البر باليتامى نشرت سنة 1964

 

سحتُ من عشر سنين في أقطار الإسلام حتى بلغت أقصى المشرق ولم يبقَ بيني وبين أسترالية إلا مرحلة واحدة بالطيارة، ورأيت آلاف المشاهد، فكان أعظمها في نفسي أثراً مشهد دار دخلتها في جاكرتا، قصبة أندونيسيا (عاصمتها)، فيها أكثر من عشرين بهواً وغرفة وفيها ثلاث حدائق وأربعة صحون، وما في صحونها وحدائقها وغرفها وأبهائها إلا أولاد، أولاد من كل جنس ولون، بيض وسمر وسود، جاويون وصينيون وعرب وهولانديون وأولاد من أفريقية. أولاد من كل سن، كبارهم يرعون صغارهم، ومن الكبار من بلغ سن المراهقة ومن الصغار من لا يزال في سن الرضاع.

فسألت: ما خبر هذه الدار؟ فإذا هي امرأة غنية تزوجت برجل غني، فتكاثرت عليهما النعم وألّفَ بينهما الحب، ولكن النعم لم تتم، فقد حُرما الأولاد (والأولاد أمنية الأماني لمن لم يقدَّر له الولد، والأولاد سبب المتاعب لمن كثر عليه الولد؛ الأول لا يشكو إلا فقدهم والثاني لا يشكو إلا وجودهم). حتى جاء يوم وجدت فيه هذه المرأة الأندونيسية طفلاً لقيطاً فأخذته فربّته وتسلّت به، فلما كبر وفارقها عاودها شعور الوحشة لفقد الولد، ففتّشت عن غيره، ثم جعلت همها في الحياة جمع اللقطاء والأيتام وتربيتهم والقيام عليهم.

ولقد حدثتها وحدثت زوجها فوجدت أنهما يجدان في ذلك لذة لا تبلغها لذائذ الدنيا كلها.

*   *   *

وهذا صحيح؛ فليس في اللذات ما هو أعمق من لذة المحسن برؤية أثر الإحسان، فإن كان الإحسان إلى طفل كانت اللذة أكبر. والمرء يربّي قطاً صغيراً ويرعاه حتى يكبر، فيحس الحب له والعطف عليه والمسرة برؤيته، فكيف بمن يربّي إنساناً صغيراً ليس له من يعتني به ويربيه.

فالعناية باليتيم الذي فقد الأم أو فقد الأب أعلى درجات الإحسان، ومكافأتها العاجلة هي هذه المتعة الروحية وهذه السعادة النفسية، أما مكافأتها عند الله فأكبر وأبقى؛ لأن الذي يودِع ماله في المصرف يأخذ على المئة أربعاً، ربحاً غير سائغ ولا مشروع، أما الذي يعامل مصرف الإحسان وينفق ابتغاء وجه الله، فإن المئة التي ينفقها تصير سبعين ألفاً ربحاً سائغاً حلالاً، نعم: {كَمِثْلِ حَبّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبّة}.

وقد تُضاعف فوق ذلك أضعافاً. وأنا أظن أن الحسنة إن كانت لليتيم كانت مما يضاعَف أضعافاً، فتصير المئة الواحدة مئة وأربعين ألفاً على الأقل، لأن الله كلما ذكر الإحسان في القرآن وحثّ عليه ورغّب فيه، خصّ اليتيم وذكره على التعيين، ووصّى به ألا يُقهر، وجعل من صفات من يكذب بالدين أنه يَدُعّ اليتيم ولا يحُضّ على طعام المسكين.

وإذا كان من يدعوه الملك أو الأمير ويخصه بجواره في الدنيا ينال بذلك شرفاً ويراها له أعظم مكافأة، أفلا يكفي كافلَ اليتيم أن يبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم (كما روى البخاري وغيره) أن يكون إلى جنبه في الجنة، وأن يكون هو ورسول الله كهاتين (مشيراً إلى الإصبع السبابة والوسطى). فإذا لم تستطع -يا أخي- أن تنقطع لخدمة اليتامى كما فعلت تلك السيدة الجاوية، ولم تقدر أن تكفل يتيماً تتولى أنت تربيته ورعايته، فساعد دار الأيتام وادخُل شريكاً في هذا الثواب العظيم، يكُنْ لك -إن شاء الله- فضل من يرعى اليتيم.

ساعد بما تستطيع ولو كان قليلاً، فإن القليل إلى القليل كثير، بل إن القليل لمن لا يقدر على أكثر منه أعظم أجراً من الكثير يعطيه الغني، وفي الحديث: “سبَقَ درهمٌ مئةَ ألف درهم” (وهو حديث صحيح رواه النسائي)؛ لأن الدرهم ممّن لا يملك إلا عشرة دراهم أكبرُ من مئة ألف يعطيها من يملك الملايين. فلا تستقلَّ ما تعطيه ولا تستَحِ به ولو كان ليرة واحدة، فإن نصف تمرة تكون -كما جاء في الحديث: “اتّقِ النّارَ ولو بشِقّ تمرة”، رواه البخاري ومسلم- وقاية لصاحبها من نار جهنم.

وربما كان ما تعطيه مساعدة لواحد من ولدك -لا سمح الله- أو من ذريتك. مَن يدري؟ وقد تكون اليوم غنياً، ولكن هل تضمن أن يدوم عليك غناك؟ وقد تكون قوياً، ولكن هل تكفل أن تبقى لك قوتك؟ وإن هما بقيا لك حياتك هل تضمن ألاّ يصيب العوزُ أحدَ ذريتك من بعدك؟ فإن كان في البلد مثل هذه الدار فإنه يكون عوناً لهم ولغيرهم.

ولقد مرّ على هذا العمل من يوم أقامه الوالي مدحت باشا إلى اليوم خمس وثمانون سنة، فانظروا كم من يتيم أعان، وكم من فقير ساعد، وكم من موهبة كانت ضائعة وجدها واستغلها؟

إن في هؤلاء الصبية الجاهلين المشرَّدين في الطرقات مَن لو تعلّمَ لكان منه فقيهٌ أو محدّث أو محاسب أو كيميائي أو مهندس، وإن الليرة التي تدفعها إذا ضُمّت إلى الليرات التي يدفعها غيرك كان منها عمارة هذه المؤسسة التي تحوّل هؤلاء الصبية المشردين إلى علماء نابغين، أو أدباء عبقريين، أو عمّال نافعين.

إنها لا تُفتَح واحدة من أمثال هذه الدار إلا أُغلق بفتحها سجن وخمّارة وبؤرة فساد.

ولقد مر على هذا المشروع أيامُ بؤس وأيام نعيم، وجاز بعصرِ تأخّرٍ وعصرِ ازدهار، وها هو ذا اليوم يخطو في طريق الخير أوسع الخطوات، منذ تولته هذه اللجنة الخيّرة العاملة التي يشتغل فيها أعضاؤها لها أكثر مما يشتغلون لأنفسهم، ويعملون فيها أكثر مما يعملون في وظائفهم وأعمالهم التي يكسبون منها أقواتهم، ولا يأخذون على ذلك أجراً.

*   *   *

لقد رأيت في رحلاتي في العالم الإسلامي أن الناس لا ينقصهم الكرم، ولكن تنقصهم الثقة؛ إنهم إذا وثقوا من أن القائمين على المشروع الخيري أمناء أعطوهم بلا حساب. وأنا أشهد أن القائمين على هذا المشروع هم في الأمانة مثَلٌ مضروب وأن ما يسلَّم إليهم يصل إلى الأيتام، وأنتم ترون -في هذا البيان- صدقَ هذا الكلام بلغة الأرقام، فأعطوا، أعطوا ما تقدرون عليه ولوكا ن قليلاً، تكن مكافأتكم في الدنيا لذة النفس وراحة الضمير، وتكن مكافأتكم عند الله الجنة بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وصححوا نيتكم عند العطاء، فلا تفكروا في شكر ولا ثناء، ولكن في ثواب الله وابتغاء وجهه، وقولوا في أنفسكم وأنتم تدفعون إليهم: إننا نعطي -يا رب- ابتغاء رضاك، فاحسب لنا ذلك عندك.

وما تدرون، فلعل ما تعطون يستفيد منه يوماً أحدُ ذراريكم وأحفادكم، فيكون مالكم قد رُدَّ إليكم. والسلام عليكم ورحمة الله.

*   *   *

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s