Monthly Archives: يونيو 2013

القصة الكاملة لمعتقلة سابقة

وظيفتي في هذه القصة نشرها فقط! وهي بخط وأسلوب وقلم معتقلة سابقة ولم أغير فيها حرفا، شرفتني بنقل هذه الشهادة في مدونتي وإني أبارك جرأتها وأحيي فيها صبرها وثباتها وذات يوم سوف تكشف عن شخصيتها

شهادة من المعتقلات السورية

بقلم هدى الحرة

اهداء

– الى كل انصارالانسانية الذين يغارون على كرامة تنتهك و مواطنة يكفر بها في أقبية مظلمة جعلت من النظام السوري أحد

              خمسة أعتى الأنظمة في العالم .

           – الى كل أعداء الحرية التي يطالب بها الشعب السوري , و مازال , و الذين يعتذرون بالممانعة و المقاومة للمشروع الصهيوني في المنطقة , علهم يبصروا وجه نظام بشار الأسد الحقيقي .

   -الى كل الصامتين المحايدين اخلاقيا في زمن المجازر و التعذيب و النتكيل الذين يعيشون لهمومهم القزمة : صعام و شراب و لهو

   أهدي هذه المعاناة الانسانية .

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

اخترت ان تكون شهادتي من غير مبالغة او تهويل , و الله على ما أقول شهيد , لأن هدفي ليس الا توثيق انتهاكات صارخة تجري على مدار الساعة في المعتقلات السورية .

احمد الله كثيرا اني لم أخرج من السجن بعقدة الحقد و الكراهية و تمني إزالة الآخر لمن كانوا يتولون “تأديب” المعتقلين , فسوريا أغلى منا جميعا . و لكن لا يعني ذلك اني خرجت بعقدة استوكهولم * . نعم , أتمنى لأولادهم أن يعيشوا مع أولادنا في سوريا الجديدة و لكن لهم هم انفسهم العدالة القضائية قصاصا لما عملوا من تدمير لإنسانية الإنسان و قهر لتطلعات مشروعة و فطرية .

 لقد تعمدّت تحريف بعض الأسماء لدواع امنية فأصحابها مازالوا في الداخل السوري …

——————————————-

– عقدة استوكهولم : نسبة الى مدينة استوكهولم حيث كانت فيها حادثة اختطاف و خرج على إثرها المختطفون بعقدة محبة خاطفيهم و تبرير الاساءة التي تعرضوا لها .

1

تبدا القصص الكبيرة من هنات بسيطة .. هنات اذكرها و الحرقة تسير مسرى الدم في عروقي من اناس يُحسبون علينا  بينما ضعفهم يخدم الفجرة و يصب في صالح الظَلمة .. بدات القصة صباح يوم الاثنين , في غرفة المدرسات .

 دخلت معاوينة المديرة مع امراة سافرة تقطر سمّا و تشقيرا … أشارت الأولى في تمثيلية مقيتة في أثناء تعريف الثانية على المكان : هذه غرفة المدرسات .

 و تشير بيدها و تزلق ببصرها نحوي … لم افهم الاشارة حينها.

و ذاك حارس المدرسة يجيء ذهابا و ايابا يرمقني خلسة .. لعله يريد احدا غيري ؟

و كذلك غرفة المديرة ظلت مغلقة ذلك اليوم ؟؟؟

غيّرت ثيابي و خرجت .. عند الباب صدفت مسؤولة النظام و الموجهة , و كلتاهما من أمن المدرسة , تقفان على غير المعتاد مقابل المدرسة. القيت عليهما تحية عابرة و عبرت الى الرصيف المقابل .. و ما هي الا ثوان حتى لاحظت الطريق فارغا و كأنه أُوقف من مسافة … و أحدهم يقترب مني : يا آنسة هدى , ياآنسة لو سمحت …
التفت الى مصدر الصوت و اذا بسيارة أمن بيضاء اللون , سوداء الطالع , و الرجل يامرني ان اركب من غير شوشرة … كان أبو صلاح , المسؤول الأمني في المنطقة  .
لم أستطع النبث ببنت شفة خشية أن يلمسني .. كانوا أربعة رجال , لا كالرجال , مسلحين بالبنادق في مهمة امنية للقبض على امراة !
غلى الدم في عروقي و ضجت نبضات قلبي , جفّ حلقي .. تشنجت العضلات و تزاحمت الأفكار في رأسي : ما هذا ؟؟ و لم ؟ ألأني أحب و أكره حسب ما يمليه عليّ ضميري و عقلي ؟ ألأن قلمي و لساني يفيض غصبا عني ببعض الألم على شعبي الذي يقتل صباح مساء؟؟

– ألن تعقلي .. يا ….. ؟

– ما فعلت شيئا ؟؟؟؟

– حسنا , أين تسكنين ؟

– في المهاجرين , جادة زين العابدين …
– تابعي …
تاهت الاتجاهات في فمي , لم اعد أميز اليمين من اليسار .. أجبت بانكسار :

– لا أعرف العنوان , لا أدري كيف أدّلك .

– انتم أتباع العرعور .. تريدون تدمير البلاد ؟ تريدون امريكا ان تأتي الى هنا !!
– لا, أنا لا أسمع العرعور ..

– إذن , من أتباع القرضاوي ؟

لم أرد أن أجاريه … فما هو الا سفيه .

عصفتُ ذهني بشدة عليّ أتذكر أيوجد  في محفظتي شيئا قد يدينني ؟ فما تذكرت أن هناك فلاشة ستقصم ظهري …

. وصلت السيارة الى فرع الأربعين في الجسر الأبيض

2

 

فرع الأربعين ليس سجنا بل مكان اعتقال و تسليم , غالبا لفرع الخطيب في شارع بغداد .

أمرني احدهم بالوقوف متوجهة الى الحائط .. كنت يومها صائمة . حاولت أن التقط الموبايل , علّي أرسل و لو رسالة فارغة أو رنة واحدة لأخي … لاحظ الشاب حركة يدي فأخذ مني محفظتي.

أصبت بالغثيان لسماعي أصوات الضرب و الشتم و صراخ الرجال …

جاؤوا برجل و انهالوا عليه بالسوط لسعاً و تبكيتاً .. حلف مرارا و استجدى تكرارا أن لا علا قة له بما يتهمونه به . مما قاله : ان كان ما ألقى فداء لسوريا فاوجعوني ضربا .. و لكن و الله لم أقترف ما تجبروني على قوله !

لله در السوريون يستحضرون حب البلد في أشد الأوقات سحلاً للكرامة و مسحاً للإنسانية . و الله لو علم بشار الأسد حقيقة شعبه لما ضيّع ماضيّع و لما فعل ما فعل … غفرنا له بنوّته للمقبور حافظ الأسد و صبرنا عليه 11 سنة .

كانت عيناي تقطر دمعا و قلبي دما لأصوات أؤلئك الرجال ..
حان وقت صلاة الظهر .. كنت على وضوء .. قررت أن أمارس حقي دون ان أطلبه منهم . استدرت و نويت الاتجاه للقبلة و بدأت أصلي ..

 نهرني أحدهم بشدة : هذا ليس مسجدا , انه مركز أمن .
قطعت الصلاة و لم أجب , تلا قلبي : ” أرأيت الذي ينهى عبدا اذا صلى “

بالتأكيد أهلي علموا باعتقالي , لقد تأخرت و الموبايل مقفل او على الأقل لا يردّ ..

 كيف يتحمّل الناس حياة كهذه في دولة أمنية !! يسلب المرء حريته و يُجرّ الى فرع امني من غير مذكرة اعتقال أو حضور محاميه و من غير ابلاغ أهله !!!
بقيت واقفة قرابة 4 ساعات الى أن أُمرت باتباع خطى أحدهم الذي حمل أشيائي .. توسمت فيه منطقاً و طرفاً من مروؤة فسألته خلسة : إلى أين تاخذونني ؟؟
أجاب بجدية متكلفة : ستعرفين لاحقا ..
أركبوني سيارة مع ثلاثة و انطلقتْ
ماذا فعلتِ؟ –
لم أفعل شيئا !                                                                                             –

اذا كنت صادقة ستبقين 3 سنوات … –
و قهقه بطريقة غير مسؤولة و بغيضة .. بماذا أردّ على هذا السفيه المختل المسلوب .

كان سائق السيارة يقود بجنون و كأنه ملك الأرض , و ما حوله من المواطنين الصالحين حشرات عليهم احترام مهمة وطنية خرج لها , عليهم قبول تجاوزه لقوانين السير فالباشا يؤدي واجبا حزبيا طائفيا لرئيس ممانع مواجه لاسرائيل !!!
تمنيت لو أن السيارة تنقلب فأموت و انتهي مما ينتظرني .
وصلنا الى فرع الخطيب .

 

 

3

بوابة , اثنتين , ثلاثة .. الكل مدجح بالسلاح و يتحرك وفق اوامر هرمية صارمة . عبق السلوك العسكري يملئ المكان , جيشنا العربي السوري يُعنى بكل شيئ الا محاربة اسرائيل .. يلتحق الشاب بالجيش ليُبكّت و تنكسر كرامته و يعمل بالسخرة لفلان و علّان … في الثكنات يُكفر بالرحمن و تُهان الأديان و يُسب نبي الاسلام و تُمنع الصلاة !!!
كيف تعاملنا نحن أهل الشام مع هكذا انتهاك ؟؟
لنقولها بأمانة و اعتراف : خنعنا و استسلمنا و هربنا من التحدي … الميسور منا يدفع البدل المالي لابنه , و الفلهوي يفيّش لضابطه ( يدفع مالا شهريا لقاء بقاءه في بيته ) … لقد تركنا مناصب الجيش للطائفة العلوية و من دار في فلكها من الأقليات .

انزلوني الى قبو … فُتح باب حديدي ثقيل , أُمرت أن أدخل .. كان يغمرني ذهول و كم هائل من التساءلات : الى أين ؟ و ماذا اقترفت ؟
هُديت الى غرفة نائية يرتمي فيها سريرين قُطّعا من حديد عليهما فرش متسخة و مهملة … سياط من أكبال كهربائية تتوزع هنا و هناك … سلاسل من حديد كتلك التي يجلد الشيعة بها ظهورهم في يوم كربلاء … المحيط مرعب يوحي بما هو أسوء .

دخل رجل في الأربعينيات و بمهنية مخابراتية أملى استمارة شخصية عني و سألني : هل تلبسين أي ذهب ؟
رفضت التعاون معه تلقائيا و أجبته بشكل انعكاسي : لا, ليس معي شيئ .
نظر الي و قال بصلف : هل ضايقك أحد ؟
… لا, لكنني خائفة , هناك قصص انتهاكات تُروى –
انتفض كالأفعى الغادرة غاضبا من حقيقة يأبى أن تكون حقيقة … فما كان مني الا ان تراجعت عن ضعف : ربما هي مجرد اشاعات.

أمرني بالذهاب الى غرفة التفتيش لتتولاني امرأة .. لربما آثرت ان لا تؤذيني في لحظةِ رحمةٍ من الله غمرتها …

ثم أخذوني الى السجن النسائي , أملت أن ألقى أختا أعرفها … لكنني لم أجد أحدا . كن كلهن جديدات .. شعرت كمن يأتي المدرسة من غير امه , ضعفت بسرعة و بكيت بحرقة طفل ألفى نفسه وحيدا … كنّ أكثر من لطيفات معي , حاولنّ التهدئة من روعي .. فما هي الا لحظات و رجعت الى طبيعتي التواصلية . سألتهنّ و سألنني …

يا الله .. ماذا تخبئ السجون وراء قضبانها ؟ و كم من قصص من الظلم تُدفن في ظلامها ؟

احداهنّ كانت مسيحية من القصور .
لماذا انت هنا ؟؟-
أجابت بطيبة غير متكلفة : لي مشكلة مع مستأجر علوي .. اتهمني بالطائفية ضده لمطالبتي اياه بتسليم البيت !!!
كانت سيدة هادئة . اخبروني بعد حين انها واظبت على قراءة القرآن معهن و كذلك الأذكار, و كانت تقول لهنّ : هذا كلام يلامس الروح و فيه تمجيد لله , فلم لا أقوله ؟

و امرأة أخرى من حي التضامن , بسيطة فقيرة لا تفقه من السياسة شيئا , مصابة بشظية في عينها , و العين تنزّ قيحا و دما ..
. اتهموني أني أسرق البيوت بعد القصف … و الله كنت أجمع أغراضي –

و اقتربت مني واحدة اسمها نداء .. حامل و لها طفل كالملاك نائم بزاوية الغرفة … بنقاء ادلب الخضراء سردت علي كلمات :
– جاؤوا بي لأن الجيش الحر قتل زوجي .. اتهموني بالتآمر معهم .. يريدون ان يسلّم ابني, من زوجي الأول نفسه و أنّى لهم ذلك ..

و هناك في الزاوية جلست أخرى تسبح ببذور الزيتون ..

فُتح الباب فجأة و نادني أحدهم , خرجت معه و أخذني الى المنفردة !! لم أدرِ السبب ؟ و من تلك اللحظة بدأت رحلتي مع ذاتي و مع جلادي …
أطلّ من نافذتي اثنين ليكيلا لي الشتائم .
.. اتفو على شرفكن .. خائنة , عميلة –
ما دريت في تلك اللحظة ذنبي , غاب عني أن الفلاشة في حقيبتي فيها كل عقلي , قرأها هؤلاء الذين لا يرقبون في مؤمن الّا و لا ذمة .

 

4

لم أدخل غرفة بهذا المقاس الا حمام البيت , كانت مظلمة , يتسلل اليها ضوء خافت , ابيض بياض الموت , 2 / 1 متر , فيها بطانيتين بنّيتين , لهما رائحة قذرة , على الجدران كُتبت عبارات ترحب بي و تخفف عني : اللهم اليك أشكو ضعف حيلتي و هوان أمري .. اللهم لا تكلني الى نفسي طرفة عين … لا إله الا أنت سبحانك اني كنت من الظالمين … بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيئ في الأرض و لا في السماء و هو السميع البصير … سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله …    أستغفرالله … أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق … يسقط بشار الأسد …
و كان هناك رسم محفور بسمار أو دبوس : شجرة نخيل , بجانبها جمل , و على غير مسافة بعض الورد … و تحت الرسمة كُتبت كلمة ( مهاجرون ) …
حُفرت على الجدران أسماء و تواريخ و أرقام موبايلات .
شعرت أن أرواح من سبقني أقبلت تعانقني و تضمّني أن اصبري فالقادم ليس بالسهل و لكنه لن يدوم , فكل من كتب هنا على الجدران , ارتحل أو رُحّل .

   يا الله .. كيف سأقضي هذه الليلة .. سيعلم زوجي و أهلي أني معتقلة سيغضب مني فهو ليس مثلي يناصر الحرية و الثورة . إنه ذلك الرجل النمطي الذي يختصر الدين بفهم صوفي محدود , الحراك في سوريا من ألفه الى يائه مؤامرة أمريكية تهدف لزعزعة استقرار بلد تناصب اسرائيل العداء .. كان يقول لي : قناة الجزيرة التي تصدقونها تمولها قطر التي تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية !!
حاورته مرارا و كنا دائما نصل الى طريق مسدود … أشفق على منهجية تفكيره و لكنني اخترت غير طريقه بما أملاه عليّ ضميري و عقلي … اقتنعت أن ذلك ليس معصية له و لا نشوذا عنه فأنا عوان عنده ماعدا عقلي و فكري … قررت أن أستمر معه مادمت قادرة على اتباع ما تمليه عليه مبادئي ..

عذرا أيها الأزواج و أيها الشيوخ , لست من هواة التسوق و الحفلات و حضور الموالد و المناسبات و لكني آمنت أن العمل للثورة السورية فرض عين لا يحتاج استئذان الزوج … دفعت من مرتبي و أوصلت مساعدات للمتضررين و ذهبت مع مصابين الى أطباء مندسين و تواصلت مع الجيش الحر…  سيرى الله عملي يوم القيامة و سيحكم بيني و بينكم …..

أجلسني الاعياء على الأرض ثم سرت في عروقي حياة فانطلقت الى الباب الحديدي أدق :

– أريد الذهاب الى الحمام .. انني مضطرة .
أجابني سجّان بحزم : ممنوع .. انتظري الى بعد وقت الطعام
لا أستطيع –
نظر الي و راى فيّ امرأة صغيرة الحجم , نحيلة الجسم , لا يُرى عليها أثار القدرة على معاداة الدولة و تهديد الأمن !!!
. اخرجي … و هذه قنينتك , املئيها بالماء من المغسلة –

– اريد منديلاً و رقيا ً.

– ماذا !!! هل تظنين نفسك في فندق خمسة نجوم …

في السجن ينقص الانسان كل شيئ , ليس أقله فرشاة الأسنان و إبرة خياطة …

غلب الارهاق الجوع فنمت ليلتها …

5

أيقظتني ضربة قبضة قوية على الباب الحديدي .. ثم أدخل طعام من فتحة الباب .. تناولته , نظرت اليه , حجبته دموع ملئت عيناي ..
– ما هذا ؟؟؟ و لماذا ؟؟؟ أهو تقرير قد تكون احداهنّ في المدرسة قد كتبته ضدي ؟؟؟ لماذا تصل الكراهية الى حد سحل و حذف الآخر ؟؟؟ يا الله … لا مشكلة , أخي له علاقات واسعة, و انا على يقين انه سيخرجني من هنا … سأصبر يوما أو يومين .

بدات لعبة الانتظار … توجهت الى ربي الذي يسمع و يرى أنين المظلوم المحصر الكافر , فكيف بعباده المؤمنين ؟

الطعام مرتين و الخروج الى المرحاض مرتين !!! المرافق أقذر من القذارة ولكن يوجد صابون !! تحسستُ وجود نساء في المنفردات . أصوات جلبة و صياح و ضرب ليل نهار…
كنت أتحين كل صوت قدم تعبر لأرى صاحبها و أتكلم معه و لكنهم كانوا يضنون بالإجابة .. ظننت في البداية أن بيدهم كل شيئ ثم تبين لي أنهم مجرد عصي للظالم …

مر يوما الرجل الذي سجلني عندما أتيت : سامر , دارس للأدب الانكليزي و كان يشغل سابقا : رئيس مخفر في السيدة زينب لاحظت عليه تعصبا و تشيعيا مقيتا .. يردد دائما مقطعا من لطمية تقول : ملاكي يا علي …

 أشرت له ليكلمني
لو سمحت يا أخ .. لماذا أنا هنا ؟؟ ربما انا منسية ؟ –
. لا , لستِ كذلك –
و تجاوزني بكثير من التحقير لشأني .

من مساء يوم الاثنين الى مساء يوم الأربعاء انتظرت .. ثم هتف أحدهم باسمي … خرجت و إذا  بهم يطمشون عيناي بخرقة لها رائحة عرق و دم . و اقتادوني الى الطابق الأول .

أمرني المحقق أن أجلس و بدا يسمع مني و كانوا لما يعرفوا ما في الفلاشة .. شكوت اليه أني في المنفردة .. ظننت ان الأمور بسيطة و أني لابد خارجة في تلك الليلة .. قي أثناء ذات الجلسة جاءتني أفكار عن المدرسة و الطالبات و التحضير للدروس .

صوت المحقق الخشن نحر خيالي بكلمة واحدة : خذها … و لكن

6

مرت علي خلوتي سنينا و أحقابا .. ثم بعدها بعشرة أيام كانت الجلسة الثانية . تبعتها الثالثة بخمسة عشر يوما بدؤوا يغيّرون أسلوب التحقيق بعد أن فتحوا الفلاشة … أحدهم تدخل يوما في التحقيق  و كال لي الشتم كيلا …

. – يا حاقدة ..يا معقدّة … سواد ثيابك يعكس سواد قلبك … الرئيس وظّفكم و درّسكم في الجامعات و أنتم تبادلون الاحسان بالإساءة !
بكيت حينها كثيرا مغطية مابقي من وجهي براحتي .. كانت وسيلة دفاعي الوحيدة .. ذلك أنه ربما , إظهار طفلك الداخلي في مواقف المواجهة الحادة قد يكسر من جبروت الطرف المقابل …
عرضوا علي المخرجات من الفلاشة : منشور جريدة (صقور قاسيون ) و بيان مؤتمر ( اليوم التالي ) في فرانكفورت و أغاني الثورة و مطبوعات على شكل قصاصات كنتُ قد كتبت فيها كل قناعاتي .. أشد ما قطّعهم غيظا عبارات : بشار الأسد يحفر قبره في حمص / بشار يرقص رقصة الهاوية / عذرا فلسطين : مشفى الشفاء لم يقصف في حرب غزة بينما مشافي حمص سُويت بالأرض / سنطهّر سوريا من الاحتلال الأسدي …
اتهموني بالانتساب الى التنسيقيات و بعلاقة مع رموز في الخارج و بالمشاركة في تنظيم المظاهرات … و كنت أصّر على النكران و أن لا علاقة لي بأحد , كائناً من كان . .
فذكر اسم واحد يطيل التحقيق و يورّط أقرب الناس اليّ و اخوانا و أخوات جمعنا عهد على الكتمان.
سألني المحقق عن إخوتي : هل أحد منهم معتقل؟
لم أردْ أن أخبرهم بأن اثنين من إخوتي معتقلَين في المخابرات الجوية … كذبتُ عليه منكرة :

لا , هم لا يعرفون عني شيئا … –

 

7

ما أطول ساعات الانتظار .. يعمل العقل في فراغ و تغلي المخاوف في مجهول و تتطاول الأخيلة نحو لا شيئ .. الجلوس يُتعب ,  الاتكاء يرهق و الوقوف يضني . كل الأحوال تنتمي الى كسر انسانية الإنسان … و لكني أردت ان لا انكسر و لا أنهزم و… أدمنت على قراءة القرآن , أمتّع نفسي بصوتي و ترتيلي … في الفترة الصباحة أكون أنشط نسبيا فأشدّ في القراءة اكثر مني في المساء … جزى الله أمي خيرا أن اهتمت بتحفيظنا سورا من القرآن .. كنت ارتل في اليوم ما يزيد على الجزأين و نصف . عددت الصفحات بخيوط نسلتها من البطانية المهترءة .
ما شعرت بجلال القرآن مثلما كان مني في السجن ! كان يتنزل علي و إلي تنزلاً و يخاطبني مباشرة , يثبتني و يؤيدني , يربط على فؤادي الفارغ المتصدع .
و مقاطع العذاب أصبحت ماثلة امام ناظري و كأني بأؤلئك المجرمين الظالمين لأنفسهم و الآخرين تتقلّب و جوههم في النار , يقولون : ياليتنا أطعنا الله و أطعنا الرسول …

 آيات الرحمة و الجنة شرعت تومض لي بالأمل و كأني هناك مع كل المعذبين المجاهدين .
كأني أقرأه للمرة الأولى … مررت على (وعجلت اليك ربي لترضى ) فتخيلت نفسي صاعدة اليه بكل أثقالي و معاناتي التي رجوت ان تكون في سبيله , و مسارعة الى مرضاته .
و قرأت ( سأرهقه صعودا ) فمرّت امام عيني أفلام و أفلام من زهرة الحياة الدنيا التي يتقلب فيها هؤلاء المجرمون , مال و سلطة و قوة , آتاهم الله بسطة في الجسم و القدرة و لكن ما ذلك إلا رهقا و أثقالا تنوء بها ظهورهم في الدنيا , و يوم القيامة هم من المقبوحين .
و قوله تعالى ( همّاز مشّاء بنميم . عتلّ بعد ذلك زنيم . أن كان ذا مال و بنين . اذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) نعم , انهم هؤلاء السجانون , الفحّاشون , يرفعون أصوانهم بالشتم و البذيئ من القول كأنهم حمر مستنفرة , منّاعون للخير, يقابلون الطلبات الملحة من الموقوفين بالتبكيت و الشتم و الاحتقار .

أذكر أن أحد النزلاء كان رجلاً كبيرا مصابا بمرض جلدي و كان بتوسلٍ و انكسار يطلب مرارا و بإلحاح دواء قد جاء به معه … و هم بين مماطل و مؤجل و مؤخر , منهم من يزجر و آخر ينهر و ثالث يدير ظهره و يتبرم …

حبل من الأخوة الخالصة جمعني مع كل من في المنفردات .. و تمنيت دائما أن يخرجوا قبلي .. كنت أفرح مرتين : مرةً عندما أذكر مفردة من آية غابت عني , و مرةً عندما ينادون اسما , فيخرج و لا يعود .

يا إلهي ما هذه  السجون التي يحتجز فيها السوريون لأجل فكرة خالفوا فيها رجلاً ليس كالرجال , منعزلٌ عن شعبه , متوحد مع ذاته , متحصنٌ في قصره الحجري و قصوره الفكري … أماكن ليست صالحة لحيوانات فكيف يحشرون فيها الناس حشرا !!!
استوقفتني قصة موسى عليه السلام ملياً الذي ظلّ يقارع فرعون بالآيات أكثر من عشرين سنة الى أن آمن السحرة و انقلبوا من فجّار كفرة الى شهداء بررة . اذاً ثورتنا ستنتصر و ما طول المعاناة الا لأن أجل النصر لم يحن وليس أبداً لتأخر النصر, بل لن خيوط الفرج لمّا تجتمع بعد و تجمعها تتحكم فيه ظروف دولية و محلية ,  ايمانية و مادية , عسكرية و مدنيّة . نحن الآن ندفع ضريبة ذنب الخنوع الذي سامنا إياه جيل الآباء خمسين سنة و الكل صامت حتى في بيته !!! مجزرة حماة مرت من دون من أدنى حسّ أخلاقي عند النخبة تجاه الآلاف الذين قضوا فيها !!! و كأن العلاج يعني اغلاق الجرح من غير مداواة قيحه !!!

و كذلك الألاف الذين عجت بهم السجون !!! لا توثيق , لا متابعة …

 العتب و المسؤولية تقع على النخبة و العلماء الذين وضعوا أيديهم في يد بشار الأسد : علّ الولد خير من أبيه …

خمراً شربه السوريون طوال أحد عشر عاما … أما هو فلم يقدم لهم أي بادرة معقولة بأنه مختلف !!! أبعدَ هذا الذنب ذنب ؟؟
و عندما كنت أقرأ ( و ما أعجلك عن قومك يا موسى . قال هم أؤلاء على أثري . و عجلت اليك ربي لترضى ) كانت حياة من نوع مختلف تسري في عروقي فتحيني من الموت , هل أنت راض عني يارب ؟ و الله ما خرجت الا انتصارا لك و للحق و فزعة لحرمات تنتهك . فتقبلني و ارض عني و آجرني في محتني هذه خيرا …

و ما أجمل آخر آية في سورة الاسراء ( و قل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا و لم يكن له شريك في الملك و لم يكن له ولي من الذل و كبره تكبيرا ) اذاً أولياء الله ليسوا بالأذلاء الذين يسكتون على الضيم و يهادنون الظالمين ويداهنون العتاة المجرمين … انه الجهاد الذي تركه المسلمون ليمسكوا بأذناب البقر و يكتفوا بالعيش كما الأنعام تأكل و تشرب و تنام …
و لما كنت أردد الأذكار و الأوراد لكأني أتعرف عليها لأول مرة .. معانيها جديدة و تفاعلاتها في داخلي بدع كالجمان بدأت ألتقطها يتنزل علي من السماء , كالمن و السلوى.. تطلق الروح في شرايني : اللهم أنزل سكينة و يقينا و قوة و بردا و سلاما و ايمانا على قلوب كل المعتقلين و على أخواي … اللهم ان لم يكن علينا غضب منك فلا نبالي . و لكن عافيتك هي أوسع لنا ..

وجدت متعة في الدعاء و القرآن أكثر من الصلاة , لأني لم أكن لأرضى بطهارة ثيابي .

كانت الأفكار تتوارد بالملايين , فكل شيئ متوقف في المنفردة الا التفكير. …الاصطفاء  قلّبت فكرة سنن النصر و الابتلاء و تلك الآية ( و اصطنعتك لنفسي ) … زدات يقيني بأن الله يعامل عباده بسنن صارمة لا تحابي المؤمن و لا تظلم الكافر . وأن هناك زمن للزراعة و زمن للحصاد في حياة الأمم . و أن القهر ليس في السجون فحسب , و ليس على المسلمين فقط … و أن المسلم الرباني ينتصر للمقهور أي كان , لأن اعتبار انسانية الانسان فوق اعتبار الدين ( و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا  اعدلوا هو أقرب للتقوى ) اذن طالما معنى الحرية العالمي و الانساني ليس واضحا في الأذهان فسيتأخر النصر.

علمني السجن أن العدل لا يتنافي مع ابتلاء . و أن الله أقرب الينا منا و نحن في أحلك الظروف . و لا نفهم تلك المعاني الا عندما ندرك أن الدنيا فصل قصير بالنسبة لعمر مديد سيأتي في البرزخ و من بعده يوم ينفخ في الصور.

 227

 

 

 

 

8

كان السجن يعجّ بالحركة على مدار الساعة … السجّانون يداومون يومين و يعطلون يوما … الكل في حالة استنفار دائم … يُؤتى الى الفرع بالشباب و الشيب , فرادى و جماعات …  و مؤكدٌ أن التفتيش كان مهينا لرجولتهم …

كانت أصوات الضرب المبرح تملئ أذناي صباح مساء , تصدر من الطوابق العليا … صرخات من بعيد تؤزّ الفؤاد أزّا. ..

 علمني السجن أن هناك فرق بين الضرب و التعذيب !!!
في احدى المرات أتوا بشاب , و لربما شتمهم بلفظة : شبيحة , أنتم شبيحة .

أجابه أحدهم :
– أنحن كذلك ؟؟ لتعلمنّ من هو الشبيح ..
وضعوه في زاوية بهو السجن , و وجهه الى الحائط … استرقت بعض النظرات اليه .. ظل طوال الوقت مستغرقا في حالة من  التضرع و التوجه الى الله , و كأنه انفصل عمّن حوله … شعرت باضطراره و شدة حاجته.

– يا رب كن معه , خفف عنه  ..
سمعتهم يأمرونه بدخول الحمام … ثم صوت السلاسل يربطونه .. و تكالب عليه ثلاثة من السجّانة , أعرفهم من أصواتهم , يضربونه بالكبل و الخيزرانه و الجنزير …

–  الله أكبر عليهم منهم عليه … اللهم هدّ قوتهم , شل أيمانهم .. بدد جبروتهم .
انطلقت ادق على الباب مرارا غير آبهةً بشتمهم : اريد الخروج للحمام .
بعد لئٍ أخرجوني … رأيت الشاب مربوطا, و عرقه يغسّله , يلهث محاولاً جاهدا أن يلتقط أنفاسه , بينما أؤلئك العتاة يلهثون كالكلاب من فرط ما بذلوا من الجهد .
دقائق خروجي تلك كانت استراحة محاربين بالنسبة للفريقين … ثم عاودوا الكرّة عليه  …
–  قاتلهم الله على بغيهم و تجبرهم … الله خصمهم يوم القيامة على كفرهم و كفرياتهم التي يتلفظون بها في منشطهم و مكرههم , في جدّهم و هزلهم.
و أشبعوه ضربا …
في مثل هكذا حالات يسكن السجن سكون القبور رغم المئات التي تزدحم وراء قضبانه ,  و كأن الكل يلهج بالدعاء …

و في النهاية رموه الى الشباب في الزنزانة الجماعية و هو يتأوه ألما … أذكر أنه بقي طوال الليل يئنّ , و الشباب من حوله , لربما , يغطّونه و يبرّدون جراحه بشيئ من الماء  .
حقاً ان الأسد و نظامه لا يتقن الا صناعة الأعداء , و لا يمهر الا في زيادة المعارضين  …و لكن المسكين بشار الأسد كان

لا يدرك أنه يوقد نار الثورة عليه بتعامله الأمني الغبي مع انتفاضة الناس ضده .

9

حدث مرة أن احضروا شاباً ثلاثينياً , كان ببذلة رياضية خضراء و شعر مسرّح بالجييل , ممتد القامة , عريض المنكبين …

مكث غير كثير في المنفردة ثم نادوا عليه في المساء … في اليوم التالي لم يخرج للحمام حتى جاء المساء الثاني … فتحوا له الباب , رأيت حينئذٍ ما صدم قلبي و صفع وجهي !!! خرج يجرّ نفسه جرا … رأسه حليق فيه جراحات متوسطة …  ثيابه متسخة رثّة … قدماه متورمتين حافيتين كأنهما قدما فيل لا يقوى على رفعهما … ويكأنه ليس هو شاب الأمس الذي بدت عليه آثار النعم واضحة !
–  يا الله .. ماذا جرى ؟ ماذا فعلوا به ؟
صرخوا في وجهه : هيا يا بغل , هيا …
طلب في ذلك اليوم منهم قطعة بطاطا : يا سيدي , قدمي تنزف أريد بطاطا.
رُمي في المنفردة قرابة أربعة أيام , ربما ليستعيد شيئا من صحته , و بعدها ذهب و لم يعد …
و لما نُقلت الى الزنزانة الجماعية , صدف أن رأيته من تحت الباب ملقى على الأرض في الممر , و الممرض يستعد لإعطاءه ابرة , بينما هو يغطي وجهه بيده و يهمهم بالأدعية مطمئنا راضيا مسلّما أمره لله .
قال الممرض لصاحبه : ان هو لم يشعر بالإبرة يكون مشلولاً .
أبصرتهم بعد الإبرة يتعاونون على رفعه و كأن التوقّع وقع …

و كان على يسار منفردتي رجل ينادونه : عبد الستار … هو رجل يصلي , أسمع همهمة صوته وقت الفجر .

مرةً , رآه السجان يصلي فاستهزء به : كافرٌ و يصلي ؟
كان دائما يتلقى السب و الشتم لطول ما يبقى في المرحاض … اشتكى حينا من حكة في جلده و لكن لا مجيب …

 و في يوم , سيكون فريدا بالنسبة له , صاحوا باسمه : خذ أشياءك واخرج .
إنها شيفرة الافراج  …
أسرع و لم يعقب .. و عند الباب سمعت رئيس السجن يقرره : هل فعلنا لك شيئ؟
–  لا أبدا سيدي .. يعطيكم العافية  .
بهذه البساطة يطلبون المسامحة !!!!!؟؟؟؟ لا أدام الله لهم سلطانا , و لا أبقى لهم قوة و لا متّعهم بأهل و لا مال ..

مرةً جال سامر , السجان , على المنفردات يطل بوجهه المقبوح علينا فردا فردا ..

ثم قال بسخرية : كل شيئ تمام , الأمن مستتب .
–  ما الذي يجعل الأمر غير تمام بنظرهم !!! أن يجد أحدنا جثة مرمية !!!! أو أن تنال أحدنا لوثة في عقله !!!
قبحهم الله من عتاة فجرة ( و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا و إثما مبينا ) … يكفي عزاء لي أن أشهدهم يحملون على ظهورهم أوزارهم و أوزارا مع اوزارهم في الآخرة إن قدّر الله لي ان لا أرى ذلك في الدنيا .

 

10

أمضيت في المنفردة 30 يوما … كأنها 30 سنة … بل كأنها احقابا .. يغيب الزمن ليطول اللازمن , ينعدم ضوء النهار لتمتد ظلمة مستدامة … أنايَ فقط كانت تتكلم إليّ .
ذات مرة , رموا في المنفرة اليمينية إلى جانبي فتاة محجبة , عرفت فيما بعد أن اسمها منى و هي ممرضة و متهمة بالتعامل مع جرحى الجيش الحر . كنا ندق على الحائط بضربات خفيفة لئلا نثير انتباههم .. سؤالها الأول كان : هل يضربون النساء ؟؟
أجبتها باطمئنان : لا لا تخافي .. فقط لا تضعفي , و لا تقولي شيئا يدينك .
شعروا بنا فقرروا تغير المنفردات ..

لبرهة قصيرة , أدخلوا عليّ فتاة .. سألتها :

– كم مضى عليك في المنفردة ؟

– 54 يوما …
–  يا الهي !!!

كانت مستسلمة لقدرها , مهملة لشأنها ! حاولت الدخول الى نفسها برفق  :

– لماذا تتركين نفسك هكذا من غير عناية ؟ لو أنك تغسلين قطعة من ثيابك كل يوم .
–  الأمور صعبة .. لا أستطيع ..
–  هل عندك قمل ؟؟
–  قليلا .. أقتل واحدة أو اثنتين كل يوم ..
هالني الأمر كثيرا , و أنا التي لم أعرف القمل من قبل … كم كنت أدعو الله بإلحاح أن تشاركني احداهن المنفردة , و لكن أن يكون معها قمل .. فهذا أمر صعب جدا  !!!

لم تمكث طويلا حتى نقلوها الى مكان آخر ..
أبقوني ليلتها في منفردتها لوحدي .. رائحة كريهة كانت تملئ المكان .. رفضوا أن يبدّلوا لي البطانيات … بكيت طوال الليل و أنا أحنّ الى منفردتي الأولى !!! و أتوسل الى الله أن يقبل السجّان طلبي بأخذ تلك الأغطية القذرة …

رأيت واحدا , تعشمتُ به الخير و طلبتُ منه تغيير البطانيتين .
سبحان الله .. لقد قَبِلَ و قال محذرا : لا يوجد بدائل , و الجو بارد .
–  لا بأس .. أبقى من غير بطانية , المهم أن أخرجهن ..
تلك كانت من ليالي الشتاء القارس التي نخرت في عظمي و خاصة أن ثيابي كانت صيفية يوم الاعتقال .. كم مرة و مرة استيقظت من البرد و ألم في أضلاعي .
يشهد الله اني أحب الفقراء و أؤثر أن أعيش أقرب الى البساطة لحقوق كثيرة أعتقد أنها لهم عليّ .. و لكن ذلك الاعتقال كان درسا عمليا لأتحسس حقا احساس المحروم و البردان و الجائع و المعتقل .
من قبل كانت عندي عقدة الأبواب المغلقة .. ثم زادت عليّ .. صوت القفل الحديدي يشق القلب شقاً و يغتال انسانية الانسان .. يسلبه أغلى مايملك : الحرية .
نعم كان الاسلاميون محقيين عندما حنقوا على مجتمع خانهم و نسي قضيتهم . فخرج من رحم المعتقلات المرعبة جماعات التكفير .. كافر من ينسى آلام المعتقل .. من يلهو و يسمر و يفرح و يرتع بينما الآلاف في السجون تأنّ تحت نير الغلّ الثقيل .. كيف صافح و يصافح بعض الشيوخ بشار المقبوح و من قبله أبوه المقبور و مازال رجال يرسخون في أقبية السجون من غير متابعة لشأنهم أو إطلاق لسراحهم ؟؟
و الله إني لا أتكلم من مثالية , و لكن المعتقل أهم من الشهيد . لأن الثاني عند ربه في جنات النعيم , انتهى امتحانه و خلد الى الراحة . أما الأول فهو في محنة مستمرة متكررة تكرار نبضات القلب و تعداد النَفَس و تتابع الليل و النهار .

11

كان قرارا لا معقب له أن لا أنكسر .. أدهشتني قدرتي على التأقلم مع الوحدة و انا التي كنت أتواصل غالبا مع كل من ألقى , حتى مَنْ تجاورني في ركوب الموصلات العامة !!
لم اتخيل أن أيامي ستمتد ..
–  لعلها أسبوع لا أكثر … أخي محمود له شبكة علاقات واسعة و سيخرجني من هنا … لعله يبحث عني في الأفرع الأمنية … ربما تأخر لأنه مسافر … هو أناني و منفعي و لكن ليس لدرجة أن لا يأبه بي … أين والداي ؟؟ ألا يتابعانه ؟؟ هل ماتت كل العائلة ؟؟ لا بأس سأصبر ..
كيف يعيش أخواي الآخرَين في السجن ؟؟ وسام رجل مترف , يتيمُ في حب الاستحمام و النظافة , مقبلٌ على الدنيا بكل ما تعني الكلمة من معنى .. و أخي مالك يعاني من آلام في الظهر .. يا الله كيف يتحملان و يحملان !!

نعم اعاني نفسيا و لكن ليس جسديا كما يعاني الشباب , الحمد لله .
لا بأس لا بأس طَهور ان شاء الله و رفعٌ للدرجات .. سيخرج أخواي أقوى و أشد شكيمة و أقسى عودا .. سيخرجان أنقى من الذهب و أبيض من اللبن و أصفى من العسل .. سيهزم الجمع و يولون الدبر …

أذكر قصة لقريب لي , دخل السجن في الثمانينيات , و ظن حينها أنها مجرد أيام … كان يعمل في الشرطة و ذنبه انه اتُّهم بإخفاء بلاغات القبض على شبان في الحي ..  لبث في بطن الحوت 15 سنة , منها أربعة شدادٌ في المنفردة !!! مؤكد أن “الأخوان المسلمون” في الثمانينيات عانوا أكثر …

الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه . أعتقد أن الناس تدفع الآن ثمن التخاذل الماضي عن نصرة المظلومين . انواع المعاناة هذه ما هي الا تسطير لملحمة الخلاص …

كنت كل صباح أرسم على الحائط خطا .. او لعلي أحزّ على كبدي علامة يوم جديد في المنفردة … و الله ما كنت أقرب الى الله مني في مناسبتين : يوم طفت بالكعبة , و يوم كنت في السجن … أصبحت رُؤَيَ تتحقق … ولا أفكر في شيئ الا جاءني في الحلم !!! كان عقلي الباطن يهدئ من روعي و يربت على قلبي : لا تخافي ان الله معك ( ان الذين آمنوا و عملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّا ) تخيل : حبل مودة و حب و احتواء من الله لعباده المؤمنين , فكيف ان كانوا مقهورين محصورين مستضعفين !!! أحيانا كان صدري ينطبق و تخنقني شرايني فأذكر الله .. و ما هي الا جملة أو جملتين من الوِرد حتى أرجع قوية متفائلة عازمة على التحدي حتى النهاية  !!!
ما أجمل أن يعيش الانسان تجربة أن يكون مع الله … تجربةُ الاضطرار الى الله تجربة فريدة … حقاً قالها نزار قباني :

إن الانسان بلا الم ذكرى انسان  .

 

12

أن تبقى حيا في المعتقل جزء من العقوبة .. هناك , ينقصك كل شيئ , بدءاً بفرشاة الأسنان و ليس انتهاء ً بالصابونة !!

أحيانا كانت تترامى الى مسمعي عبارات من الزنزانات الجماعية تعكس كمَّ الأفراد المحتجزين وراء جدرانها … مثلاً عند التوزيع النادر للبيض كطعام فطورٍ يسأل السجان : كم العدد يا كرّ ؟؟؟
–  سيدي , نحن 80 .
مرةً خرجت للحمام قبيل توزيع الطعام فرأيت أبراجاً كالمسلّات الفرعونية من أرغفة الخبز , تقريبا بطولي أو يزيد !!!

و بمرور الأيام أصبحت قادرة أن أقرأ شخصيات السجانين … لا يمكن أن يكون السجّان الا مريض القلب و العقل , ميت الروح و الاحساس … من اختار اسكات ضميره لقاء دريهمات قليلة ( بل الانسان على نفسه بصيرة و لو ألقى معازيره ) …

أبو علي .. رجلٌ عصا لأسياده .. بالتمام و الكمال , يتخلق بأخلاق الانضباط العسكري , يخدم بصمت و يسد مسدّ زملاء له مقصرين . لسانه جارح و صوته كالرعد يرعب المعتقلين …

فادي .. لسانه أنجس منه , يمشي دائما مستعرضا قوته , يزدري أصدقاءه فكيف بنا نحن !! عند انصرافه دائما يحمل معه من مخصصات السجن ..

الحجّي .. من حلب / الباب , أكبرهم سنا , تتجزأ الأخلاق عنده خلاف نظريتي عنها !!! له شيئ من المروءة عندما تطلب منه سجينة أمرا , و لكنه قاس جدا عندما يضرب .. و يُعتمد عليه في الجلد و التعذيب .. حدثتْ ذات مرة هذه القصة :  أن قام أحدهم بالتهجم على فتاة في منفردة مجاورة لي و أشبعها ركلاً و لكماً لأنها كانت تنظر من فتحة الباب عليه و هو يضرب شابا … لم استطع سماع صراخها من شدة علاوة صوت ذلك الفاجر … ما كان من الحجّي الا أن أبعده عنها و أخذها من المنفردة , ربما الى الحمامات لمدة 4 ساعات تقريبا حتى هدأت .. و لمحته كأنه يقول لصديقه الفاجر : ما ينبغي أن تفعل ذلك ..
و انتهت القصة من غير ان يكون لها أي تبعة !! تصرفاتهم دائما فوق المسائلة .

أبو غضب … علوي قح .. يرعد و يزبد كل ساعات الدوام , يمشي في الأرض كبرا و مرحا , ينام كالبهيمة و يستيقظ كالثور الهائج .

أبو يوسف / اسكندر .. تشفع له علويته , رجل كسول لامبالٍ , يحب النوم و شرب المتّة , لا يتقن قراءة الأسماء , و يمضي وقته بالسخرية من المعتقلين  .

سامر .. شيعي متعصب , كان رئيسا لسجنٍ في السيدة زينب .. و هو ثعلب مكار .لم أرَ في تصرفاته إلا حنقاً على اهل السنّة .

لم أستأنس من أحدهم بقية من ضمير الا رجلا واحدا . ويكأنه كان يهرب الى النوم من ان يشارك في جلد المعتقلين .. كان ضابطا لذلك لم يكن ليُساءل  .

العلاقات بين السجّانين تحكمها معايير النفوذ و القوة مثل أي مؤسسة اجتماعية أخرى , بعضهم يخاف من بعض , و آخرون لا يخشون , و قد يمررون لبعضهم أو يوشون على أضعفهم و هكذا …

13

كم و كم من الساعات جلست تاركة لخيالي العنان يرسم أشواقا للعائلة و لأطفال أخوتي …

– لميس , كنان , حسين , لبابة , لما , سلام , يزن , رهف , عبد الرحيم … الحمد لله مازلت أذكر أسمائهم !!! اشتقت الى ضجيجهم , شجارهم , حنوت الى متاعبي معهم . لا أفتقد الأشخاص فقط , بل حتى دقائق الأشياء . آه ياغرفتي , أين انتَ يا كمبيوتري , كتابي , تليفوني , قلمي , دفتري , قاموسي , مدفأتي , صحن المكسرات يرافقني الى ىساعة النوم ؟

لا يقطع عليّ خلوتي الا أصواتهم الهمجية و صرخات القهر التي تعذّب ما تبقّى من روح بين أضلعي .

بدأ وزني يخيس بسرعة , جفّ جلدي و أمسكت باطنتي لأن الطعام ببساطة يدفعك للإضراب , صحن زر لعشرة أيام ثم برغر لعشر أخر مع قليل من باذنجان او قرنبيط أو حتى خيار مسلوق ! و ثالث الأثافي أن الطعام يُقدم من غير ملعقة ! و تلك نعمة يمنّونها عليكَ , فهم حريصون على حياة سجنائهم من أن يخطر في بال أحدهم الانتحار أو أذية الأخرين !

و كذلك الرعب من الحاجة لبيت الماء ! امتهانهم لإنسانية الإنسان شيئ و لا أسهل . لا يشعر المرء بالجوع أو العطش في ظروف كتلك بسبب الخوف المستمر من الخطر على الحياة . كم تمنيتُ أن يُغمى عليّ و أن يأخذونني الى المشفى .

مرّ يوم عيد الأضحى علينا و لا أقسى و لا أصعب و لا أثقل … كان الصباح ساكنا جامدا الى ان كسر الصمتَ صرخةٌ متألمة :

– الله اكبر , الله أكبر..

قالها أحدهم و كأنه انفصل عن واقعه طائرا بروحه المرهقة ليكون بين أحبابه و خلّانه …

جلجل صوت السجان , المتحسر ايضاً على بُعده عن أهله و الناقم على طبيعة عمله :

– منْ هذا الحمار ؟ أين هو لأخرسه ؟

أجاب الشباب ململمين خطيئة صاحبهم :

– لا بأس يا سيدي … لا عليك , سنتولّى تهدئته .. إنه يهلوس ..

تساءلت في ذلك اليوم : حقاً , أين تلك المشيخات التي تتدافع لمصافحة الرئيس أمام الكاميرا في بيوت الله . ثم يرجعون الى دورهم و قد امتلأت نفوسهم فرحا بشعيرة دينية قدموها لله جل و علا !! و هم لا ينسون ان ينحروا الأضاحي تقرباً لله !! إنني متأكدة أن لا أحد منهم يذكر هذه الألاف المؤلفة المحصرة أشد أنواع الإحصار القابعة هنا وراء القضبان !!! ( فلا اقتحم العقبة و ما ادراك ما العقبة فك رقبة أو اطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ) . ان مجاراة سلاطين الظلم جريمة في حق الدين اولا , ثم في حق الانسانية ثانيا .

14

كان الاستدعاء للتحقيق بعد مرور يومين في المنفردة , ثم بعد 15 يوما , ثم بعد 10 أيام جاءت الساعة الفارقة .

في كل تحقيق , يطمّشون العيون و يشنّون حربا نفسية متعبة … اتهموني بعلاقات مع معارضة الخارج و مع تنسيقيات الداخل استناداً الى محتويات الفلاشة … من جهتي , أصررت على الانكار , فكل ما في الفلاشة مختاراتي من النت لأجل الاطلاع على الرأي الأخر المخالف ” للحقيقة الرسمية الوطنية ” .

 قابل المحقق كلامي بالشتم و التبكيت و التقريع … لم اكن أتحمّل قهر الرجال فكنت أبكي و أصرّ … ثم أستعيد قوتي في منفردتي …

بتاريخ 13 / تشرين الثاني / 2012 استُدعيتُ الى الجلسة الثالثة للتحقيق … كالمعتاد , ساقوني الى الطابق الأول و قد عمّوا بصري . أدخلني أبو علي غرفة مغايرة ! و فجاة زمجر صوت مرعب قريبا من وجهي : من أي تنسيقية انتِ ؟

لم أفهم الكلمات من هول الفجأة , فاعادها بقوة أكبر و بدأ ينهال علي صفعا و ضربا على وجهي الذي سترته بيداي … و مع كل ألم كان ضوء كالصاعقة يلمع امامي ! ثوانٍ كانت طويلة قصيرة , و صدمةً كانت حلما و حقيقة … و كأن الأندريالين ارتفع في دمي فكنت أكرر لازمةً هستيرية : و الله لا أعرف أحدا , و الله لا أعرف أحدا … الان أطلق الرصاص علي , الموت أرحم و أحسن .. اقتلوني اقتلوني …

– انظري يا هذه .. ان لم تتكلمي فلن تخرجي من هنا الا مجنونة تحدثين نفسك في الطرقات و ترين الواحد اثنان … اعترفي , قولي شيئا .. نعرف عنك كل شيئ , فتّشنا بيتك …

التفت الى عبده المأمور, أبو علي آمراً : هيا , خذوها الى غرفة الكهرباء , ثم اجلدوها …

و وجّه الكلام الي كأنه يخاطب مجنداً عنده : جاثيا على الأرض …

لم أعرف و ضعية الجثو … فأنزلني أبو علي على الأرض و أخذ يضرب الأرض بالكرباج مخوفاً و مرهباً … قُذف في روعي لحظتها أن المسألة مجرد تخويف و تهويل فلم أضعف أو أتردد في تغيير أقوالي .

– خذها من هنا … هيا .

رموني في المنفردة كسيرة محطمة .. ما بكيت بحرقة كما كان في ذلك اليوم … تسلل الخَدر الى أطرافي الأربع , تمنيت لو انها جلطة قلبية تقضي على الى الأبد . اسودت الصورة بل أصبحت حالكة , انهارت معنوياتي الى أدنى الدركات . توسلت الى الله توسل الضعيف المقهور مختارةً و لست مستخيرةً  :

– ما عدت أطيق الحياة .. الآن الآن يا رب انتقم .. شُلّ ايمانهم أو أمتني .. لا خيار آخر .. عجّل الإجابة .. افعل شيئا الآن … أقسم عليك يا الله أن تقضي الآن بالحق .

كنت ألعب معهم لعبة القط و الفأر الى آخر لحظة و ما توقعت الضرب حتى وقعت الواقعة … و لكن لكل شيئ ذرة ثم يصغر و يضعف … هدأت قليلا , استجمعت شتاتي , لملمت أجزائي , تصالحت مع يقيني بربي , استغفرت منه عجلتي , لا بأس ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لايفتنون )  . معاناتي و لا قطرة ماء يحملها سمّ الخياط من بحر ما يلقاه الرجال … اللهم ثبتهم و آجرهم خيرا في الدنيا و الآخرة .

أيقنتُ أن التحقيق انتهى .. و بالفعل هذا ما كان .. بعد يومين نقلوني الى الزنزانة النسائية …

15

كان ذلك مساء يوم الثلاثاء … خرجت و كانني مُنحت الحرية .. أُدخلت الى معتقل النساء , لم يكنّ من اللواتي قابلتهن قبل شهر الا واحدة , نور , عميدة الزنزانة , مرّ عليها في هذا المكان 3 أشهر ! و هذا لاشك يدعو للتفاءل .
تختلف النساء في الاعتقال عن الرجال , فهن يتواصلن بسرعة و ينشئن جوا مميزا مما يخفف الضغط النفسي . كنا نضحك و نبكي , نصلي و ندعو و نتوسل , نغضب و ننمّ على بعض و نكاد نتصادم ! نضنّ بفتات الطعام و بالبطانية القذرة ! نفوس متقلبة متأرجحة . المزاجية و ردّات الفعل تحكم الأغلبية  .هذا ما تفعله السجون بالنفوس , تنمّي الفردية و الأنانية عند البعض تماما كما تربّي في البعض الآخر قيما سامية و توبة الى الله خالصة .

–  أم محي الدين .. من جوبر, تركت ابنتها ذات السبعة عشر ربيعا نفساء , و قد أصابت الأخيرة حمى شديدة بسبب قلقها على زوجها المجاهد مع الجيش الحر .
–  أم معاذ .. مهندسة , دخلت قبلي بساعات , اعتقلوها مع زوجها و أبناءها الثلاثة اضافة الى أم وسام التي حنّت عليها و أسكنتها مكتب زوجها الذي كان تحت التأسيس اتهاما لهم بأن المكتب الكائن في شارع المزة يُستخدم وكر للإرهابيين !!!

و ريثما يثبت العكس لابد من دفع الكرامة و العمر قربانا على مذبح بشار الأسد و مخابراته !!
–  كاملة .. زوجها من الجيش الحر و لكنه هرب , فعتقلوها ليأتي و يسلّم نفسه ..
و لكن هيهات فقد كان طلقها من قبل !
–  ميادة .. ممرضة , تذكّرَ الضابط أنها معتقلة من قبل أثناء المداهمات فارتأى أن يأخذها مرة ثانية !
–   سارية .. أرملة متنقبة , جاهدت ان تبقى كذلك , ذنبها أن حملت في محفظة يدها مهر ابنتها بعد استأذانها لتستأجر به منزلا في المدينة خوفا على بناتها من المداهمات التي تحدث في ريف دمشق . أوقفوها على الحاجز و أخذوا منها المبلغ واتهموها بنقل المال لجبهة النصرة  !
–  زينة .. ذات الستة عشر ربيعا ! أخذوها من أمها في ساحة عرنوس في قلب دمشق ! كان قد وشى عليها بائع على بسطة بأنها تلفظت بسباب على النظام وهي تشتكي ما حصل في المخيم . ضُربت زينةلا بأشد مما فعلوا معي  ..
و أخريات …

 كانت النساء تُضرب قبل زجّها في السجن أو أثتاء التحقيق  .

تقبلّت أن أبقى هنا لسنة فالمعاناة لا تُقارن بتلك التي في المنفردة … نصّبوني شيخة لهن ! و الله ما سيعت لذلك و لكن كنت أقرأهن , فكنت أرتل عليهن القرآن , نبكي جميعا .. و تارة أدعو و يؤمنّ .. نواظب على أوراد الصباح و المساء .. عالجنا بحكمة اختلاف مشاربنا المذهبية بين السلفية و الصوفية . صلينا قيام الليل جماعة , و لكن ليس بأكثر من ثلاث … كثيرات إلتزمن الصلاة و لم يكنّ كذلك من قبل .. و بعضهنّ عاهد الله على التزام بعد الخروج لأنهنّ لا يرتضين الصلاة في ثيابهن الغير المبدّلة .

 

16

في احدى الأيام فُتح الباب و زُجّ بفتاةٍ وراءه .. كانت فاتنة , ممتدة القدّ , قد أثقلت وجهها الجميل بألوان لم تتغير بعدُ . بدت و كانها نجوى كرم في طمس العنين بالسواد !
كالعادة كان الجميع فضوليا ليعرف قصتها و لكنها واجهتهن بسلبية و نفور و خوف … انكفأتْ على نفسها كليةً , لم ترد الطعام أو حتى دخول الحمام ابتداءً .
ثم شرعت تتقبلنا .. لم نعد بالنسبة لها الارهابيات التي تربت على رؤيتهن في القنوات التلفزيونية الموجهة .

 لم تكن خبيثة بالقدر الكافي لكتمان معلومات تكلمت بها عن نفسها جهاراً أو اسرارا لبعضنا  …
–  جئنا من درعا لتسجيل عقد زواجنا , لأن بناء المحكمة الشرعية احترق هناك … كنت مع خطيبي و أخي في مشوار على جبل قاسيون .. فطلب منا الحاجز هناك البطاقات الشخصية , و قد كُتب عليها : درعا البلد … فجاؤوا بنا الى هنا !!!
–  سبحان الله ! أهكذا أصبحت الأمور ؟
–  قلنا لهم اننا شيعة , فلم يصدقوا ..
–  شيعة ؟؟؟؟؟؟؟؟
–  انا من بنت جبيل في لبنان , أتينا الى درعا في الثمانينيات , و لأن لقب العائلة مألوف فهم في درعا لا يعرفون أننا شيعة … إننا نسبّ الرئيس عندما يفعلون …
–  و خطيبك ؟
–  خطيبي من السيدة زينب و كان أبوه ضابطا قد قُتل ..
–  لماذا ؟
–  لأنه كان يقود سيارته على اوتستراد درعا رافعا صوت المسجلة بالأغاني الوطنية  !
–  تقصدين بالأغاني الممجدة لبشار الأسد استفزازا و تحدياً ؟!  بالتأكيد الأمر أكبر من ذلك ..
سألتها ذات مرة دون موارة : أراك تتألمين من سماع أصوات الشباب و هم يضربون . فهل كنت تتصورين أن تكون السجون بهذه القسوة ؟
–  لا .. لا أبداً .. و لكنهم هم المذنبون . المشكلة بدأت من عندنا في درعا , الرئيس عرض عليهم فدية لقتلاهم فرفضوا !
–  كيف تقولين هذا !! هل تقبلين بفدية , مهما بلغت , ان مات أخوك او خطيبك ؟؟؟!!!  معالجة الخطأ في درعا كانت مهينة و ساخرة . نعم , المخرج كان الفدية و أشياء أخرى و لكن لم تكن هناك جدية و مصداقية من بشار الأسد , لذلك تفاقمت الأمور و انفجرت في المحافظة التي تتميز أن أغلب رجالها كانوا يعملون في المخابرات !!!

مسكينة , حالها حال معظم الشيعة لم يفهموا مظلمة الشعب السوري لأن أغلب مرجعياتهم آثارت مصلحة مؤازرة النظام العلوي على مبدأ نصرة المظلوم الذي قامت عليه الفكرة الحسينية !!
كنت دهرا طويلا أدعو للتعايش و أرى الايجابيات في حزب الله , ثم اتضح الزيف و انجلت الرؤية .. إنهم قرروا خوض حرب طائفية مكشوفة السوءة ظاهرة الخباثة ضد شعب شاطرهم رغيف الخبز و فتح لهم أبواب الشام عندما نزحوا في حرب تموز !!!!

–  يا نعيمة , ألا تشعرين بشعور المرارة و الألم الذي نحسّه وهم يعاملونك بشكل مختلف ؟ انظري كيف سمحوا لك برؤية أخيك و خطيبك .. و يعدونك بانها مجرد اجراءات و ستخرجين قريبا ؟؟

لا تملك الرد .. هي غائبة مغيبة المشاعر , أسيرة همّها الشخصي , لقد رأت حق اليقين الخطا و الظلم و لم تستطع أن تأخذ موقفا أخلاقيا يتبرأ من الظالمين  !

طلب مني مرة ان اقرأ لها المعوذات لحرارة شديدة عانت منها ..
همست أم محي الدين في أذني بحدّتها المعروفة : لا تفعلي .. هي شيعية ..
أوماتُ لها برفق : أرجوك .. ما ينبغي ان نعامل غير المقاتل كالمقاتل . او ان نكفّر الناس .

أسلمت الصغيرة جبهتها لراحتي و أغمضت عينيها .

هذا الاحتقان و الاستقطاب الطائفي الذي زاد كثيرا عند اهل السنة امر طبيعي بسبب المساندة المباشرة من ايران و حزب الله للنظام الفاجر في سوريا  .

17

كان السجن شديد الرطوبة , فرغم الطقس الشتوي كان هناك حشرات غريبة تمشي على البطانيات , علّها دودة الصوف . و كان هناك ايضاً صراصير … لم تكن مثل هذه الأمور مزعجة مقارنةً بالقلق الذي يسيطر على كل نزيل في هكذا مكان .

في احدى الأيام صرخ الشباب من مكان قريب من زنزانتنا : سيدي , يوجد شاب يموت …

أثارنا الموقف فكنت أولهن التصاقا بالباب لأرى من الشقوق المعدنية ما الذي سيحدث .

أخرجوا شابا … كان أشد الشبه بخالٍ لي غيّبته سجون الظلم في الثمانينيات .. كان عمري حينها خمسة عشر سنة , أيقظ المشهد ألما دفينا داخلي .. جرّوه ارضاً و تركوه … كان واضحا لنرقبه . الجو شتاءي بارد و هو بقميص صيفي !
–  أهو النزع ؟ اذاً , الأمر ليس صعبا ! أهو الإنهاك أم الاطمئنان الذي ينزّل السكينة عليه ؟
هدأ كل شيء .. و ارتفعت السبابة شاهدة بأن لا اله الا الله محمدا رسول الله .. تجمدت التراتيل في حلقي و اختنقت من جلالة الموقف ..
–  الحمد لله لقد استراح و فاضت الروح متحررة من كل القيود الجائرة … انا لله و انا اليه راجعون .. تقبلك الله في عليين بين الحور العين بصحبة النبيين و الشهداء و الصالحين .

لبسوا قفازات , لئلا يطهّروا ايديهم من رجسهم .. و عبؤوه بالكيس الأسود الذي وسع جسده الطاهر .. ثم نقلوه الى ….

 لا أدري ؟؟ ليغيبوه الى الأبد …
هكذا شبابنا يموتون بالعشرات تحت التعذيب بلا رقيب و لا شهيد .. من غير حتى شهادة وفاة ..
سرت في كل واحدة منا حرقة الأم و حرمان الزوجة و شجن الأخت و لوعة البنت .. بكينا عليه كأننا نعرفه و قرانا له سورة يس ..
لقد استشهد في فترة مكوثي في السجن الجماعي و التي استمرت ثمانية أيام قرابة خمسة شباب !

كنت نائمة عندما فتحوا الباب و نادوا باسمي … فورا يتبادر الى الذهن انه الافراج , فانطلق صاروخ الأمل فيّ محررا طاقاتي خالقا الحرارة في عروقي مسرِّعاً جاهزيتي للخروج , لم أنسَ تقبيل بعضهن مودعة لهن على امل اللقاء …
صرخ السجان ليقطع علينا لحظات فرح بسيطة , و امرني بالخروج حالاً .

ظننتُ انها الحرية … و لكنها كانت بداية اجراءات تستنزف الأمل و الوقت …

18

اركبوني في فانٍ مقيدة اليدين مع شابين اثنين , بدا أنهما توأمين … انكفأت على نفسي أختلس النظر الى ضوء النهار و شعاع الشمس ..
–  آه , كم طال الغياب !! 38 يوما لم يسطع علينا نور أو يقبل علينا ليل !! ما حال من غيبتهم السجون سنين ؟! الله أكبر على الظلم و الظالمين , تدخل امرأة النار في هرة حبستها ! فكيف بمن يبعد أباء عن ابناءهم و ابناء عن اهليهم !! يستبحون الكرامة

و يدوسون المشاعر و لا يأبهون بنار تكوي الجوانح و ألم يعتصر الأفئدة !!

التفت المجاور للسائق لأحد الشابين :
–  هل تريد سيجارة ؟
ردّ و كأنه مدمن قد حُرم منها دهرا  :
–  نعم , لو سمحت سيدي .
رمى له نفاية سيجارة فانحنى المسكين و يداه مشدودتان الى الوراء يلتقطها من ارض السيارة ! أخذ منها نفسا ثم آثار أخيه بالنفس الأخير …

مرت السيارة بشوارع دمشق الحبيبة , كل شيئ طبيعي , الأرض مبتله بطلٍّ من مطر خفيف و الناس تذهب و تجيئ و الشمس تبتسم للعباد .. سبحان الله ! كيف تغيب آلام و تموت أحزان و تمضي عجلة الحياة … الحمد لله أنه فوق الجميع …
أناس يأبون التغيير و فئة لا تكترث له و سواد تريده و لكن بصمت و كلالة و قلة تطلبه بالتضحيات  .

ويكأن النصر لن يأت الا بمزيد من التضحيات و بمزيد من التصويب و التسديد …

وصلت السيارة الى مبنى القصر العدلي و هناك قابلني أخي , و قتها شعرت أن احدا كان يتابع قضيتي .. اقترب مني المحامي : لا تعترفي بشيئ و قولي للمحقق ان كل أقوالي أخذت تحت الضغط و التعذيب . التهم عليك خطيرة و تتعلق بأمن الدولة  .
–  أمن الدولة !!
لم يكن هناك وقت للتفكير و الكلام .. و لكن لتأتي الريح بما تشتهي . الأهم هو أنني خرجت من فرع الأمن … و ما بعده سيكون أرحم قولا واحدا  .

في نظارة النساء قابلت فتاة بعينين خضراوتين و وسامة تحمل براءة الطالبة المهذبة التي لا تفقه من الدنيا الا الكتاب … كنت أراها في المظاهرات .. أسرعت الي  :
–  كيف انت يا خالة ؟ هل عرفتني ؟ أنا ضحى من العراق , أدرس الطب , سنة ثالثة , مشكلتي كبيرة لأني لست سورية .. هددوني بالترحيل .. أكيد أبي عرف و أكيد انه خاب ظنه بي .. و لكن هكذا ربّاني أبي على مبادئ و قيم , فكيف أرى الناس يذبحون و لا أقدم لهم شيئا !!
تابعتْ …
–  الحمد لله انهم لم يعرفوا بتعاملي مع الجيش الحر …
–  يا حبيبتي … لا تقلقي , ابوك سيفهمك و يتفهم موقفك .
–  رأيته مع محامي السفارة . كان حزينا و قال لي أني قد وضعته في موقف صعب , فالعائلة كلها مضطرة للمغادرة الى العراق ..
–  ستعودون الى سوريا ان شاء الله فالنصر آت قريبا … في أي فرع كنت ؟
–  في السياسية . وضعوني في المنفردة 11 يوما , كنت الفتاة الوحيدة في الفرع  .
–  هل ضربوك ؟
– نعم , و استعملوا الكهرباء معي ايضا .. انظري هذي يداي و قدماي … شتموني كثيرا كوني عراقية و كانوا يقولون أن اذهبي الى العراق فقاومي الأمريكان . هذه ليست بلدك  .
–  لا تخافي و لا تحزني .. كان يؤتى بالرجل من قبل فينشر بالمنشار , لا يرده ذلك عن دينه … نحن الآن في طور التضحيات .

استغرق أمر تحويلي الى محكمة الارهاب أربعة أيام , وضعوني خلالها في قسم ايداع النساء في مخفر كفرسوسة . هو مخفر معدٌّ لنزلاء من طبيعة خاصة , لمن انتهت اقامته و لم يسافر من البلد , و لمن تريد الدولة تسفيره لدواع أمنية أو جنائية , و لمن يتم تحويله من محكمة لأخرى كحالتي .

كانت المرة الأولى التي أحتك فيها بهكذا شريحة من المجتمع  .

قسم النساء كان ثلاث غرف : الأولى و هي الأكبر للأسيويات , كن أكثر من مائة , فقيرات بائسات بسيطات , ليس معهن ما يأكلن فكيف بمال ليسافرن . طرفي مشاكلهن سفارات بلادهن و مكاتب العمالة التي أتت بهن . اما هن فليس الا ذواتٍ لا قيمة لهن و لا يدرين شيئا عن مصيرهن  .

عندما يسمعن صوت القصف على كفرسوسة تثور فيهن ثائرة الخوف و تخرج من ثيابهن المصاحف أو الأناجيل أو الكتب البوذية و يبدأ أزيزٌ كأزيز النحل من تلاوية و تراتيل و صلوات , يدعين الله كلاً على طريقتها علّه يلطف بهن و يشفق عليهن .

الغرفة الثانية لمغربيات سبعة , عند سؤالهن عن مهنهنّ , يقلن : فنّانات في الملهى كذا و كذا !! لهن علاقات متميزة مع الضابط المسؤول ! لدرجة أنه أوكل لاحداهن تفتيش النزيلات الجديدات !

 عندما جئت الى المكان استلمتني واحدة منهن لتفتشني قالت : سياسية ؟ يا حسرة عليك يا مغفلة ..

تصرفها كان غريبا و صادما .. سكتُ حينها أرقب محيطي . و بعد حين رمتْ موقوفة مثلي بحذائها موجهة لها عبارات التأنيب : خربتم البلد , بلادكم جميلة و كنا نعمل جيدا , و لكنكم أردتم الحرية فنشأت مشاكل لا حصر لها .. الملاهي أُغلقتْ و نحن فقدنا أعمالنا .. أصابتكم داهية .

لم تكن الحكمة تقضي الاقتراب منهن فهن من طينة مختلفة جدا . كن في الليل يسهرن ليحضرن الأرواح و الجنّ , يسألونهم عن الغيب و المستقبل  !!حقا انهن مسكينات . كن مثالا واضحا أمامي يقول لي : ما البعد عن الله الا التفسير الخاطئ لمكانتك ايها الانسان في هذه المنظومة الكونية .

جاءتني مرة احداهن قائلة : عرض علي طليقي أن يدفع كلفة تذكرة الطائرة .. لعله يريدني أن أرجع له , فهل أقبل ؟؟ أرجوك اعملي لي استخارة .

 – يا أختي سأصلي لك الاستخارة و سأدعو لك من باب دعاء المؤمن للمؤمن في ظهر الغيب مستجاب , و لكن ينبغي أن تصليها أنت لنفسك .

–  حسنا .. لا تظني أنني لا أصلي .. اريدك أن تكتبي لي الصلاة و الدعاء بالتفصيل لكي أفعل .

–  نعم .. و اذا كررت الموضوع كل ليلة كان أفضل .

ثم طلبت مني الدعاء أكثر من مرة  .

أذكر أني كتبتُ دعاء الاستخارة الطويل أكثر من خمسة مرات في تلك الليلة لبناتٍ أخريات .

يا الله كم الناس بسطاء و طيبون و لكن الدخول الى القلب يحتاج وقتا مناسبا و ظرفا معينا و اسلوبا حنونا و علاقة نديّة لا فوقية فيها و لا دونية  .

في الغرفة الثالثة كنتُ مع عراقية , معها ولدين , و فتاة لبنانية , و امرأة مدمنة مخدرات من ركن الدين .. كانت هذه الأخيرة تكثر من الدخان الذي تُحصّل قيمته توسلاً من النزيلات ! علّه يعوضها المخدر .. و كانت نحيلة و ضعيفة جدا و يبدو عليها الكبر و هي لمّا تتجاوز الثلاثين … أخبرتني بأنها كانت تتعاطي يومياً ما قيمته 2000 ليرة سورية مع زوجها !

–  كيف ؟؟ من اين لك هذا و أنتم فقراء ؟

 – لا لسنا فقراء .. زوجي تاجر مخدرات .. و كل شيئ نحصله نصرفه على هذا الملعون … حاولت كثيرا الاقلاع عنه و لكن ما استطعت ..

–  يا اختي .. هل تصلين ؟

–  ليس دائما

–  حاولي أن تواظبي على الصلاة .. اذهبي الى المسجد , اجلسي هناك كل يوم من المغرب حتى العشاء للصلاة فقط و قراءة القرآن . ربما تجتمعي بآنسة قرآن تعلمك التلاوة … ادعي الله دائما أن يخلصك من هذا البلاء , و ستجدي أن ارادتك تقوى يوما بعد يوم

طلبتْ مني رقم هاتفي . ترددت أن أبدأ علاقة مع انسانة كهذه , و لكني أعطيتها علّي أكون سببا في هدايتها …

أمضيت 4 أيام في ذلك المخفر . حاولت التواصل مع أهلي و لكن لم أستطع .

ثم تم تحويلي الى عدرا بانتظار المحاكمة في محكمة الارهاب !!! هناك ادلة ضدي بأني أهدد امن الدولة  !!!!

19

عدرا /  سجن دمشق المركزي مكان يمكن أن تقول عنه سجن . نقلوا اليه القسم الخاص بالنساء من دوما لتدهور الأوضاع الأمنية هناك . بناءٌ ترسم حدوده القضبان الحديدية و الأقفال المحكمة و تشرف عليه الشرطة , و هي أرحم من الأمن . و لكن يبقى انك سجين سياسي حتى يعاديك الجميع و لا يجرأ على التعاطف معك أحد  .
لما أخذونا للتفتيش , و كنا ثلاثة : عنان و ام العبد و انا , همست الشرطية في أذني : الأمر صعب , لماذا ورّطم أنفسكم , سيدمر البلاد كلها و لن يتنازل …

لم أردّ .. ثم ادخلونا الى طابق السياسية .. هناك يوجد مهجعين للمحكومات و للإيداع , ريثما تقول محكمة الارهاب كلمتها .
كنا في المكان 20 امراة . الأسرّة أسرّة عساكر . الحمام متوفر الا عند انقطاع الماء . يوزعون طعاما غير مطبوخ , و في ذلك فسحة من الحرية لنطبخه بالطريقة التي نحب . كنا مقسومات الى ثلاثة مجموعات , يحمل بعضنا بعضا مادياً . الزيارة ممنوعة علينا
و لكن بالتواصل مع البنات المحكومات يأتي للبعض مبالغ مالية من أهليهن .
للأسف أكثر شيئ يشترونه كان السجائر ! الكل يدخن الا ان الله رحمني .. صُدمت ببنات مثقفات و من أُسر راقية يدخنّ و يقلنّ : عندما نخرج سنتركه .. ترى الواحدة تعيش على طبق الأخرى ثم تطلب السيجارة قبل طلبها للطعام !! يصبح المكان مثل حمام الساونا من الضباب الأبيض المتصاعد  .
علمت فيما بعد أن الرجال محرومون من الدخان أما النساء فيرأفون بحالهن و يسمحون لهن بالدخان  !!
سبحان الله .. لم تكن العلاقة قوية مع الله في سجن عدرا .. لعل السبب أن الضغط النفسي و عامل الرعب ارتفع .. الكل في هرج و مرج و لمز و همز و تنابذ بالألقاب و سب و صراخ و أحيانا يكون حالهن كحمّام ( مقطوعة ميته) .
اتبعت برنامجا يوميا مخالفا لهن : أصحو مبكرة و أبقى لوحدي أكتب مذكراتي و أقرأ من قرآن موجود , و الحمد لله , و أصلي و أخلو بنفسي الى ماقبل العصر . وقتئذٍ يستيقظن . ثم أنام بعد صلاة العشاء رغم الصخب و الضجة  .
أمضيت معهن ثمانية أيام ملئت خلالها دفتري بالمذكّرات , و لكن باللغة الانكليزية .

كانت البنات من مختلف المحافظات , من حمص و ادلب و درعا و اللاذقية و الحسكة و دمشق و حلب و طرطوس . روين لي قصص تعذيب هانت عندها قصة ضربي في فرع الخطيب .
أروى و أسماء , من حمص . 23 سنة و 18 سنة من حمص , عرّوهما و وضعوا الأخت الكبيرة في برميل ماء .. وكانوا يوصلون الكهرباء بين الحين و الآخر !!
ام العبد , من درعا . عند التفتيش فتشها رجل !! ثم شبحوها ساعات طويلة أمام شباب من قريتها مشبوحين مثلها .
هند , من بانياس . هددها ثلاثة بالاعتداء عليها و لكن ضابط من قريتها , فيه بقية من نخوة جاهلية , أمرهم بتركها !!!

نخوة جاهلية لأنه ما كان ليفعل ذلك لولا أنها ليست من قريته.
أم محمود , من حلب . اتهموها و أولادها بالتعامل مع الجيش الحر , أشبعوها جلدا و ضربا ثم أرادوا أن يكهربوها .. انكبت على قدمي الضابط تقبيلاً و لثماً حتى تركوها .
عالية , شيعية من لبنان بنكهة علمانية , تعاملت مع طبيب حمصي أحبته و كانت تهرّب له الدواء , و قد يكون استعملها لأنها لا تثير حفيظة الأمن . قالت لي : أنا لم أضرب ألما واحدا على وجهي فقد جاءت توصية بي من السيد نصر الله .

كأنّ النزيلات في عدرا منسيات !!! القضايا في محكمة الارهاب بالآلاف نساء و رجالا , و صاحب الواسطة هو من يدفع أكثر فيقفز ملفه الى القاضي .
نادى المنادي اسمي الى محكمة الارهاب .. أُقتدت الى هناك … لا محامي , لا مدّعي , لا هيئة محلفين .. أُدخلت الى غرفة مكتبية. رأيت هناك أخي و القاضي و الكاتبة , وهي بنت متغنجة تتمايل عليه و لا توفر عنه لمسة أو نظرة ليمازحها علانيةً جهاراً و مقابحةً : انتِ خطيبتي …
عرفت حينها أن أخي عمل الكثير … يا حسرة على من لا ظهر له و لا ركنا شديدا يأوي اليه .

بدأت الجلسة …
–  انت مجرمة في حق امن الدولة … و لكن السيد الرئيس عفا عنك بموجب قرار العفو .. قولي : شكرا سيدي الرئيس
تمتمت : شكرا لله ..
ابتسم هازئاً و اراد أن يمرر الموقف فقد قبض من أخي ..
كانت الجلسة الأولى و الأخيرة !!
ثم أرجعوني الى عدرا ثانية ليضربوا اسمي في الأرشيف , لعلي مطلوبة من فرع آخر .
من لحظتها عشت نشوة الحرية و سكرة الافراج , كنت داخل الأسوار و خارجها , مقيدة طليقة .

– أيهما أفضل أن أذهب الى بيتي أولا أم الى بيت اهلي ؟ لن أخبر امي حتى آتيها نظيفة مستحمة .. لا , الأفضل ان أذهب اليها فقد تحزن أني لم أفضّلها , ثم أغادرها الى بيتي  ..
افكار و صور خرقت الأرض عمقاً و بلغت في داخلي الجبال طولاً ..  ما شعرت بالطريق و لا بلعنة القيد في معصمي .. انفصلت عن واقعي فتلمسته لأرى فيه أسوارة من ذهب !!!

–  ما الفرق بين الخميس و السبت ؟ المهم سأخرج  ..
عدتُ الى صديقات المعتقل : الحمد لله .. افراج , افراج , و لكن يوم السبت .. هيا اكتبوا لي أرقام أهليكم و ما تشاؤون من الرسائل .. عهدا مني سأذهب و أجتهد في توصيل كل أمانة  ..
عمل الجميع كخلية النحل كتابة و توصية لي بمشافهة فلان و فلانة بكذا و كذا …
طال الشوق ليوم السبت حتى جاء بعد 48 ساعة , بل 48 سنة .

–  هدى ال .. هيا هاتِ أغراضك و تعالِ .
تهيأت بسرعة ضوئية فوضوية و البنات يقبلنني و يوصينني بعدم نسيان توصيل رسائلهن … أُخرجتُ .. ليوضع القيد في يدي مجددا !! ثم جاءت الفان و ركبت مع عنصرين مسلحين , أحدهما ملازم أول .. سارت السيارة , و عدرا منطقة قريبة من الاشتباكات حينها و أصوات القصف واضحة و عيون عناصر النظام مترقبة متحفزة خائفة  .
وصلنا الى ساحة الميسات ..
–  ما شاء الله .. شباب طيبة .. بيتي قريب من هنا .. كأنهم يريدون توصيلي !!
ما صدقت القيد في يدي : انهم مغفلون لا يعرفون أن القاضي برّأني !!
ما صدقت عيناي و ما أدركت الواقع حتى رأيت نفسي داخل الأمن السياسي . صرخت : الى أين يا … ؟؟ أنا مفرج عني .. لماذا هذا المكان ؟؟
لم يجب .. ما رأيت فيه الا خشبة مسندة و ملامح من ذجاج  …
أمرت بالنزول للتسجيل في غرفة الاستلام  ….

    20

الموظف هناك كان يسبّ على الاسلاميين ” الارهابيين المتسترين بلبوس التقوى و الورع ثم تراهم عملاء خونة  !!”
غارت الدموع في مقلتي , جفت الأفكار في عقلي , جمد الدم في عروقي : لِمَ ثانية أعود و قد برّأني القاضي ؟!
أُمر بي الى غرفة المحقق … مررت بصالة كبيرة , اضاءتها كئيبة , فيها ما يربو على 15 شاباً مشبوحا الى درابزين الدرج و الى حبال متدلية , و اكثر من محقق يجلسون على كراسي أمام بعضٍ من الشباب , كلٍ منهم يجري تحقيقا منفصلا … كان مشهدا من فيلم رعب صادم .

دخلت الغرفة .. مباشرةً بدأ الضابط يهذي بتهم غير معقولة .

أعرف  ,سابقاً , أنه أسلوبهم المخابراتي في كيل تهم كثيرة لينهار المتهم فيبدأ بالاعتراف خوفا من الأدهى و الأمرّ … لم أتذكر هذه الفائدة ففقدتُ أعصابي و لم اعد أصدق ما يجري من حولي .. شعرت بالكارثة تحيط بي … واجهني المحقق بثلاثة أسماء لصديقات أعرفهن ..

–  إذاً هي وشايات و استنزالات أثناء التحقيق و هم يضيفون لها أوهاما و أكاذيب !!! الأسلم أن أثبت على الإنكار …
و هذا ما فعلتُ … و أصررت على فكرة أنكم تحاسبوني على أمر عاقبني عليه الأمن في فرع الخطيب ثم برّأني القاضي منه , القصة انتهت .
قال المحقق : اذا لم تعترفي ستبقين في المنفردة لستين يوما ثم أحوّلك الى محكمة ميدانية … كنتِ تصنعين زجاجات مولوتوف لترميهم على عناصر حفظ النظام … صوّرت من بيـتك مبنى الأركان أثناء الهجوم الارهابي عليه … كنتِ على علم بعملية اغتيال آصف شوكت … أنتِ عرّابة المظاهرات في ركن الدين … موبايلك مراقب منذ سنتين …
اعترفي و الا …
– أعترف بماذا ؟؟؟ تهمٌ نزلت كصيّب من السماء فيه ظلمات و رعد و برق … افتراء , ظلم , قهر .. ما بعد هذا من مسميات !!

انتهت الجلسة , أو بالأحرى : الوقفة … و أمر بي الى المنفردة .. ساقوني اليها …  ممر طويل تتوزع على جانبيه أبواب سوداء بأقفال كبيرة و فتحات صغيرة .. الى الزنزانة الأخيرة رقم 23 …
– يا ليتني بقيت في فرع الخطيب !!

 المكان كان مظلما فيه فتحة مرحاض و صنبور ماء لكل الاستعمالات … و ارتفاع أشبه بالسرير الاسمنتي عليه بطانية رطبة … الصراصير الشتائية تعجّ عجّا على الجدران .. في الزاوية , كومة خبز متعفن رطب تشكل مرتعا لها !!  الجدران مليئة بأسماء بناتٍ و كأنها زنزانة مخصصة للنساء .
سكنني خوف مدمّر و يأس قاتل … بكيت و صرخت و دققت بكل طاقتي على الباب : أخرجوني , أخرجوني , لا أتحمّل هذا … حرام عليكم  ..

جاءني شيطان مفتول العضلات , كلمني بلكنة ساحلية : هنا صراصير فقط , في الطابق الثالث تحت الأرض هناك جرزان … بكفّين اثنين تهدأين و تعقلين  …
مكث غير كثير ثم انصرف … صرف الله قلبه و عقله عن أي معنى من معاني الانسانية , و لكنه ترك لي النافذة مفتوحة اسثناءا ..
انكسرتُ انكسارا , تربتْ يداي … حملتُ نفسي لأنظر من الفتحة .. فإذا بشاب عشرينيّ يخاطبني بلغة الإشارة من النافذة المقابلة أن اصبري , الله يعلم بحالنا , سبّحي الله و ادعيه أن يبرّد قلبك  …
تواصلت معه و الدموع تملئ مقلتيّ أن خبزاً رطبا في الزاوية يشكل مرتعا للصراصير !! إنني خائفة . القذر في كل زاوية …
أشار لي بالحل : افتحي الماء على الطعام ليذهب في فتحة المرحاض !!! سيسامحك الله فلا حلّ الا هذا  !!!
–  يا الله , كيف أفعلها !!!
تذكرت رواية ( االقوقعة ) للمؤلف المسيحي : مصطفى خليفة الذي سرد فيها حادثة كهذه جرت في سجن تدمر في الثمانينيات  .
نعم , دست على كل المقدسات التي تأصّلت في داخلي و تجاوزت كل شعائر الله التي درجت عليها منذ طفولتي … رميت بالخبز في المرحاض و ضربته بالماء ضربا حتى ابتلعه جوف انابيب الصرف …
–  يا الله سامحني … اجتهد الشباب ان هذا أفضل من ان نعيش مع الجرزان و الحشرات .
و من يومها , كنت أصرّ أن لا آخذ من ” كرمهم ” الا رغيفا حتى ينتهي و جبة واحدة بدل الثلاث  ..
–  هل انت مضربة ؟
–  لا .. انا صائمة ..
خشيت من صلاتة ألسنتهم الحداد على الفحش و الفُجْر .

   21

أعلمت ذلك الشاب بأن ساعتي بقيت معي فهم لم يفتشوني .. فما كان منه الا أن أدمن على سؤالي عن الوقت ليل نهار !!!!
ذكّرني بابن أخي , عوضني شيئا من شعور أُموميّ مفقود … كان يبدأ تواصله معي بسعلة خفيفة فأقف , ثم نتكلم بالاشارات .
كتب لي على كفه اسمه , أنس , من دير الزور , يدرس في المعهد الرياضي , دمّر القصف بناء لهم في المدينة فبعثه أبوه مع أمه و أخوته الصغار الى الشام و بقي هو هناك .
يغسل شعره كل يوم بالماء البارد ! ثم يلعب بعض التمارين الرياضية . ثم يفلّي ثيابه و يرمي بالقملات من فتحة الباب .. كنت أقرأ في قسمات وجهه الرضا و التسليم …
في اليوم التالي مباشرة أخذوني للتحقيق و كان الاستجواب يوميّ مما أشعرني أن أخي يتابع الموضوع من الخارج … لعل المحقق الجديد يعمل بتوجيهات معينة لطي الملف لذلك بدا التحقيق هادئا و خال من أساليبهم التبكيتية القذرة , و الحمد لله  .
أخبرت أنس بذلك  .

لم أكن لأفهم لغة الاشارة الا منه لذلك كان دائما الواسطة بيني و بين الشاب المحازي لزنزانتي و الشابَيّن المحازَين له :

موفق البوطي , ابن عم غير الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي , 18 ربيعا , يمكث في المنفردة منذ 45  يوما , شاب صغير الحجم وديع الوجه ,و قد اختلست نظرة اليه و هو عائد من التحقيق ذات مرة , يلبس ثيابا خفيفة .. متهم بالانتماء الى الجيش الحر .

أحمد , أبٌ لشاب في الجيش الحر , قبضوا عليه ليسلّم الابن نفسه .

ايفان , شاب كردي , حلّاق , في العشرينيات من عمره . حمّلني أمانة الاتصال بأهله بعد تحفيظي رقم الهاتف .. و أن أطمئن أمه بان وحيدها لا يُضرب و هو في الجماعية مع الشباب ياكل و يشرب و يضحك …

مسكينٌ قلب الأم .. بل مسكينٌ قلب ابنها الذي , على معاناته , يخاف على امه و يتمنى لها أن تعيش وهما علّها لا تحزن ..

كل تلك الاتهامات الكبيرة مرروها بيسر و سهولة !! مما زاد يقيني بأنني سأخرج .. و حينها طلب أنس مني الساعة فهي ضرورية  عسى عدُّ الساعات يسلّي النفس …
و لكن كيف تصله ؟

كانت قصة لطيفة بكل تفاصيلها …
حكّ رأسه كالسنفور الذكي ثم ابتسم ابتسامة نيوتن المكتشف ! و أشار :

– وجدتها … سأرمي لكِ سترتي .. مدّي ذراعيك من النافذة و التقطيها .. ثم ضعي الساعة في الجيب و سحّبيه ثم اعيدي السترة بنفس الطريقة .

سرت في عروقي دماء المغامرة و المخاطرة و تحدي القضبان و ارباب القضبان .. فعلتُ ما اتفقنا عليه , ثم جاء دوري في قذف السترة , و لكني لا أتقن رمي الكرة كالشباب , فما كان من السترة الا أن سقطت أرضاً …
–  يا للمصيبة , لقد انكشف الأمر .
–  لا عليك …
و أشار أنه سينتظر الى الصباح …
في اليوم التالي و اثناء مرور السجان من بعيد , نادى الفتى :
–  سيدي , سيدي
–  ماذا تريد يا كرّ ؟
– سيدي , سقطت مني السترة و انا أنظفها من القمل .. لو سمحت لي بها , سيدي .

التقطها من الأرض و رماها في وجه الفتى .
الحمد لله , وصلت الساعة !! كان ذلك انجازا فرح له الشباب الأربع  .
سالني رقم هاتفي ليعيدها لي , ان شاء الله , عند الافراج , فأفهمته : لابأس , لتكن هدية مني لأمك …
و سبحان الله , لم يمر الا يوم واحد حتى نقلوه الى مكان آخر .

22

مكثت في منفردة الأمن السياسي خمسة أيام فقط … كانوا يأخذونني الى التحقيق يوميا , و كانت أقرب الى جلسات الحوار و الإقناع من التخوين و المجابهة , مما زاد يقيني أن المسألة قضية اجراءات فحسب . تذكرت الحلم الذي جاءني في ليلتي الأولى في فرع الخطيب , خاطبني مجهول : ستبقين 35 يوما  ..

ما ظننته الا كابوسا و أضغاث أحلام , و ما تصورت أنْ أقوى على تحمّل هكذا مدة  …
–  مستحيل . مستحيل .
و هكذا تمت العدة 35 يوما في المنفردة من أصل 53 يوما في الاعتقال  .
كل هذا ليس لأي جرم أقاموا عليّ الحجة في التلبس به الا أنني أودعت أفكارا لي في فلاشة , أيقنوا أنها كانت منشورات لمظاهرات !!

أمضيت ساعات تلك الأيام في الأمن السياسي أرقب كل حركة و سكنة في الخارج متمترسةً في زاوية مظلمة …  رأيت أجساما ماتت فيها الأرواح , و أشباحا غادرتها الحياة .. رجال يساقون من زنزاناتهم قد اعوجت ظهورهم و ضمرت عظامهم . يندى جبين الانسانية انهم منسيون مغيبون ..
حقا تختلف ردود أفعال الناس ازاء المواقف الصعبة :  ثلة يجابهونها و يتصالحون معها فيخرجون أقوى شكيمة و أصلب عودا و آخرون يستسلمون .

فُتح الباب يوم 13 /12 / 2012 لينادي السجان اسمي للخارج !! نظرت اليه نظرة بلهاء لمّا تحمل من معنى و اندفعت بفعل انعكاسي الى فضاء آخر . سألني مشيرا الى حزمة خيطان قلّدت بها قنينة الماء :
–  ما هذه ؟
–  انها سُبحتي .
بهدوء أجاب :
–  لا بأس , اتركيها ..

و بدأتْ للتوّ اجراءات الترحيل الى محكمة الارهاب ثانيةً …

تمّ شكلياً الدخول على القاضي … و إمهار الملف بحكم البراءة و اطلاق السراح للمرة الثانية !!
تركتُ أخي عند ما يُدعى القاضي يتبادلان النفاق الوطني و التشخيص الرسمي لمرض أمثالي ممن انخدعوا بأوهام الحرية و التغيير و اسقاط النظام …

طوتْ خطواتي الضعيفة الأرض طياً , مسرعة الى بيت أهلي الذي لا يبعد عن المحكمة سوى كيلومتر واحد .

********

Advertisements

بنتي عنيدة ومتطلبة

المشكلة:

ابنتي الصغيرة وعمرها ثمان سنوات مبذرة جدا ومسرفة وعنيدة واحاول جاهدة تقويمها ولكنها لحوحة مما يضطرني الي نهرها بشدة واحيانا انسي عقابي لها بمنع المصروف لا ادري كيف اقومها

الحل

وأنا هنا أجيب على سجيتي (وكأني أتكلم : لأنه لا وقت للتنميق والمشاكل التي تصلني كثيرة)

كل طفل يعيش في بيته أهله وقد توفر له الطعام والشراب والمأوى والضرورات (من ملابس وكتب ومصاريف دراسة…) بقيت الكماليات من الألعاب والأجهزة الالكترونية والأشياء التي يقلد الصغار فيها بعضهم بعضا

وهذه الكماليات لست مضطرة لمجاراة من حولك في اقتنائها، ولكل بيت قدراته المالية وقناعته
ولو كانت بنتك تعيش في بيت مليونير فإننا لا نضمن المستقبل ولا تعرفين من ستتزوج وكيف ستكون حالة زوجها المادية ولذا يجب تدريبها على القناعة
ستسألين كيف؟
أفضل شيء أن تحددي لها قانونا أو قاعدة:
مصروفها مقداره كذا باليوم، ولا يحق لها الشراء إلا مرة بالأسبوع
واستعملي معها الطرق الحقيقة لمزيد من الجدية ولإضفاء المرح على الموضوع فاعملي جدولا وألصقيه على الحائط فيه مقدار مصروفها اليومي أو الأسبوعي أو الشهري
ولما يحين موعد تسلمه ناديها واطلبي منها التوقيع على استلامه (على الجدول الأصلي أو توقع في ورقة منفصلة)
وذكريها أنها لن تنال أي قرش حتى يحين موعد القبض التالي
ولا تتهاوني مهما فعلت أو بكت أو تضرعت
وإذا استمرت بالإلحاح عاقبيها بالحذف من المصروف
وإذا أفسدت أشياءها احرميها من مصروفها بقدار ثمر الشيء الذي فسد
ولا تنسي أن تغسلي دماغها كل يوم:
وأقصد كلما ظهر إعلان على شيء نفريها منه بحجة أنهم يكذبون بالدعاية لبضائعهم وأنها كماليات لا نحتاجها… من ذلك الكلام
وأيضا أبعديها عن الصديقات المسرفات والمتطلبات
صادقيها تحدثي معها ، واعرفي ميولها وأسباب إلحاحها وطلباتها، وكلما أحضرت شيئا مما كانت تلح عليه اسأليها:
هل وجدته كما توقعت ؟
إذا قالت نعم قولي لها فإن استمتعي به آخر استمتاع ولا تطلبي غيره
وإذا قالت : لا، قولي لها إذن فكري 10 مرات قبل أن تشتري أي شيء
ودعيها تشعر بأن الإنسان كلما حصل على شيء رغب بما بعده وإن لم يلجم نفسه لن تتوقف أحلامه وطلباته
وإن شاء الله سوف تستقيم لك

إنهم يرحلون

كتبت قبل دقائق أنصح بالاستمتاع بالأولاد

لأن الناس يرحلون فجأة وبلا مقدمات، وقبل قليل وصلني خبر رحيل سيدة فاضلة، كانت تزورنا كثيرا في الشام وكانت أمي تحبها وتطرب لحديثها، فسالت مني العبرات..

فكيف سأرجع للشام ولا أجدها

ثم تفكرت، لقد رحل الكثيرون وأنا ما زلت أنتظر العودة لألقاهم

والظاهر أنه يجب أن أوجه وجهي للسماء وليس للأرض وأرحل إلى هناك.

(1) فيما بعد

من القصص التي أثرت في كثيرا وأنا صغيرة، قصة اسمها فيما بعد

كلما جاءت الطفلة لوالدها تطلب شيئا، قال لها : فيما بعد

تقول: أبي احك لي حكاية، فيجيبها وهو منهمك بقراءة الجريدة فيما بعد

تقول: أبي أريد أن نخرج في نزهة، فيجيبها ليس الآن، فيما بعد

تقول: أبي ألن تلعب معي كما كنت تفعل، يقول لها: أنا متعب، سألعب فيما بعد

…. كان الأب يتذكر كل هذا وهو واقف على قبر ابنته التي وقعت فجأة من فوق السطح وماتت فجأة بلا مقدمات

أيها المربون

نسأل الله أن يطيل أعمار أولادكم ويبارك بهم… ولكن العمر قصير فاستمتعوا بوجودهم بينكم، ولا تؤجلوا أي خير

نسأل الله

إنهم يقتلون الإبداع

نحن في عصر يميل الناس فيه للإبداع ويدعوننا إليه، ثم أراهم يقتلون كل إبداع

وإني أكتب الآن أبحاث الماجستير وأتحسر.

بحثي كله نقول وتوثيقات، ثم يضحكون علي ويقولون لي: اكتبي رأيك

يا عمي ماذا يفيد رأيي بالآخر وأنا مجبرة على النقل ومن سيسمعه؟!

ثم إني أصل لآخر البحث وقد انهكت فلا أريد كتابة رأيي ولا كتابة أي شيء وإنما تسليمه فقط والخروج من المادة

أيها الأساتذة دعونا نفكر دعونا نحلق دعونا نبدع

افتحوا كتب التفكير وستجدونها بلا مراجع، إنها نتاج عقول مبدعة وإن الذين غيروا الناس وبدلوا في عقولهم، مثل مالم بن نبي وغيره فإنهم كتبوا عصارة فكرهم ولم يذيلوا كتبهم بالمراجع كما يطلب مني الأساتذة أن أفعل

لقد جعلوا دراستي للماجستير مملة، وكنت أتأمل أن تكون ممتعة

وهذا ما كتبته على الفيسبوك:

ألم يئن للجامعات وللمشرفين على الرسائل أن يعيدوا حساباتهم ويغيروا تلك الطريقة التقليدية في كتابة البحوث؟!
الزمن تغير وتغيرت معه طرق التوثيق والمراجعة ومازالوا يجبروننا على الطريقة القديمة العقيمة في البحث التي تهتم بالشكليات وعدد المراجع… على حساب النص والأفكار الجديدة والإبداع في الطرح والحل.
إنهم يحدون من إبداع الطالب ويكبلونه ويجعلون أكثر بحثه نقولاً وإعادات
أيها المشرفون
إن أكثر المبدعين أخرجوا لنا أفكاراً رائعة وكانت لها نتائج باهرة في تطوير المجتمع ولم يستعملوا هذه الشروط القاسية في الكتابة. فدعوا الطلاب يكتبون ويكتشفون، وكفوا عن إضاعة جهودهم في نقل وتكرار ما كتبه غيرهم، وليكن دور الأستاذ في التأكد من صحة المقدمات وتصويب النتائج

وكتبت لي إيمان مصطفى كلاماً جميلا: وضعتِ يدك على جرح غائر، للأسف أغلب الرسائل والأبحاث تقليدية، خفتت روح الإبداع، والإبداع الحق يبزغ فجره من عند الطالب، ويشرق من عند أستاذه