لماذا تخلى بعض العرب عن سوريا؟!

الفكرة مهمة جداً وحساسة، فأكتفيت بما نقلته من التفاسير (القرطبي، المنار، الطبري، ابن كثير، البحر المحيط، التحرير والتنوير). ليكلا تقولوا من أين أتيت بهذا الكلام؟! ثم ذيلت ما نقلته بتعليق بسيط من طرفي، ألخص به المقصود.

والموضوع هذا يدور في رأسي من سنين، يوم بدأت في قراءة تفسير القرطبي، ووجدت فيه كنوزاً  كثيرة، و كنت أقرأ وأُسقط ما أقرؤه على الحياة اليومية وعلى العالم الكبير، فشعرت بأن القرآن ما يزال يوضح أشياء كثيرة، ويزيل اللبس ويبرر الفعل ويشرح  الواقع. وإن الآية القرآنية “الأعراب أشد كفراً ونفاقاً” تفسر تقاعس بعض العرب عن نصرة الثورة السورية والمصرية، بل والعمل ضدها.

قال تعالى في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: “قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا  قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا”، أي اِنْقَدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) فأَخبر أنّ حَقيقة الإيمان التصديق بالقلب، وأن الإقرار باللسان وإظهار شرائعه بالأبدان لا يكون إيمانا دون التصديق بالقلب والإخلاص.

فإذن الأعراب لم يؤمنوا إيماناً حقيقياً فبقي سلوكهم مخالفاً للكثير مما يحبه الله يأمر به. وقد  أخبر الله  تعالى أن في الأعراب كفاراً ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد، و”أجدر” أي أحرى ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله.

وقال الطبري في تأويل قوله تعالى: ” الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم ” أن الأعراب أشد جحوداً لتوحيد الله، وأشد نفاقاً من أهل الحضر في القرى والأمصار. وإنما وصفهم -جل ثناؤه- بذلك لجفائهم وقسوة قلوبهم، وقلة مشاهدتهم لأهل الخير، فهم لذلك أقسى قلوباً، وأقل علماً بحقوق الله.

وقوله: (وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله) أي وأخلق ألا يعلموا؛ أي هم أقل علماً بالسنن .

وأخبر تعالى أن منهم من يتخذ ما ينفق  في سبيل الله غرامة وخسارة وينتظر بكم الحوادث والآفات، عليهم دائرة السوء  أي: هي منعكسة عليهم والسوء دائر عليهم، والله سميع لدعاء عباده، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان .

وقال السيد رشيد رضا في تفسيره “المنار”: ” الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله“، بيان مستأنف لحال سكان البادية من المنافقين; والأعراب اسم جنس لبدو العرب، واحده أعرابي، والأنثى أعرابية، والجمع أعاريب أو العرب اسم جنس لهذا الجيل الذي ينطق بهذه اللغة ، بدوه وحضره، واحده عربي. وقد وصف الأعراب بأمرين اقتضتهما طبيعة البداوة:

( الأول ) أن كفارهم ومنافقيهم أشد كفراً ونفاقاً من أمثالهم من أهل الحضر . ولا سيما الذين يقيمون في المدينة المنورة نفسها -لأنهم أغلظ طباعاً، وأقسى قلوباً وأقل ذوقاً وآداباً – كدأب أمثالهم من بدو سائر الأمم -بما يقضون جل أعمارهم في رعي الأنعام وحمايتها من ضواري الوحوش ومن تعدي أمثالهم عليها وعلى نسائهم وذراريهم، فهم محرومون من وسائل العلوم الكسبية، والآداب الاجتماعية.

(الثاني) أنهم أجدر: أي أحق وأخلق (من أهل الحضر) بألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله من البينات والهدى في كتابه، وما آتاه من الحكمة التي بين بها تلك الحدود بسنن أقواله وأفعاله. وفهم ألفاظ القرآن اللغوية لا يكفي في علم حدوده العملية . كان أهل المدينة وما حولها من القرى يتلقون عنه -صلى الله عليه وسلم- كل ما ينزل من القرآن وقت نزوله ، ويشهدون سنته في العمل به، وكان يرسل العمال إلى البلاد المفتوحة يقيمون فيها ويبلغون القرآن، ويحكمون بين الناس به وبالسنة المبينة له فيعرف أهلها تلك الحدود التي حدها الله تعالى ونهاهم أن يعتدوها. ولم يكن هذا كله ميسوراً لأهل البوادي، وهم مأمورون بالهجرة; لأجل العلم والنصرة; لأن الإسلام دين علم وحضارة.

والجدارة بالشيء قد تكون طبعية، وقد تكون بأسباب كسبية، من فنية وشرعية وأدبية، وقد تكون بأسباب سلبية اقتضتها حالة المعيشة والبيئة، قيل : إنها مشتقة من الجدار وهو الحائط الذي يكون حداً للبستان أو الدار. (أي لا يمتلكون سعة الأفق أو بعد النظر)

ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما  بعض الأعراب جاءوا النبي -صلى الله عليه وسلم- معذرين ليأذن لهم في القعود عن غزوة تبوك، و كانوا ينفقون بعض أموالهم في سبيل الجهاد رياء وتقية. ولم يكن هؤلاء الأعراب المنافقون يرجون بهذه النفقة جزاء في الآخرة وإنما يعطون ما يعطون من الصدقات كرهاً. وإنما ينفقون رياء اتقاء أن يغزوا ويحاربوا ويقاتلوا ويرون نفقاتهم مغرماً.

 ويتربص بكم الدوائر ينتظرون تصاريف الزمان ونوائبه التي تدور بالناس وتحيط بهم بشرورها أن تنزل بكم فتبدل قوتكم ضعفاً، وعزكم ذلاً، وانتصاركم هزيمة وكسراً، فيستريحوا من أداء هذه المغارم لكم، بالتبع للخروج من طاعتكم، والاستغناء عن إظهار الإسلام نفاقاً لكم. كانوا أولاً يتوقعون ظهور المشركين واليهود على المؤمنين، فلما يئسوا من ذلك صاروا ينتظرون موت النبي – صلى الله عليه وسلم – ويظنون أن الإسلام يموت بموته. وهكذا يعلل الجاهل الضعيف نفسه الخبيثة بالأماني والأوهام .

 وإذا كان منافقو المدينة الذين هم أجدر من هؤلاء الأعراب أن يعلموا ما في الإسلام من القوة الذاتية ، وما في اعتصام المؤمنين الصادقين به من القوة الحربية ، كانوا يتربصون بالمؤمنين الهزيمة ويفرحون ويقولون قد أخذنا أمرنا من قبل  أي احتطنا لهذه العاقبة قبل وقوعها، فهل يستغرب مثل هذا التربص من الأعراب سكان البادية الذين يجهلون ما ذكر ؟ وكذلك لن يستغرب من أعراب اليوم.

عليهم دائرة السوء  دعاء عليهم أو خبر بحقيقة حالهم فعليهم وحدهم الدائرة السوأى وستحيط بهم دون المؤمنين. والله سميع عليم  لا يخفى عليه شيء من أقوالهم وأعمالهم التي يعملونها ومن نياتهم وسرائرهم التي يخفونها ، فهو سيحاسبهم على ما يسمع ويعلم – أي على كل قول وفعل – ويجزيهم به .
هذا ما قاله الله تعالى عن الأعراب، ولعل هذا يفسر لكم السر في وقوف بعض الدول العربية إلى جوار النظام السوري في جرائمه، وإمداده بالمال، والتواطؤ مع أمريكا في ضربه وقتله وإبادته ثم يَدَّعون أنهم مسلمون، إنهم يفتقدون التقوى والإيمان، وإسلامهم ليس مكتملاً، ولا ينظرون لعواقب الأمور، وسوف ينالهم ما ما نال غيرهم من الإفقار والتهجير، وها هي الدول الغربية تسيرهم وتلعب بهم، وتسرق خيرات بلادهم، وهم غافلون. شكوناهم إلى الله وستدور عليهم الدوائر بالإبادة والقتل …

وأزيدكم من السنة الشريفة:

1- جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه ، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند، فقال الأعرابي : والله إن حديثك ليعجبني وإن يدك لتريبني! فقال زيد: ما يريبك من يدي ؟ إنها الشمال . فقال الأعرابي : والله ما أدري ، اليمين يقطعون أو الشمال ؟ فقال زيد بن صوحان صدق الله : ( الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله )

2- وأيضاً حديث الأعرابي في “تقبيل الولد”، قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو أسامة وابن نمير ، عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : “أتقبلون صبيانكم؟”، قالوا : “نعم”. قالوا: “ولكنا والله ما نقبل”. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” وأملك أن كان الله نزع منكم الرحمة ؟”. وفي رواية قال ابن نمير: “من قلبك الرحمة”.

وقال أحمد: “من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن” وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الثوري . ولكن معناه صحيح من الكتب القديمة التي تشرح طبع الأعراب.

نأتي للاستثناء المهم:

ولما ذكر حال هؤلاء الأعراب المنافقين عطف عليه بيان حال المؤمنين الصادقين منهم فقال : “مِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ”{التوبة: 99}

جاء في  التفسير: هذا هو القسم الممدوح من الأعراب وهم قلة، وهم الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم، (ألا إنها قربة لهم) أي ألا إن ذلك حاصل لهم، (سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم).

وهؤلاء هم بعض أفراد تلك الشعوب – المجاورة لسوريا- والتي طغى وتجبر حكامها، الذين تمكن الإيمان في قلوبهم وتحركت الإنسانية في أعمالهم، وفهموا ما يحاك للعالم الإسلامي كله، فانتصروا لأخوانهم وأمدوهم بكل المساعدات، حتى ذكرونا بالمهاجرين والأنصار.

وإن الإيمان يكافئ الإنسانية، والإسلام فيه المودة والمرحمة، ومن لا يرحم لا يرحم. 

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s