح النضال، وأحترف الصحافة، فأكتب في فتى العرب عند مؤلف سيد قريش، وفي ألف باء، عند باقعة الصحافة في الشام. ثم أتولى التحرير الداخلي في الجريدة الوطنية الكبرى، التي أصدرتها الكتلة الوطنية رافعة لواء النضال للاستقلال.

وكان آخر ما أفكر أن أكون موظفاً.

أنا أكون موظفاً في ظل الانتداب؟ وإذا فرض ما لا يكون وقبلت التوظيف فلن أكون معلماً محترفاً حسبي أنني أعلم في المدارس الأهلية في دمشق، الأمينية والكاملية، والجوهرية، والتجارية، من سنة 1345 هـ إي والله!

ولكن هذا الذي كان:

فقد كانت في سنة 1931 نكسة وطنية، بعد انتخابات 20 كانون أي ديسمبر، التي قاطعناها، وسيطر الفرنسيون، وعطلوا الجريدة التي كنت أعمل فيها، فقبلت أن أكون معلماً، لئلا أدع أخوتي بلا طعام.

وضربت موجة أخرى زورقي، حين آذاني الحاكمون فنقلوني في أقل من ثلاث سنوات، بين خمس من القرى، وآذيتهم بقلمي ولساني، فتركت الشام وسافرت إلى العراق.

وكان لي في العراق إخوان، وكان لي تلاميذ، منهم من صار رئيس جمهورية رحمه الله وأبقى في الرئاسة أخاه، ومنهم من لست أحصي من صاروا وزراء، وصار منهم كبار القضاة، والقادة والضباط ما كان أحلى أيامي في العراق، وسلام مني لا ينقضي على إخواني وتلاميذي في العراق.

وصرفتني موجة إلى لبنان، فعملت في بيروت سنة 1937 وصار من تلاميذي فيها أساتذة في الجامعة، وناس من كبار الناشرين وأصحاب المجلات وصار منهم رئيس القضاء الشرعي، ومنهم الشاب العالم الصالح الذي سرني وفرح قلبي، إن سمعت من أيام نبأ انتخابه بالإجماع مفتياً للبنان.

وموجة أخرى، حولتني إلى القضاء، وما كنت أظن يوماً أن سألي القضاء، ثم عدت بعد أكثر من ربع قرن في القضاء، أمضيت نصفها في محكمة النقض، عدت بعد التقاعد، مدرساً في مكة المكرمة بجوار حرم الله.

جرني إلى هذا الكلام كله، موضوع الإنشاء.

فليفكر إخواننا المعلمون، حين يلقون هذا السؤال، فيما كانوا يجيبون عليه وهم طلاب.

هل كانوا يريدون أن يكونوا معلمين، أم كانت لهم غايات، طالما تطلعوا إليها. وحاولوا بلوغها؟

وأحلام كبار طالما كانوا يناجونها في خلواتهم، ويسامرونها في لياليهم ويحلمون بها في يقظاتهم.

وجهوا إليها زوارق حياتهم، وكل همهم أن يصلوا إليها، فجاءت موجة فضربت الزورق فحولت طريقه؟

أما أنا فقد رث زورقي وبلي من طول ما توجه يميناً وتوجه شمالاً، فمرّ بي على كل بلد فرأيته، وأطال بي الرحلة فذقت الحلو والمر، وعرفت المتع واللذاذات، والمتاعب والآلام، عرفت لذة المال، ومتعة الشهرة وحلاوة المنصب، وإعجاب الجماهير، ولو عدت تلميذاً الآن وسُئلت هذا السؤال، لقلت أنه لم يبق لي من الآمال إلا أمل واحد، هو أن يرزقني الله حسن الخاتمة وأن يخلفني في أهلي وبناتي، وأن يريني قبل موتي بياض يوم النصر للإسلام وأهله، بعد هذا الليل الذي امتد سواده وعمّ، اللهم آمين.

أسئلة ابني محرجة جداً، وعجزت عن الجواب عنها!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أختي المربية الفاضلة عابدة. لدي مشكلات في تربية ولدي الوحيد وعمره أحد عشر عامًا، وقد بحثت وسألت قبلًا ولكن بلا فائدة، أختي الفاضلة إن قررت مساعدتي وأسعفك وقتك فأجيبيني:

أنا أقيم الآن في دولة أعجمية “باكستان” ويدرس ابني في مدرسة عربية – ولله الحمد – ولدي أيضاً أخوات له. منذ فترة بدأ يسأل أسئلة محرجة جدًا، ولعلك تدركين ما أقصد خاصة أنه متعلق بالرائي ويتابع قناتي الجزيرة الوثائقية وناشيونال جيوغرافيك، وكنت مسرورًا بذلك إلى أن ابتدأ ينمو ويسأل ويستفسر وهو لا يقبل بأنصاف الإجابات ولا بالتلميح ويوقعني وأمه بإحراج ما بعده إحراج، خاصة وأنه يبادر بسؤال جدته أو عمه أو من توفر حوله (إن لم تقنعه إجاباتي أو يفهم تلميحاتي)، بالمناسبة هو انعزالي جدًا وبسيط جدًا ومتفوق دراسيًا ولا يحب الخروج، وقد تكون ضعف خبرتنا السبب. لجأت لمن هم أكبر سنًا وأكثر علمًا لكن لم أستفد شيئًا.

أختي الفاضلة:

تحرجت أن أذكر بعض الأسئلة التي كان يوجهها إلي حياءً. ولكن اعذريني إذ يجب أن اسألك سؤالًا – مما سألني – حتى تدركي معي ما أعنيه تمامًا فهل تسمحين لي بذلك؟!: سألني مرة عن معلومة قرأها وهي أن “هزة الجماع عند أنثى الخنزير تصل إلى ربع ساعة ولك أن تدركي عما سأل؟”. أنا تهربت منه حتى أسأل، فماذا أفعل؟ وإذا نصحتِ برد مناسب لعمره فهل أبادره بالجواب أم أنتظر حتى يسأل مرة أخرى؟

أرجو مساعدتك فالمدارس ابتدأت من الأمس وأخاف عليه من رفاق السوء وتعليم الشوارع في المدرسة.

بارك الله بك ونفع بعلمك..
الجواب.. أخي الفاضل:

أهنئك أولًا بطفلك الذكي والعميق التفكير، بارك الله لك به، وجعل مستقبله علميًا زاهرًا.

ونصيحتي لك ألا يذهب عقلك بعيدًا، فطفلك في هذا العمر الصغير لم يدرك ما تخشاه، ولا يفكر بما تفكر أنت فيه، ولو عرف أن الموضوع معقد ومحرج لما تكلم فيه على الملأ، ولما سأل عمه وجدته… ولغلب عليه الحياء وآثر الصمت.

إن سؤاله بريء جدًا ويتوافق مع وصفك له بالبساطة والتلقائية وحب المعرفة. وهو يسألك ليتعلم ويفهم، ولعله سمع معلومة ناقصة فأراد إتمامها بالاستفسار منك. وأمر مطمئن وجيد أن تكون مرجعه وموضع ثقته، فالاعتماد على الآخرين قد يتسبب بمعلومة خاطئة أو عقدة نفسية، ولي قريبة تطوعت رفيقتها في المدرسة وشرحت لها كيف يتم الزواج وهي لم تتجاوز التاسعة، ففوجئت الصغيرة وأصبحت بين مصدق ومكذب، وتسببت المعلومة بمعاناة كبيرة لها وصار عندها نفور من الزواج ومن والديها، وأصبحت تتقزز من كل طفل.

فما الحل؟

ابنك حريص جدًا على المعرفة، وإن لم تزوده بها سيبحث عليها عند غيرك وقد يتلقى معلومات خاطئة، أو تعرض عليه الحقائق بطريقة غير مهذبة، فلا تسمح لرفقاء السوء أن يسبقوك، ويشوهوا فكر طفلك ويعبثوا بمشاعره، فابدأ أنت بتعليمه قبل الآخرين، فإذا سألك أجبه بوضوح وصراحة ولا توارب ولا تكذب عليه، فمصادر المعرفة كثيرة وإذا وصل إليها واكتشف تلاعبك فقدت ثقته بك إلى أجل غير مسمى، وهذه خسارة كبيرة جدا، فلا تخسر ابنك لقاء شيء لا بد منه! واعلم أن انصرافه عن سؤالك لا يعني توقف مخه عن التفكير، وإنما معناها أنه انصرف عنك أنت إلى الآخرين فلا تسمح بهذا. ونحن عادة ننتظر أولادنا ليسألوا فنجيبهم، ولكن في هذا العصر بتنا نفضل أن نبادر نحن بتلقينهم المعلومة، بل أصبح لزامًا علينا أن نفعله.

 

وهذه نصيحتي:

ابنك صغير، والغريزة لم تتفتح عنده تمامًا إنها بدايات خفيفة فالحقه؛ واشرح له الموضوع بطريقة علمية بحتة بعيدة عن المشاعر والأحاسيس، وهذا أفضل لك وله وأخف إحراجًا عليكما، وبما أنه يهتم بالأشياء العلمية ومراقبة القنوات الهادفة، اشرح له الموضوع بهذه الطريقة، فقل له عن ضرورة وجود ذكر وأنثى في كل شيء بدأ من النبات إلى الحيوان إلى الإنسان، والهدف هو استمرار الحياة، ثم افتح النت أو اشتر كتبًا ملونة جذابة تشرع عملية التناسل والتكاثر..

ابدأ من النبات ثم الحيوان وتلكأ قليلًا ثم أكمل حتى تصل للإنسان واستمر بنفس الطريقة الهادئة ولا تتحرج أبدًا، تكلم وكأنه أمر عادي وضعه الله منذ خلق الإنسان وحتى اليوم.

قل له أن الإنسان لا يمكن أن ينجب إلا إذا تزوج، وكل طفل لا بد له من أم وأب، ولذا ينام الزوجان في غرفة واحدة وفي سرير واحد، ورغم ذلك يكون الحمل بمشيئة الله، وهو يحدث ذات يوم دون علمهما، ويكبر هذا الجنين، والله هيأ له فتحة جاهزة موجودة في جسم كل فتاة ليخرج منها إذا أكمل شهره التاسع.

تكلم هكذا دون أن تشعر بالحرج، وكأنك تشرح درسًا في العلوم.

هذه الطريقة استعملتها مع صبيتي الخمسة ونجحت، ونصحت بها صديقاتي، فلا شيء أجمل من اعتبار الموضوع علمي بحت، والطفل لن يخطر في باله المشاعر والأشياء الأخرى، ولو كان يعيها لما سألك ولا استحى منك وتوجه إلى رفاقه أو بحث في النت.

طفلك سوف يسألك أكثر.. فقل له يجب أن يتقارب الزوجان كثيرًا حتى يتم الأمر فالحيوانات المنوية صغيرة وضعيفة، ولذلك خلقها الله بالملايين، والبيضة ثابتة في رحم الأم لا تتحرك من هذه البيئة الدافئة وإلا فسدت، وإن لم توضع الحيوانات في طريق البيضة وقريبًا منها ولا يمكن إنجاب طفل منها، ولذلك يتلاصق الزوجان كثيرا.

وأما “هزة الجماع” فلها مخرج: قل له أن كل حركة يفعلها الإنسان أو الحيوان تجهده ألا ترى المرأة لما تلد كيف تجهد وتتألم، وكذلك الرجل حين يحاول إنجاب طفل يجهد، فالطفل نصفه من الأم ونصفه من الأب، والأب يتعب عند ولادته وكذلك الأم ولكنه جهد مشوب بالمتعة واللذة لأن إنجاب طفل أمر مبهج جدًا، وحدث سعيد.

وأعتقد أنك بهذا تشفي غليله، ولن يجد ما يسألك عنه، إلا أشياء متشابهة، ولن يعييك الجواب بعد أن تجاوزت مرحلة الخطر.

في الحب

ومن حرّم الكلام في الحب؟ والله الذي أمال على الزهرة حتى تكون الثمرة، وعطف الحمامة على الحمامة حتى تنشأ البيضة، وأدنى الجبل من الجبل حتى يولد الوادي، ولوى الأرض في مسراها على الشمس حتى يتعاقب الليل والنهار، هو الذي ربط بالحب القلب بالقلب حتى يأتي الولد.

ولولا الحب ما التف الغصن على الغصن في الغابة النائية، ولا عطف الظبي على الظبية في الكناس البعيد، ولا حنى الجبل على الرابية الوادعة، ولا أمدّ الينبوع الجدول الساعي نحو البحر.

ولولا الحب ما بكى الغمام لجدب الأرض، ولا ضحكت الأرض بزهر الربيع، ولا كانت الحياة.

ما في الحب شيء، ولا على المحبين سبيل، إنما السبيل على من ينسى في الحب دينه، أو يضيع خلقه، أو يهدم رجولته أو يشتري بلذة لحظة في الدنيا عذاب ألف سنة في جهنم، أو لم يؤلف ثلاثة من أعلام الإسلام، ثلاثة كتب في الحب، وهم صاحب الأعلام، ومصنف المحليّ والإمام ابن الإمان؟

ويا ليت الشبان يعودون إلى الحب، فتقل هذه الشرور، ويخف هذا الفساد، ولكن أنىّ يكون الحب، مع هذه الشهوات المتسعرّة؟

إنها إذ لم تطمر الفحمة في بطن الأرض دهراً، لا تصير ألماساً، وإذا لم تدفن الشهوة في جوف القلب عمراً، لا تكون حباً.

ولكن كيف أكتب عن الحب؟

وهل تسع هذه المقالة حديث الحب؟

هل يوضع القمر في كف غلام؟ هل يصب البحر في كأس مدام؟ وأين لعمري الألفاظ التي أحمّلها معاني الحب؟ أين التعبير الذي يترجم عن العاطفة؟ إن البشر لا يزالون أطفالاً ما تعلموا الكلام، إنهم خرس يتكلمون بالإشارات وما هذه اللغات البشرية إلا إشارات الخرسان، وإلا فأين الألفاظ التي تصف ألوان الغروب، ورجفات الأنغام، وهواجس القلوب؟

نقول للون أحمر، وفي صفحة الأفق عند المساء عشرات الألوان كلها أحمر، وما يشبه لون منها لوناً، وما عندنا لهذه العشرات إلا هذا اللفظ الواحد، ونقول للحن رصد، ولكن رجفة في صوت المغني، أو مدة أو غنة، تجعل من الرصد مئة رصد، وما عندنا لهذه المئة إلا اللفظ الواحد.

ونقول، قصة جميلة، ونغمة جميلة، ومنظر جميل، وطفل جميل، ما عندنا إلا هذا اللفظ الواحد، نكرره كالببغاوات نعبر به عن ألف جمال، ما منها جمال يشبه جمالاً، وأين جمال القصة، من جمال الوادي، جمال العمارة من جمال المرأة؟

وجمال المرأة؟ أهو لون واحد، حتى نطلق عليه الوصف الواحد؟ لو حشدت مئة من أجمل الجميلات في مكان، لرأيت مئة لون من ألوان الجمال تشعر بها، ولكن لا تملك وصفها.

إن في الأرض اليوم أربعة مليارات من العيون البشرية نصفها في أوجه الأنثيات، ونصف النصف تحت حواجب الغيد الفاتنات، وما فيها عينان هما في شكلهما ووحيهما، وأثرهما في النفس، كعينين أُخريين. ثم إن لكل عين حالات مختلفات لا يحصيها العد، ولغات لو كان يدركها البشر، لكان لكل عين قاموس، يترجم عنها، كالقاموس المحيط. وما عندنا لهذا كله، إلا هذا اللفظ الواحد، جميل جميل، نكرره ونعيده.

وكذلك الحب.

الحب عالم من العواطف، ودنيا من الشعور، فيها كل عجيب وغريب وليس لنا إليه إلا هذه الكوّة الضيقة، الكلمة القصيرة ذات الحرفين: الحاء والباء، والحاء التي تمثل الحنان، والباء التي تجعل الفم وهو ينطق بها، كأنه متهيء لقبلة، كلمة الحب، ولكن كم بين حب وحب؟

بين حب التلميذ مدرسته. وحب الوالد ولده، حب الصديق صديقه، وحب المتشائم الوحدة، وحب أكلة من الأكلات وحب منظر من مناظر الطبيعة، وحب كتاب من الكتاب، وبين حب المجنون ليلاه؟

وحب العاشقين أنواع وأنواع.

ففي أي الحب أتحدث؟ وكيف أجمع أطراف الكلام حتى أحشره في هذه الصفحات ولو لبثت شهراً أكتب كل يوم فصلاً ما أتيت على ما في نفسي ولما وفيت حقه الموضوع؟

ولكني مع ذلك سأحاول.

أحاول أن أكتب في الحب، وقد تقضّى الصبا، وتولى الشباب، وما كان يوماً، يملأ القلب، صار ذكرى لا تكاد تخطر على البال؟

لقد كنت إذ أكتب في الحب، أغرف من معين في نفسي يتدفق، فجف النبع حتى ما يبض بقطرة، وخلا الفؤاد من ألم الهجر، وأمل الوصال، وبطل سحر الغيد، وطمست شمس الحقيقة، سُرُجَ الأباطيل؟

ولو أني بليت بحب جديد، لأعاد لي الحب أيامي التي مضت. والحب يصنع المعجزة التي تتقطع دونها آمال البشر: يعيد للمحب ماضيات الأيام، ويرجع له خوالي الليالي، ويرد الكهل فتى، والفتى طفلاً، وأين مني الحب؟ لم يعد ينقصني بعد السن والتجربة إلا أن يتعبدني الحب، وأن أعود إلى تلك الحماقات.

أعوذ بالله، من الجنون بعد العقل.

كلا، ما أنا من ددٍ ولا ددٌ مني، فاتركوني أيها العشاق، اتركوني فقد أنستني الأيام كيف يكون الغرام.

وماذا يبتغي العشاق مني      وقد جاوزت حد الأربعين؟

ولكن هل تركني العشاق؟ هذه كتبهم بين يدي، يستنجزون بها الوعد، ويطلبون مني أكتب لهم في الحب، كأننا لسنا في حرب مع اليهود، وليس في الدنيا غلاء ولا بلاء، ولا مفاسد ولا عيوب، ما بقي علينا إلا الكلام في الحب؟

ومتى كان المحبون يحفلون في الدنيا، بغير المحبوب؟ لا يعرف المحب إلا ليلاه، يحيا لها، ويموت فيها، أكبر همّه من العيش أن تعطف عليه بنظرة، أو تجود له ببسمة، أو أن تمس بيدها يده فتمشي في أعصابه مثل هزّة الكهرباء، ويسكر منها بلا دنّ ولا قدح، ويطرب بلا حنجرة ولا وتر، وغاية أمانيه من الدنيا أن يلقي برأسه على صدرها، أو يجمع فاه إلى فيها، في ذهلة لذة عميقة، تحمله إلى عالم مسحور، يجتمع فيه الزمان كله، وتختصر فيه الأمكنة جميعاً، فتكون هذه اللحظة هي الأزل وهي الأبد، وهي الماضي وهي المستقبل، ويكون المحبّان هما وحدهما الناس.

أولئك هم العاشقون.

وأولئك هم عند أنفسهم أرباب القلوب، وهل يكون ذا قلب من لم يلامس قلبه الحب؟

وأولئك هم أولو الأبصار، وهل تبصر عين جمال الوجود إن لم تفتحها يد الهوى؟

وأولئك هم المعذبون الصابرون. يعيشون فلا يدري بآلامهم أحد، ويموتون فلا يقام لشهيدهم قبر، لا يهدأون ولا يهنأون. إن اشتهى الناس المسرّة استمتعوا هم بالآلام. وإن اطمأن الناس إلى الحقائق طاروا هم وراء الأهوام، وإن أنسوا بالضحك استراحوا هم إلى البكاء، يبكون في الفراق من لوعة الاشتياق، ويبكون في الوصال من خوف الفراق، يريدون أن يطفئوا بالدمع حُرق القلب، وما يزيدها الدمع إلا شرّة وضراماً.

يبكون لأنهم يطلبون ما لا يكون فلا يصلون إليه أبداً.

يترك العاشق النساء جميعاً، ويهتم بها وحدها، فهو يريد أن تترك الرجال وتنظر إليه وحده، وأن تدع لأجله الدنيا وما فيها، وتغمض عينيها فلا ترى فيها غيره، وتوصد أذنيها فلا تصغي إلى سواه، فهو يغار عليها من القريب والبعيد، ومن أمها ومن أبيها، ومن الشمس أن تبصرها عين الشمس، ومن الكأس أن تُقبِّل ثغرها شفة الكأس.

وماذا يريد العاشقون؟

سلوا الشعراء يحلفوا لكم، إنهم لا يطلبون إلا نظرة تروي الغليل، وبسمة تطفي الجوى، وأن يندمج بها، ويفنى فيها، فهو يعانقها، والنفس بعد مشوقة، إليها، ويضمها وهو يحس أنه لا يزال بعيداً عنها، وهو لو استطاع لعصرها مصاً، ولأكلها عضاً.

يمضي عمره بعيداً عنها، خالياً قلبه من حبّها، لا يدري بوجودها، ثم يراها مرة واحدة، ينظر إليها نظرة، فيحسب أنه قد عرفها من الأزل، وأنه لم يفارقه ساعة، ويقسم أنها ما خلقت إلا له، ولم يخلق إلا لها، ولا يعيش إلا لها وبها، فهما روح في جسدين هي وهو، وهو هي، ينظر بعينيها، ويسمع بأذنيها، ويجوع ببطنها، فإن أكلت شبع، وإن شربت روىَ، وإن سُرَّت ضحك، وإن تألمت بكى، وإن أصابها الصداع وجعه رأسه، يطرب وهو بعيد عنها إن سمعت نغماً عذباً، ويبتسم وهو في أعماق منامه إن رأت في منامها حلماً حلواً.

يتبع هواها على القرب والبعد، ويؤثر رضاها في الغيبة والحضور، ويطيعها إطاعة لو أن العباد أطاعوا ربهم مثلها لأقفرت من أهلها جهنم، يسهر الليل كله يتقلب على فراش السهد من الشوق إليها، والخوف منها، والطمع فيها، ويعد الكلام الطويل ليقوله لها، فإذا لقيها نسي ما كان أعدّه من هيبتها.

إن تكلم لم ينطق بغير حديثها، وإن سكت لم يفكر إلا فيها، قد جهل كل طريق كان يعرفه إلا طريقها، فما يمشي إلا توجه إليها، يحوّم حولها علّه يرى البيت الذي تسكنه، أو ينشق الهواء الذي تنشقه، ينام الناس ويسهر ليله، يساير النجوم في مسالكها، ويعد الدقائق في مجراها، لا يرى حيثما نظر غيرها، ولا يبصر سواها، يراها بين سطور الكتاب إن نظر في صفحات الكتاب، وفي وجه البدر إن رنا إلى طلعة البدر، وبين النجوم إن قلب نظره في النجوم، يراها في كل شيء تفتح عليه العيون، فإن أغمضها رأى طيفها في ثنايا الأحلام.

يذكره بها وميض الزهر في الروض، وحديث الساقية للسفح، والحمامة تسجع على الغصن، والمغني يصدح في هدأة الليل، بـ ياليل، فيصغي طرباً إليه الليل، ولفتة الجدول عند الرابية، وفتنة الوادي عند الجزع، والدرب الحالم تحت فروع الدلب والصفصاف على كتف النهر، والشلال الهادر في الليل الداجي، والتلال الخضراء اللابسة جلابيب الصنوبر، والجبل الأجرد المتوّج بعمامة من الصخر.

إن هب النسيم من نحو أرضها شجته النسائم، أو جرى السيل من جهتها أجرت دموعه السيول، أو طلع الكوكب من أفقها أهاجت أشواقه الكواكب، أو رأى طيراً تمنى لو استعار ليزورها أجنحة الطير.

يحب لأجلها كل ما كان منها وما اتصل بها، الرضاب الذي تنفر منه النفوس إن كان رضابها فهو خمر، وريح العرق التي تأنف منها الطباع إن كانت ريحا فهي عطر، والألم  إن جاء منها كان لذة، والذّم إن جرى على لسانها كان ثناء، والظلم إن وقع منها أشهى إلى قلبه من نيل الحقوق من أيدي الغاصبين، والأهل أهلها أحباؤه وأصدقاؤه، ولو عدوا عليه، وأساؤوا إليه.

يرضى منها بالقليل الذي لا يرضي، إن بسمت له بسمة فكأن قد بسم له الدهر، وواتته الأماني، وإن كلمته كلمة، فكأن قد صبَّت في روحه الحياة، وإن وعدته بقبلة، عاش دهره يذكر الوعد ويتعلّل بذكراه.

يعاف لحبها طعامه وشرابه، ويهجر راحته ومنامه، والمجد يزهد فيه ولا يباليه، والدين يتركه والمال لا يفكر فيه، وإن هو ابتغى المعالي يوماً فإنما يبتغيها ليسرها ويرضيها، وإن نظم أو كتب فلها وحدها، ويقرؤها عليها وإن كانت لا تدركه ولا تفهمه، ولا تستطيع أن ترقى إلى سمائه، وإن أغار في الحرب فلينال إعجابها، وإن طلب العظائم فليعظم في عينها، إن سعد الناس بالغنى والجاه لم يسعده إلا لقاؤها، وإن حرص العقلاء على رضا الله لم يحرص إلا على رضاها، وإن افتخروا بالصحة والقوة، فخر بالمرض والضعف والهزال، يرى القصر إن خلا منها سجناًن والسجن إن كان معها قصراً، والقفر إن كانت فيه روضة، والروضة إن فارقتها قفراً، واليوم إن واصلته لحظة، واللحظة إن هجرته دهراً، يرى الشمس من هجرها سوداء مظلمة، والليل البهيم من وصالها شمساً مشرقة.

تؤرقة ويرجو لها طيب المنام، وتسقمه ويسأل لها البعد عن الأسقام، يعتذر من ذنبها وهي المذنبة، ويبكي من حبها وهو القتيل، فهو شفاؤه وهي داؤه، وهي نعيمه وهي شقاؤه. وهي جنته وهي ناره، يطلب أن تلتقي الروحان، ويتوحد الاثنان، وهذا ما لا يكون أبداً، لذلك يترك حاضره ويحن إلى الماضي، يعود بالذكرى إليه يفتش في زواياه عن هذه الأمنية، أو يتطلع إلى المستقبل، يستشف بالخيال ما فيه، فلا يرجع له ماض، ولا ينجلي له آتٍ، ولا يثبت له حاضر.

وهذا أبداً دأب العاشقين، إنهم يئسوا من أن يساعدهم الناس على بلواهم، فتركوا دنيا الناس وعاشوا وحدهم في دنياهم، هاموا على وجوههم يبحثون عن قطع قلوبهم التي خلفوها في مدارج الهوى، وملاعب الصبا، وتحت الأطلال، ويسائلون الحفر والحجارة، ويناجون الأحلام والأوهام.

يقول العاذلون، انس ليلاك، ففي الأرض ليليات كثر، واستبدل بها.

وما يدري العاذلون، ماذا يلاقي، لا ولا نظروا إلى ليلى بعينيه، ولا شعروا بها بقلبه.

فيا رحمتا للعاشقين، مما تقول العواذل.

****

هذا هو الحب عند الأدباء، فما الحب عند النفسيين؟

أنا أقول لكم ما الحب عند النفسيين.

لا يرى النفسي في الحب، إلا رغبة في متاع الجسد، قابلها امتناع وإباء فاشتدت وامتدت، وكانت بين الرغبة والامتناع شرارة، كالتي تكون بين سلكي الكهرباء، وهذه الشرارة هي الحبّ، ما الحب إلا شهوة لم تقضي ورغبة لم تتحقق، وكل ما يقول المحبون العذريون وهْم وضلال، يقولون أنهم لا يطالبون إلا المجالسة والكلام، ولو كانت مجالسة وكلام، لطلبوا لمسة اليد، وقبلة الخد، ولو كانتا لطلبوا العناق والضم، ورشفة الفم، كصاعد الجبل، يرى الذروة أمامه فيحسبها القمّة التي لا شيء فوقها، فإذا بلغها تكلف له ذروة أعلى، إنها سلسلة لها حلقات متصلات، ما أمسكت بواحدة منها إلا جرّت معها التي بعدها، حتى تصل إلى آخر حلقة فيها:

نظرة فابتسامة فسلام         فكلام فموعد فلقاء.

فالمحكمة الشرعية لعقد العقد، أو محكمة الجنايات لتلقي العقوبة، هذه هي سنة الله، ما جعل الله طريقاً للصداقة بين الشاب القوي والصبية الحسناء لا ولا بين الكهر والشوهاء، لا صداقة قط بين رجل وامرأة، ما بينهما إلا الحب المفضي إلى الاجتماع، إن الصداقة صلة بين متشابهين، بين الرجل والرجل، وبين المرأة والمرأة، والحب صلة بين مختلفين ليتكاملا به فيغدوا بالحب كالكائن الواحد.

فإن لم تكن رغبة يقابلها امتناع لم يكن حب، والمرأة التي تمنح جسدها كل طالب، تكون مطلوبة وتكون مرغوباً فيها، للذة العابرة والمتعة السائرة ولكنها لا تكون محبوبة أبداً!

والحب إن حلّلته إلى عناصره، كما يفعل الكيميائيون بالجسم المركب وجدته يرجع إلى غريزة الاستطلاع، وإلى غريزة التغلب، وهما من أصول الغرائز الإنسانية، وقد تعرف عشرات من النساء، ثم تلمح في الترام فتاة تجلس أمامك يلوح بياض فخذيها، من تحت ذيلها. فتحاول أن تعرف ماذا هناك، وترى الممثلة في الفيلم بلباس البحر، وتُبّانه المشدود على فخذيها، فلا يثيرك تبّانها، ما يثيرك خرقة مهدلة ممزقّة، وقد لفتها عليها تهتز مع الريح، ولو لم تظهر منها أكثر مما يظهره التبان، والفتاة التي تصعد المسرح عارية لا تصنع بأحد مثلما صنعت ريتا هوارث، لما صعدت بثيابها كلها، ثم مازالت تلقيها عنها قطعة فقطعة، وتكوّمها عند قدميها، حتى بدت كالعارية، ومن هنا كانت الثياب، من أسباب الأنوثة، ودواعي الإغراء، ولو أن الناس كانوا كالحمير عراة دائماً، لما بقي من هذه الرغبة الجنسية واحد من كل مئة، ولقد قرأت مرة نكتة في مجلة، ولكنها كانت حقاً وصدقاً، إن تلميذاً في مدرسة الفنون الجميلة في مصر، يوم كانت لا تخشى الله، ولا ترعى الخلق، ولا تحكم العقل، فتأتي بالصبايا العاريات تماماً، ليصورَّهن التلاميذ، إن هذا التلميذ قال لرفيقه: أما ترى جمال هذا الفتاة؟ قال: فكيف لو رأيتها لابسة ثيابها؟

أما كون الحب غريزة تغلّب، فظاهر من أحوال الناس، والنفس تكون متعتها باللقاء الجنسي أكبر، كلما كانت العوائق أكثر، والطريق أبعد وأصعب، ومن أجل هذا ترون أناساً يتركون زوجات لهم كالبدور، ويتبعون نساء كالقردة، ما يستمتعون بالجمال وحده، بل بالوصول بعد العناء والظفر بعد النضال، وأنتم تعرفون قصة النوار مع زوجها الفاسق: الفرزدق الشاعر، وقوله لها: أنت أجمل ولكّن الحرام ألذّ من الحلال!

ويسخر النفسيون من رجل يتوسل إلى المرأة التي يحبها بالأرض والسهاد والضعف والنحول، والهزال المميت، والسلّ الرئوي، وبأنه شبح يمشي وخيال يتحرك، فماذا تصنع المحبوبة، بهذا البلاء؟

إن المرأة تريد في العاشق رجلاً، متين البناء، قوي الجسد، مفتول العضل، يسند ضعفها بقوّته، ويتم أنوثتها برجولته، لا تريد ميتاً، إن توكأت عليه انهدم.

فإن كان شعراء النحول هؤلاء، صادقين بهذا الهذر الذي ملأوا به نسيبهم، وحشوا به أشعارهم، فليفتشوا لهم عن ممرضات، لا عن حبيبات.

ولا يصدق النفسيون أوصاف الشعراء المحبين، إن المحب عندهم لا يرى الفتاة على حقيقتها، ولكنه يلبسها من حبّه ثوباً يراها فيه أجمل الناس، ولا يصدقون دعوى الحبّ من النظرة الأولى، إن النظرة الأولى تنشئ الحس بالجمال لا الحب، وقد وصل وليم جيمس، هذا الحسّ بأنه هزّة في الأعصاب يعقبها خدر سريع، فإذا أحسست جمال فتاة قد طلعت عليك من الطريق فصبرت عنها نفسك، وغضضت بصرك، وثبتّ لحظة واحدة حتى تمرّ بك وتمضي عنك، واشتغلت عنها بغيرها، نسيتها، وإن كررت النظر إليها، أو تبعتها لتعرف مقرّها، ولد حبّك إياها أي رغبتك في الاجتماع بها.

والحب عاطفة عابرة، تدوم ما دامت الرغبة والامتناع، فإن زال أحدهما زالت، فإن كان اللقاء لم يبق حب، لأنه يختنق تحت اللحاف، ومن هنا يستبين لك أن الزواج إن بنى على الحب وحده، لم يكن فيه خير ولو أن المجنون تزوج ليلى، زواج عاطفة فقط بلا مراعاة مصلحة، ولا نظر في كفاءة لكان بينهما بعد ثلاث سنين دعوة تفريق.

فإذا جئت علماء الحياة، وجدت للحب عندهم، منزلة أدنى، ورتبة أخسّ، الحب عندهم غريزة جعلها الله في نفس الإنسان لئلا ينقرض ويمّحي، فالجوع منبّه له  ليأكل فيبقى شخصه، والحب أو الرغبة، منبّه له ليعمل على ما يبقى نوعه، أو هو شيء، أبسط من ذلك وأحقر؛ تمتلئ المثانة فيذهب المرء ليبول، وتمتلئ الحويصلة بالسائل الآخر، فيذهب ليعمل! لا فرق في ذلك بين المجنون وليلى، وبول وفرجيني، وبين الحمار والأتان، والديك والدجاجة، وبين تلاقح الزهر والورد، وسواء بعد ذلك، كل إناء يلقى فيه هذا الماء.

عملية غير جراحية، ولكنها عملية قذرة بشعة، ولا بدّ في العمليات من بنج، والبنج هنا، البنج الذي يذهب الحسّ، ويضيع العقل، هو هذا الحب أو هذه الرغبة، لولا ذلك ما قبل عاقل أن يعمل ذلك العمل! هل يقبل عاقل أن يدخل إصبعه في أنف المحبوبة؟ إن ذلك الفعل أبشع وأشنع، ولكننا نفرك فيه ونحن تحت البنج، فلا ندرك بشاعته.

والمقصود هو بقاء النسل، وكلما علا الحيّ منزلة، قل اللقاء، وطال الحمل، الديك والدجاجة يجتمعان كل يوم، لأن مدة الحمل بالبيضة ليلة، أم الهرّ والهرّة فيجتمعان مرة في السنة أو مرتين، لأن الهرّة تلد مرة في السنة أو مرتين ولولا المغريات في الناس، لكفى بين نوعي البشر اجتماع مرة في العام.

والحب العذري، أي الحب الشريف الذي ليس فيه مطلب جنسي هو في نظر العلم كذبة حمراء، وفرية ليس له أصل، وإنما هما غريزتان حفظ الذات بالطعام، وحفظ الجنس بالاتصال، فهل تصدّق الجائع إذا حلف لك، إنه لا يريد من المائدة الملوكية، إلا أن ينظر إليها، ويشمّ على البعد ريحها؟

كلا. كل حبّ مصيره على النكاح أو السفاح.

****

هذا هو الحب، فصدّق ما يقوله فيه المحبّون، أو صدّق ما يقوله المفكرون العالمون.

هو عند الأدباء والشعراء، وعند المحبين والعشاق، سلطان عنت له القلوب، وذلّت له الملوك، فباعوا في سبيله التيجان، من لدن أنطونيوس وكليوباترة، إلى إدوار وسمبسون.

والمحبوبة عندهم هي الدنيا، دينهم التوحيد في الحب، لكل شاعر عاشق واحدةٌ وقف عليها قلبه، وأدار عليها شعره، وقرن نفسه حياته بها، فقرن التاريخ اسمه بعد موته باسمها، فلا تعرف إلا به ولا يعرف إلا بها قيس وليلى، وقيس ولبنى، وجميل وبثينة، وكثّير وعزّة، وعروة وعفراء وذو الرّمة وميّ، وتوبة والأخيلية، والعباس وفوز، وبول وفرجيني، فكان رباطاً لم تقدر على حله يد الزمان.

وهو عند النفسيين والطبيعيين، ما قد رأيت وسمعت، وهو الحق، لا ما يقول العاشقون. والحبّ بعد ذلك كله سرّ الحياة، وروح الوجود.