Monthly Archives: يوليو 2013

البر باليتامى نشرت سنة 1964

 

سحتُ من عشر سنين في أقطار الإسلام حتى بلغت أقصى المشرق ولم يبقَ بيني وبين أسترالية إلا مرحلة واحدة بالطيارة، ورأيت آلاف المشاهد، فكان أعظمها في نفسي أثراً مشهد دار دخلتها في جاكرتا، قصبة أندونيسيا (عاصمتها)، فيها أكثر من عشرين بهواً وغرفة وفيها ثلاث حدائق وأربعة صحون، وما في صحونها وحدائقها وغرفها وأبهائها إلا أولاد، أولاد من كل جنس ولون، بيض وسمر وسود، جاويون وصينيون وعرب وهولانديون وأولاد من أفريقية. أولاد من كل سن، كبارهم يرعون صغارهم، ومن الكبار من بلغ سن المراهقة ومن الصغار من لا يزال في سن الرضاع.

فسألت: ما خبر هذه الدار؟ فإذا هي امرأة غنية تزوجت برجل غني، فتكاثرت عليهما النعم وألّفَ بينهما الحب، ولكن النعم لم تتم، فقد حُرما الأولاد (والأولاد أمنية الأماني لمن لم يقدَّر له الولد، والأولاد سبب المتاعب لمن كثر عليه الولد؛ الأول لا يشكو إلا فقدهم والثاني لا يشكو إلا وجودهم). حتى جاء يوم وجدت فيه هذه المرأة الأندونيسية طفلاً لقيطاً فأخذته فربّته وتسلّت به، فلما كبر وفارقها عاودها شعور الوحشة لفقد الولد، ففتّشت عن غيره، ثم جعلت همها في الحياة جمع اللقطاء والأيتام وتربيتهم والقيام عليهم.

ولقد حدثتها وحدثت زوجها فوجدت أنهما يجدان في ذلك لذة لا تبلغها لذائذ الدنيا كلها.

*   *   *

وهذا صحيح؛ فليس في اللذات ما هو أعمق من لذة المحسن برؤية أثر الإحسان، فإن كان الإحسان إلى طفل كانت اللذة أكبر. والمرء يربّي قطاً صغيراً ويرعاه حتى يكبر، فيحس الحب له والعطف عليه والمسرة برؤيته، فكيف بمن يربّي إنساناً صغيراً ليس له من يعتني به ويربيه.

فالعناية باليتيم الذي فقد الأم أو فقد الأب أعلى درجات الإحسان، ومكافأتها العاجلة هي هذه المتعة الروحية وهذه السعادة النفسية، أما مكافأتها عند الله فأكبر وأبقى؛ لأن الذي يودِع ماله في المصرف يأخذ على المئة أربعاً، ربحاً غير سائغ ولا مشروع، أما الذي يعامل مصرف الإحسان وينفق ابتغاء وجه الله، فإن المئة التي ينفقها تصير سبعين ألفاً ربحاً سائغاً حلالاً، نعم: {كَمِثْلِ حَبّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبّة}.

وقد تُضاعف فوق ذلك أضعافاً. وأنا أظن أن الحسنة إن كانت لليتيم كانت مما يضاعَف أضعافاً، فتصير المئة الواحدة مئة وأربعين ألفاً على الأقل، لأن الله كلما ذكر الإحسان في القرآن وحثّ عليه ورغّب فيه، خصّ اليتيم وذكره على التعيين، ووصّى به ألا يُقهر، وجعل من صفات من يكذب بالدين أنه يَدُعّ اليتيم ولا يحُضّ على طعام المسكين.

وإذا كان من يدعوه الملك أو الأمير ويخصه بجواره في الدنيا ينال بذلك شرفاً ويراها له أعظم مكافأة، أفلا يكفي كافلَ اليتيم أن يبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم (كما روى البخاري وغيره) أن يكون إلى جنبه في الجنة، وأن يكون هو ورسول الله كهاتين (مشيراً إلى الإصبع السبابة والوسطى). فإذا لم تستطع -يا أخي- أن تنقطع لخدمة اليتامى كما فعلت تلك السيدة الجاوية، ولم تقدر أن تكفل يتيماً تتولى أنت تربيته ورعايته، فساعد دار الأيتام وادخُل شريكاً في هذا الثواب العظيم، يكُنْ لك -إن شاء الله- فضل من يرعى اليتيم.

ساعد بما تستطيع ولو كان قليلاً، فإن القليل إلى القليل كثير، بل إن القليل لمن لا يقدر على أكثر منه أعظم أجراً من الكثير يعطيه الغني، وفي الحديث: “سبَقَ درهمٌ مئةَ ألف درهم” (وهو حديث صحيح رواه النسائي)؛ لأن الدرهم ممّن لا يملك إلا عشرة دراهم أكبرُ من مئة ألف يعطيها من يملك الملايين. فلا تستقلَّ ما تعطيه ولا تستَحِ به ولو كان ليرة واحدة، فإن نصف تمرة تكون -كما جاء في الحديث: “اتّقِ النّارَ ولو بشِقّ تمرة”، رواه البخاري ومسلم- وقاية لصاحبها من نار جهنم.

وربما كان ما تعطيه مساعدة لواحد من ولدك -لا سمح الله- أو من ذريتك. مَن يدري؟ وقد تكون اليوم غنياً، ولكن هل تضمن أن يدوم عليك غناك؟ وقد تكون قوياً، ولكن هل تكفل أن تبقى لك قوتك؟ وإن هما بقيا لك حياتك هل تضمن ألاّ يصيب العوزُ أحدَ ذريتك من بعدك؟ فإن كان في البلد مثل هذه الدار فإنه يكون عوناً لهم ولغيرهم.

ولقد مرّ على هذا العمل من يوم أقامه الوالي مدحت باشا إلى اليوم خمس وثمانون سنة، فانظروا كم من يتيم أعان، وكم من فقير ساعد، وكم من موهبة كانت ضائعة وجدها واستغلها؟

إن في هؤلاء الصبية الجاهلين المشرَّدين في الطرقات مَن لو تعلّمَ لكان منه فقيهٌ أو محدّث أو محاسب أو كيميائي أو مهندس، وإن الليرة التي تدفعها إذا ضُمّت إلى الليرات التي يدفعها غيرك كان منها عمارة هذه المؤسسة التي تحوّل هؤلاء الصبية المشردين إلى علماء نابغين، أو أدباء عبقريين، أو عمّال نافعين.

إنها لا تُفتَح واحدة من أمثال هذه الدار إلا أُغلق بفتحها سجن وخمّارة وبؤرة فساد.

ولقد مر على هذا المشروع أيامُ بؤس وأيام نعيم، وجاز بعصرِ تأخّرٍ وعصرِ ازدهار، وها هو ذا اليوم يخطو في طريق الخير أوسع الخطوات، منذ تولته هذه اللجنة الخيّرة العاملة التي يشتغل فيها أعضاؤها لها أكثر مما يشتغلون لأنفسهم، ويعملون فيها أكثر مما يعملون في وظائفهم وأعمالهم التي يكسبون منها أقواتهم، ولا يأخذون على ذلك أجراً.

*   *   *

لقد رأيت في رحلاتي في العالم الإسلامي أن الناس لا ينقصهم الكرم، ولكن تنقصهم الثقة؛ إنهم إذا وثقوا من أن القائمين على المشروع الخيري أمناء أعطوهم بلا حساب. وأنا أشهد أن القائمين على هذا المشروع هم في الأمانة مثَلٌ مضروب وأن ما يسلَّم إليهم يصل إلى الأيتام، وأنتم ترون -في هذا البيان- صدقَ هذا الكلام بلغة الأرقام، فأعطوا، أعطوا ما تقدرون عليه ولوكا ن قليلاً، تكن مكافأتكم في الدنيا لذة النفس وراحة الضمير، وتكن مكافأتكم عند الله الجنة بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وصححوا نيتكم عند العطاء، فلا تفكروا في شكر ولا ثناء، ولكن في ثواب الله وابتغاء وجهه، وقولوا في أنفسكم وأنتم تدفعون إليهم: إننا نعطي -يا رب- ابتغاء رضاك، فاحسب لنا ذلك عندك.

وما تدرون، فلعل ما تعطون يستفيد منه يوماً أحدُ ذراريكم وأحفادكم، فيكون مالكم قد رُدَّ إليكم. والسلام عليكم ورحمة الله.

*   *   *

Advertisements

في رمضان يحلو العمل الصالح، فتذكروا إخوانكم

تزوجا وعاشا في سعادة غامرة لولا اشتياقهما لطفل صغير يتمِّم هناءهما ويزيدهما حبوراً وسروراً، لجأا إلى العلاج وسكنا في المستشفيات سنين عدداً حتى مَنّ الله عليهما بالحمل.

وأتم الحمل شهره السادس، وذهبا إلى الطبيبة ليطمئنا، وكانت الصدمة.. وأي صدمة!!.. طفلتهما مريضة ولن تعيش إلا دقائق معدودة بعد الولادة… تحطم الحلم وتبددت السعادة وتكدر الزوجان، وخيم الحزن والأسى.

وأكملت الزوجة حملها وحان الوضع وولدت الطفلة المريضة، وتسابق الزوجان إلى ضمها وتقبيلها، وإغداق الحنان عليها، وأولياها في هذه الدقائق القليلة كل الحب والعطف، ثم جلسا يراقبانها – في شجاعة – وهي تذوي ويتغير لونها، وتخمد أنفاسها.. حتى لم يبق أي أمل في نجاتها…

في تلك اللحظة المؤلمة تبرع الوالدان بأعضائها كلها للمصابين والمرضى والمحرومين!

تبرعا بابنتهما (ورضيا بتمزيقها قطعاً وتوزيع أشلائها هنا وهناك) بكل رباطة جأش وعزم وتصميم، وعلّلا صنيعهما بكلمات قوية سطّرت معانٍ عميقة ورائعة: «لا يمكن لابنتنا أن تدخل إلى هذه الدنيا وتخرج منها دون أن تصنع شيئاً يُذكر، لا يمكن أن تخرج دون أن تفيد أحداً، ابنتنا عاشت دقائق معدودة، وستخرج وقد أدّت دوراً فعّالاً وإيجابياً في خدمة الآخرين، وكأنها عاشت سنوات طويلة».

وهذا ما كان:

• فقلبها الصغير زرع في صدر طفل مريض شارف على الموت فأحياه الله وقرّ عين أهله به.

• وِكُليتاها أعادتا النضارة لفتاة صغيرة فشلت كليتاها في العمل فبدأت تذوي.

• وقرنيّتاها أنقذتا صبياً من العمى…

لقد أشاعت تلك المولودة الحية الميتة الحبور والسرور في بيوت كثيرة، وأذهبت الحزن عن مجموعة من العائلات، وأنقذت الأمهات والآباء من المعاناة والتحسُّر على أطفالهم المهدّدين بالأمراض المزمنة والمضاعفات الخطيرة أو الموت… فأي عمل عظيم صنعته تلك الوليدة وأهلها؟!

واقعة أبكتني وجعلتني آسى على نفسي، وعلى المسلمين من حولي، فهذان الوالدان أمريكيان ليسا بمسلمين، ولكنهما امتلكا روح الإسلام، روح البذل والتضحية والعطاء، وهذه الطفلة عاشت دقائق معدودة وكانت فعالة وإيجابية، وتركت بصمة قوية يستمر أثرها سنوات طويلة… فما هي حال مَن وصل عمره للعشرين؟ أو للثلاثين؟ أو للخمسين؟ ماذا قدم أولئك للإسلام؟ وماذا فعلوا للمسلمين؟!

أيها المسلمون والمسلمات:

رمضان أقبل، ورجع معه القيام والصيام وعمارة المساجد وقراءة القرآن والدعاء والابتهال… والمسلمون لا تنقصهم العبادات ولا يقصِّرون فيها إن شاء الله، وإنما يحتاجون لثواب المعاملات، يحتاجون للتفكير في الآخرين والعمل من أجلهم ليكتمل ثواب أعمالهم بالإيثار والعطاء…

وكل مسلم – مهما كان ضعيفاً أو فقيراً – يستطيع أن يقدم شيئاً لإخوانه المحتاجين.

فلا نحقرنّ أي عمل لقِلّته، ولقد روى البخاري: «كل معروف صدقة»، وكثيراً ما تكون الأعمال الهينة البسيطة – التي يراها المسلمون حقيرة – أفضل عند الله من عمل يصعب القيام به (كقيام ليل أو صيام نفل)، والحديث التالي يصدّق ويشهد على صحة هذا الكلام: «كنا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – في السفر، فمنا الصائم ومنا المفطر، فنزلنا منزلاً في يوم حارّ أكثرُنا ظلاً صاحب الكساء، ومنا مَن يتقي الشمس بيده، فسقط الصُوّام، وقام المفطرون وضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر».

فكيف يكون الفرد فعّالاً؟ وكيف يُسهم المسلم والمسلمة في مؤازرة إخوانه والذّب عنهم؟

طرق الخير متنوعة، والأولوية اليوم لمجموعة منها:

1- الجهاد في سبيل الله بالمال، وهو أفضل الأعمال:

«مَن جهز غازياً في سبيل الله فقد غَزا، ومن خلّف غازياً في أهله بخير فقد غزى» متفق عليه، وكم يحتاج المجاهدون اليوم للمال؟

2- السعي على الأرملة والمسكين:

«الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» وأحسبه قال: «كالقائم لا يفتر وكالصائم لا يُفطر» متفق عليه.

3- كفالة اليتيم:

«كافل اليتيم – له أو لغيره – أنا وهو كهاتين في الجنة وأشار بأصابعه» متفق عليه. وكم أفرزت الثورات من أيتام. والكفالة لا تختص بالنفقة المادية بل تتعداها إلى التربية والتهذيب والتعليم، بل تصل إلى الابتسام في وجهه، والمسح على رأسه، والمساواة بينه وبين أقرانه… في محاولة لصيانة هؤلاء من العُقَد النفسية…

4- بَذْل الفضل:

فقد وضع النبي – صلى الله عليه وسلم – حلاًّ واقعياً للعِوزَ والفَقر وازدياد حاجات المهجَّرين، ويمكن لكل مسلم العمل به: «… مَنْ كان معه فضل ظهر فليَعُد به على من لا ظهر له، ومَنْ كان له، فضل زاد فليَعُد به على مَن لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل» رواه مسلم.

ولا يمكن للمؤمن أن يترك أخاه في العقيدة والإسلام يُقتل ويُهدم بيته ويُسرق ماله ويُحرم قوتَ يومه… وهو ينعم بالغنى والفضل ووفرة المال… خاصة في ذلك الشهر الكريم رمضان شهر الخير واليُمن والبركات والأعمال الصالحة، ومن نفّس عن مؤمن كُربة من كُرَب الدنيا نفّس اللهُ عنه كُربة من كُرَب يوم القيامة

إياك والحب الخاطئ:

 

أكثر الأبناء لا يشعرون بأحزان أمهاتهم ولا يهتمون بمعاناتهن، ويتصورون التضحية والتفاني واجباً من واجبات الأم الأصلية، وإن لم تقم بهما كانت مقصرَّة! وهذا المفهوم خاطئ، فجنبي ابنك تلك المفاهيم لكيلا يكون أنانياً ويخرج عن السيطرة.

وحتى لا يفسد صغيرك افعلي ما يلي:

اطلبي منه أن يقابل حبك بالحب، فيسأل عنك هو الآخر ويهتم بك وبمشاعرك، (وهذا ما سيجنبه العقوق، وهو ما سيجعله ابناً صالحاً في المستقبل)، فإذا كنت حزينة لسبب -يمكن قوله- فأعلميه (مثلاً: مرضت صديقتك، احتاج أحد أقاربك لعملية جراحية)، وأظهري التغير في سلوكك فقللي تفاعلك مع ابنك وأظهري ألمك. فإذا واساك تقبلي منه واشكريه، وأثبتي تأثرك بقولك: “اليوم لا أستطيع التركيز معك، عندي مشكلة وأحاول حلها”، وإذا لم يهتم يكون هناك خطأ في مشاعره نحوك، فحاولي بناء علاقة جديدة معه، وإن مشاعر “التقدير” تتعزز في ساعات الصفاء، وتتوطد بالكلام والتعبير.

– وبطريقة عفوية وطبيعية عرفيه بما تقومين به من أجله من تضحيات، وعن طريق الكلام وفي السهرات العائلية اسردي الحوادث الحقيقية، وأضرب مثلاً حدث معي: ذات يوم تألم ابني وأيقظني في الساعة الثالثة منتصف الليل فقمت معه ورعيته، وفي اليوم التالي قلتُ له: “ليتك تعلم كم قلقت عليك، وساعة أيقظتني (من أجل ألم بطنك) كنت مستغرقة وقد مر علي يومان بلا نوم وبلغ الإرهاق مني مبلغه، فلما رأيتك على هذه الحال طار النوم من عيني وقمتُ لأرعاك وأعطيك الدواء وبقيتُ جالسة إلى جوارك حتى تحسنت أنت وغفوتَ، ثم اضطررت أنا إلى البقاء بلا نوم لأني كنت ذاهبة صباح هذا اليوم إلى مجلس الأمهات، والآن أنا منهارة تماماً من شدة النعاس وسأنام بعد أن اطمأننت عليك”… كلميه عن المعاناة التي تتكبدينها من أجله (بلا تهويل، وبلا مَنِّ ولا أذى) ولكن بوضوح وبشكل واقعي ومؤثر، وأشعريه بالتضحيات التي تقدمينها له؛ فالأم تقدم لابنها زيادة عما فرضه الله عليها، وتقدم له زيادة عن وظيفة الأمومة، وابنها محور حياتها وسعادته أقصى أمانيها: تسهر الليل كله لو أصابه مكروه، وتكتئب إن مرض، وإذا مرضا معاً طببته وأهملت نفسها، وإن كانت فقيرة أطعمته وبقيت جائعة وحين تتعارض رغباتها ورغباته تقدمه على نفسها… وكله منة وتفضل وفي بعضه مبالغة منها! أفلا ينبغي أن يعلم الابن بهذا؟ فيقدره ويعوض أمه عن بعض التضحيات؟

من أجل ذلك قولي له في بعض المرات: “أنا متعبة جداً ولكني سأشرح لك الدرس”، واعتذري في مرات أخرى: “أنا منهكة على الآخر، آسفة يا بني! لا أستطيع مساعدتك في (الوسيلة) التي طلبها الأستاذ”، واطلبي منه القيام ببعض واجباتك، وحين يستثقلها أعلميه بأنك تفعلينها كل يوم، وتتحملين أعباء إضافية فوقها -من أجله- ليكون مرتاحاً وسعيداً.

وحين تتسامران احكي له كم تغلبت في إعداد الكاتو الذي يحبه، وكم أخذ منك طي الغسيل وقتاً، قولي له أنك لا تحبين كنس السجاد، ولا تطيقين ترتيب الألعاب المتناثرة، ولكنه نداء الواجب وقانون الحياة، وليعلم ابنك من خلال الحديث الهادئ أنك أنت أيضاً تكرهين أداء بعض الأعمال، وأنك تملين وتتعبين، وتحتاجين أحياناً للمساعدة. فإن تذمر من حديثك فعاتبيه برفق وامتنعي عن الاهتمام به حين يكون بأشد الحاجة لك! أهمليه يوماً أو يومين ليشعر بقيمة مساندتك.

وإن تفاعل معك واهتم لحزنك فهذه بشارة خير وبركة! فأبدي سعادتك لاهتمامه بمشكلاتك، وحثيه على مبادلتك الود والتعاطف، وساعديه ليحبك ويحس بك، الحب ضروري جداً لتهيئة تربة خصبة صالحة تتقبل ما يبذر فيها من خير وإحسان. وحبذا لو امتد حنان الصغير وحبه إلى والده وجميع إخوته، وكم هو لطيف لو احترم مقامهم وحقوقهم، فهذا خلق المسلم.

لا تحاسبيه كنظير لك أو ند يماثلك، ولا تنتقمي منه، أو تؤذيه لأنه أتعبك أو نغص يومك، فأنت مربية وأم وهو طفل صغير، تغاضي عما يمكن التغاضي عنه، ووجهيه لأنه أخطأ والخطأ لا يليق بالمسلم، وكوني حازمة إذا غلط قولي له بصوت واضح ولهجة صارمة لقد غلطت فاعتذر والرجل يعترف بخطئه، وإن كان يستطيع إصلاح ما أفسده مريه بذلك ولا تتهاوني معه أبداً.

ولمزيد من التوضيح إليك الفرق بين “الدلع والإفساد” وبين “الدلال والحب”:

الحب إعطاء الأمان والدعم للصغير، والإفساد جعله اتكالياً ضعيف الإرادة عديم التفكير.

الحب دعم معنوي يجعل ولدك يتحمل الصعاب ويصبر، والدلع يجعله يتذمر من كل بلاء.

الحب سلطة تمنعه عما يضره وترشده لما ينفعه، والدلع ميوعة تحقق له كل رغباته بلا انتقاء.

الحب بصيرة ووعي لما يفعله الصغير من أخطاء ويترافق معه التوجيه السليم، والدلع ترك للصغير ليتصرف على هواه بلا رقابة ولا تعديل.

الجهاد في القرن الواحد والعشرين

كيف يمكنني المساهمة في الثورة السورية المباركة؟

سؤال يسأله عامة الناس من المخلصين والشرفاء وسؤالهم ذكرني بسؤال قديم شغل الصحابة: “ما أفضل الأعمال الصالحة؟”، وسألوه للنبي صلى الله عليه وسلم مرات عديدة عنها فجاءتهم إجابات مختلفة: “الصلاة على وقتها”، “الحج”، “بر الوالدين”، “الجهاد”… ووفق الفقهاء بين هذه الإجابات المختلفة بقولهم: “يختلف أفضل الأعمال باختلاف الزمان والمكان، ولكل زمن ولكل مكان عمله الأفضل”، ولا شك أن أفضل الأعمال في زماننا هو الجهاد في سبيل الله.

لقد أصبح الجهاد فرض عين على كل مسلم سوري داخل البلاد وخارجها، وأضحت المعركة معركة كفر وإيمان ومعركة بقاء وفناء، ومعركة الحق والباطل، ولا بد للجميع من المشاركة فيها.

*  *  *

وإذا كان الجهاد “أفضل الأعمال” و”فرض عين”، فكيف يكون؟ وما دور كل فرد سوري فيه؟

والجواب:

ذكر الله في القرآن نوعين من الجهاد، الجهاد بالمال والجهاد بالنفس، وهما قائمان إلى يوم القيامة، على أن الدنيا تغيرت فتطور الجهاد معها ونشأت له إضافات وذيول وأشكال جديدة:

1- الجهاد بالنفس: وهو حمل السلاح والقتال في سبيل الله دفاعاً عن الأرض والحرمات، ويكون داخل سوريا وخارجها؛ وأما الجهاد في الخارج فهو بالعزم عليه والإعداد له باحتراف وجدية والاستعداد لدخول البلد والمشاركة الفعلية في ميدان القتال. وأما الجهاد في الداخل، فهو بالقتال ومواجهة العدو، وحمل السلاح والمشاركة المباشرة في المعركة، أو بالدعم بالصفوف الخلفية، أو بإعداد السلاح وتنظيفه وتهيئته وتخبئته، أو بإعداد الخطط للسيطرة عليه من العدو وحيازته، ونقل المصابين وحراسة الجنود الجرحى والعمل بالتنسيقيات، وتوفير خطوط الاتصال، والتصوير في ساحة المعركة… ويدخل تحت الجهاد بالنفس: كل عمل يكلف الفرد حياته ويخدم المعركة الفاصلة خدمة حقيقية لا يمكن الاستغناء عنها.

2- الجهاد بالمال: وكان المسلم يخرج مالاً من كيسه ويجهز الجيش (كما فعل أبو بكر وعمر والصحابة والتابعون) وتنتهي القضية، وقد يحتاج الجيش إلى مدد فيجهزون جيشاً آخر ويرسلون التعزيزات.

أما اليوم فتغيرت طبيعة الحروب والأسلحة، وزادت الضرورات وتنوعت، فما عاد الجهاد محصوراً بتجهيز الجيش بل نشأت حاجات وحاجات وكلها ضرورية، ولا تكاد الحاجات هذه تنتهي فهي دورية تتكرر كل شهر وكل أسبوع وأحياناً كل يوم، حتى خصص بعض المحسنين جزءاً شهرياً من دخولهم لدعم الثوار وتأمين طعامهم وشرابهم ونفقات تنقلهم واتصالاتهم بالهواتف والأجهزة الأخرى، وأصبح السلاح يحتاج لذخائر وصيانة، وصار التخطيط يحتاج لمصاريف وخبراء وكاميرات وإعلاميين… وكم نحتاج للمزيد من الأفكار التي تجلب الأموال!

ونشأ باب جديد للجهاد بالمال: هو دعم المدنيين والفقراء والمساكين والعاملين والمهجرين والمصابين والمعاقين وتأمين حاجاتهم كلها، وإجلاؤهم عن المناطق المنكوبة… وتأمين أعمال تكسبية لهم ومشاريع صغيرة منتجة، تُذهب عنهم الاكتئاب وتفيد الأمة، مثل مشاغل الخياطة والتطريز، والأعمال الفنية والرسم.

وصرنا بحاجة ملحة إلى وسطاء يربطون بين أهل الخير والمجاهدين، والمتبرعون كثيرون ولا يعدم الخير في الأمة، ولكنهم لا يعرفون الباب الذي تصل منه الأموال ومن دل عليه وعمل فيه كان له أجر كبير.

واشتدت الحاجة لأي مال ولو كان المال متحولاً مثل البطانيات والملابس والمواعين والأدوية والسكن، أو أي شيء مفيد. وإن الحاجة للأموال لا تنتهي فنشأت فكرة الحفلات والبازارات… ومن أجمل الأفكار استثمار الأموال في المشروعات التجارية، وإعادة تدويرها، لكي لا تنفد. ومنه نشأت فكرة المطابخ التي تقيمها السيدات في البيوت وتنذر ريعها للثورة.

وللجهاد أنواع أخرى حديثة سأذكرها في مرة قادمة إن شاء الله، وأختم مقالي هذا بقولي:

أيها الناس

أسباب النصر رجال ومال وسلاح، فما الذي ينقصنا منها؟ لا ينقصنا العَدَدْ، إنما تنقصنا العُدَدْ العسكرية، ولدينا العلم والذكاء الإيمان، وإذا أخذنا بها غلبناهم.

ومن أعجب العجب أنهم ما استطاعوا أن يغلبونا رغم ما أعانوهم به علينا وما أمدوهم به من المال والسلاح والناس (من الغرب من أميركا وحلفائها وإيران وروسيا)، وما زال جيشنا الحر يسطر البطولات ويتقدم في البلاد، ونسأل الله النصر المؤزر القريب.

للحرية ضوابطها !

اكتشفت شيئا مثيرا (وأنا أعد لورشة عمل من محاورها “حرية التفكير والتعبير”)، أن “الحرية الشخصية” التي ينادون بها -اليوم- فكرة دخيلة غزتنا مع الأفكار الغربية الخاطئة وهدمت قيمنا وهددت ديننا وهيجت علينا أولادنا

وإن “الحرية الشخصية الفردية” بأنواعها الثلاث مضبوطة ومقيدة :
1- “فحرية التفكير” قد تبدو مفتوحة ولا حدود لها، وهذا خطأ فإنها إذا وصلت لسوء الظن بالناس أو للتفكير بالذات الإلهية انتهت وتوقفت
2- “حرية التعبير” ليست سائبة وإنما محكومة بضوابط كثيرة: الاحترام والبعد عن الإسفاف والجدال وعن السب والفحش والغمز واللمز والقذف…
3- “حرية التصرف” وهذه أكثرها قيدا وضبطا، وإن حرياتنا مقيدة بالدين فلا نقرب المحرمات، وبالعرف فلا نضع أنفسنا بمواطن الشبهات، ومقيدة بالقوانين فلا نخترق إشارات المرور ولا نخالف نظام المدرسة، ومقيدة بالخلق فنمتنع عن أشياء مباحة لئلا نسيء للآخرين
حريتنا مقيدة أيها الناس ! وإن مفهوم الحرية في الشرع: الامتناع عن العبودية للبشر والبقاء تحت عبودية رب الناس والالتزام بما وضعه من شرائع وأحكام وقيود ارتضاها وألزمنا بها (ومحور الشر يحاول نقضها لينقض الدين والخلق)

انقدوا بواقعية

كنا نشتهي وصول الإسلاميين المعتدلين للحكم، فلما وصلوا (في مصر وسوريا وغيرهما) كنا أول الناقدين!؟ أيها المسلمون إذا تحقق “الإخلاص” فغضوا الطرف – قليلا- عن “الصواب”؛ ليس محاباة للأشخاص فكل يخطئ ويصيب وإنما حفاظا على وحدة الصف وسمعة الإسلاميين، فالمرحلة فاصلة وخطيرة. وإن للسياسة ظواهر نراها ونسمع طرفا عنها… ولها بواطن لا يعلم مرارتها وبأسها إلا من كابدها ونسأل الله لهم الثبات والهداية

موضة المؤتمرات !؟


أ
رانا ابتلينا -في ثورتنا السورية المباركة- ببلية المؤتمرات، كلما ألمت بنا خاطرة عقدنا لها مؤتمراً، وحشدنا لها كل الطاقات، ولا تحسبوا التحضير للمؤتمر أمراً سهلاً إنه مرهق وعظيم، يستهلك الوقت كله والجهد جله ولا يبين، ولقد جربته مع فريق مميز وعملنا على الإعداد لمؤتمر إشهار، فأخذ منا شهرين متواصلين من العمل الدؤوب (في الاتصالات وجمع أسماء المدعوين، وكتابة الدعوات والسفر إلى بلد التجمع وتأمين مكان جيد لإقامة الضيوف، وحجوزات الطيران والفنادق والمواصلات بين المطار والأوتيل، وفي إعداد البرنامج وتوزيعه على فقرات وأشخاص، وللمؤتمر ذيول لا تقل إرهاقاً منه: كورش العمل، وعشاء رجال الأعمال…).

ابتُليتنا بهذه المؤتمرات فاشتغلنا بها عن غيرها من الأعمال المفيدة، وأخذنا التحضير لها على أصل إقامتها! فأصبحت مصيبة وقد كانت الأمل والنجاة بنتائجها!

وكثيراً ما تكون المؤتمرات مملة ببرامجها وفقراتها لما يملؤونها به من خطابات حماسية، حتى ينام بعض الضيوف ويسرح بعضهم الآخر مع أفكاره، وتخرج مجموعة منهم خارج القاعة ويتسامرون… وينتهي المؤتمر بتوصيات كبيرة وكلمات رنانة، ثم يرجعون كل إلى بلاده ولا نعلم علام انجلى الموضوع.

فما أفدنا من حضورهم ولا أفادوا!

صارت المؤتمرات موضة هذا الزمان، وكل مؤتمر بعنوان، ولا تقل تكلفة أحدها عن مليون ريال سعودي، ولقد أقاموا في هذين الشهرين عشرين مؤتمراً!؟ ذهب المشاركون إليها بكل الحماس والتفاؤل فلما عادوا لم تكن إلا أيام حتى تكسرت أحلامهم، وكيف لا تتكسر وأكثر المؤتمرات حتى الآن كلام في كلام، لا يحتمل الواقع مثاليته، فانتهى الطريق به إلى النسيان والإهمال. وذهبت تكاليف المؤتمر هباء منثوراً وضاعت أموال الأمة هدراً، وكان من الممكن أن يجهزوا بها جيشاً كاملاً خير تجهيز فينتصر في معركة دمشق أو القصير.

وإني أخاف أن تصبح المؤتمرات أول سبب لخراب المشروعات واضطراب الموازنات… فكروا معي كم أصبحنا ننفق من الأموال في مؤتمرات لا يأتي منها فائدة تساوي نفقتها، وما كان في تركها ضرر ونحن نشكو قلة الذخيرة وكثرة اللاجئين والمعاقين والجرحى… سمعت عن مؤتمر كلف مليون وكان له وقع رائع، ثم مرت الأيام واختلف القائمون عليه وانقسموا ونسي العاملون عليه توصياته… وذهبت الأموال التي انفقت عليه؛ مليون ريال صُرفت في يومين ، ونصف الأمة يتضور جوعاً.

وفي كل مؤتمر يدعون الشيوخ المشهوين -المحسوبين أنهم قدوة الناس وخيرتهم- ليحثوا الناس على التبرع والعطاء، فيتطلبون في المسكن وفي حجوزات الطيران، وقد يتبنون المؤتمر ويدعي بعضهم أنه الراعي له والقائم عليه!! ويحضرون إليه ويجلسون في الصفوف الأمامية ويشاركون في كافة الفعاليات ويخطبون الخطب المدوية ويتكلمون بالآيات والأحاديث، ويحثون الناس على بذل أموالهم ولا يمد أي واحد فيهم يده إلى كيسه ولا يخرج منه قرشاً… فكيف سيتشجع الناس ويتبرعون وهم يرون ما يرونه من إحجام قدواتهم عن البذل والعطاء في كل موقف.

وإن في سوريا بشر من بني آدم، بل من إخواننا وقراباتنا، يرون هذه المؤتمرات في وسائل الإعلام فيسخطون، ويشتهون مئة ريال من الأموال التي صرفت أو أقل منه ليشتروا به طعاماً أو كساء أو مأوى يبيتون به وقد هدمت بيوتهم واجلوا عن ديارهم وأموالهم… وإن هؤلاء كانوا أعزة في بيوتهم ملوكاً في أعمالهم وكانوا أرضى لله وأنفع للوطن منا، ولكن قوى الغدر والنظام الغاشم أفقرهم وهجرهم وأورثهم العاهات وعذبهم.

إن هؤلاء الصامدون هم ركن الوطن، رابطوا فيه حين هاجرنا، وثاروا حين تقاعسنا، هم أهله وسكانه، بقوا فيه شوكة تؤلم آل الأسد وتخوفهم، فحرام علينا أن ننساهم ونهملهم! حرام أن نضيع هذه الأموال وهم جوعى، حرام في دين الله وحرام من باب الإنسانية.

فإلى متى نضيع أموالاً نحن أحوج إليها اليوم من كل يوم مضى لأننا في عهد ثورة وحرب حاسمة، ولأننا في معركة فاصلة بين الكفر والإيمان.

وأنا لا أحارب المؤتمرات على إطلاقها، وإنما أجيزها بشروط قاسية، والمؤتمر حدث كبير ومكلف فلا يقام إلا للضرورات القصوى، وإذا تبين أن عائده أكبر من مشقته، وفي الحالة السورية يفضل الابتعاد عنه للظروف الاقتصادية القاسية والوضع الإنساني المبكي.

أيها المصلحون

فكروا معي: ألا يمكننا عمل مؤتمر مميز بكلفة صغيرة، ألا يمكن أن نحجز للناس في فنادق وطيران أرخص؟ ألا يمكن أن ندعو الناس على حسابهم الشخصي مساهمة منهم في الثورة؟ ستقولون لن يحضروا، وأقول لكم الذي لن يحضر من أجل تذكرة لن تروا منه ثمرة (إلا الذين ضاق عليهم الرزق فما استطاعوا إليه سبيلاً فهؤلاء ممكن التماسهم بالنفقات إن كانوا ممن يفيد حضورهم فائدة كبيرة).

نحن في عصر الإبداع والابتكار، والتواصل السريع الذكي، وقد كثرت وسائل الإعلام وتنوعت… ألا يوجد –إذن- طرق أخرى (غير المؤتمرات) تفي بالغرض؟ فكروا وسوف تجدون أبواباً جديدة لجمع الناس والتشاور معهم وحشدهم للمساهمة في القضايا الإنسانية والاجتماعية.

ولو فكرتم ستجدون أيضاً أساليب سهلة لنشر أفكاركم والإعلان عن منظماتكم ومؤسساتكم، وستجدون وسائل متنوعة للدعاية لإنجازاتكم، وستعثرون على طرق ممتازة تبقي أموال الأمة وتحقق أغراضكم فخذوا بها بارك الله فيكم، واحفظوا للأمة أموالها.